رفيقا النضال والحرية: عبدالناصر عيسى وعثمان بلال
حررت المقاومة الفلسطينية حوالي 602 أسيرًا فلسطينيًا ضمن الدفعة السابعة من عمليات تبادل الأسرى ضمن المرحلة الأولى من اتفاق وقف إطلاق النار الساري منذ 19 يناير/كانون الثاني الماضي، بعد تأجيل ومماطلة وخرقٍ واضح لبنود الاتفاق. وفي صبيحة يوم السبت الموافق 22 شباط/ فبراير، سلمّت حركة المقاومة الإسلامية (حماس) 5 أسرى إسرائيليين، وسط حشد عسكري وشعبي مراسم تسليم برفح والنصيرات بمشاركة عدة تشكيلات من كتائب القسام بينها وحدة الظل المسؤولة عن الأسرى.
من بين الأسرى المفرج عنهم يبرز رفيقا النضال والاعتقال، عثمان بلال وعبد الناصر عيسى من نابلس، اللذان يُعرفان أيضًا بكونهما رفيقي الشهيد المهندس يحيى عياش.
عبد الناصر عيسى.. عميد أسرى نابلس
وُلد عبد الناصر عيسى في الأول من أكتوبر 1968 في مخيم بلاطة في مدينة نابلس لعائلة لاجئة من قرية طيرة دندن، قضاء الرملة، وهو ابن لعائلة مكونة من 12 فردًا، نشأ في بيئة مقاومة. برزت شجاعته منذ الطفولة، إذ ذكر شقيقه في إحدى المقابلات أنه تصدى لدوريات الاحتلال وهو في عمر صغير أثناء اعتقال والده.
خلال شبابه، تعرّض للإصابة برصاص الاحتلال عام 1982 أثناء الاحتجاجات ضد مجازر صبرا وشاتيلا، ثم أُصيب مجددًا عام 1988. بدأ نشاطه السياسي عام 1983 بانضمامه إلى جماعة "الإخوان المسلمين"، وأصبح من قادة الكتلة الإسلامية في جامعة النجاح، لكنه لم يتمكن من إنهاء دراسته بسبب الاعتقالات المتكررة ما بين 1985 و1988، وكانت الاتهامات الموجهة له تتعلق بالعمل المقاوم، ومن ضمنها إعداد عبوات ناسفة وصناعة قنابل "المولوتوف".
وفي العام 1994 انضم إلى صفوف كتائب الشهيد عز الدين القسام، الجناح العسكري لحركة حماس، وتواصل مع قائد أركانها محمد الضيف لإعادة تفعيل خلايا القسام في الضفة الغربية، وتنقل بينها وبين غزة سرًا.كما لازم الشهيد المهندس يحيى عياش وتعلم من خبراته، ما أعاد اسمه ليكون على رأس سجلات المطاردة الإسرائيلية، وليكون المطلوب الثاني بعد عياش.
اعتقالاته المتكررة.. لم توقف نشاطه
تعرض الأسير المحرر عبد الناصر عيسى لاعتقالات متكررة؛ الأولى عام 1985، والثانية عام 1986. وخلال تلك الفترة، التقى الشهيد القائد جمال منصور الذي أسهم في صقل خبراته. وفي اعتقاله الثالث عام 1988، وصفت سلطات الاحتلال دوره بأنه "مطلوب بالغ الخطورة" لدوره في تدريب وقيادة خلايا عسكرية نفذت عمليات تفجيرية داخل الأراضي المحتلة. وفي 19 آب/أغسطس 1995، اعتُقل مجددًا بتهمة التخطيط لتنفيذ عمليتي "رمات غان" و"رمات أشكول"، وأسفرتا عن مقتل 12 إسرائيليًا وإصابة المئات، فحُكم بالسجن المؤبد مرتين، إضافة إلى 7 سنوات أخرى.
الحياة في الأسر..
واجه تحقيقًا قاسيًا في بدء اعتقاله استمر إلى 4 أشهر، كاد أن يسبب له إعاقةً دائمة، حاول الفرار من سجن عسقلان عبر نفق، لكن لم تنجح محاولته. خلال سنوات اعتقاله المؤلمة، قضى عبد الناصر فترات طويلة في العزل الانفرادي، وحرِم من الزيارات المتقطعة. وفي تلك الفترة، فقد والديه؛ إذ توفي والده عام 2006 قبل أن يتمكن من زيارته، في ما رحلت والدته عن الحياة عام 2012. قال لصديقه فؤاد الخفش خلال اتصال بعد وفاة والدته، بأنه يعيش مزاجًا صعبًا للغاية، فلم يكن يتوقع عبد الناصر أن يرفض الاحتلال الإفراج عنه وإبقائه رهن السجن في صفقة الوفاء الأحرار، عام 2011، وكم تمنى أن يحظى بلقاء أخير لوالدته وهي على كرسيها المتحرك لعله يدخل السعادة لقلبها وروحها بعد أن مات زوجها وهُدم منزلها من قبل الاحتلال.
يعتبر الأسير المحرر مدرسةً في الصمود في التحقيق، فمن أجله وُضع قانون إسرائيلي تحت عنوان (لوح الزجاج المكسور) وأنه يجب انتزاع الاعتراف بالقوة، والسبب أن كل محاولات الاحتلال فشلت معه للكشف عن عملية استشهادية كان من المقرر أن تتم وهو ما كان، وتمت العملية دون انتزاع اعتراف من عبد الناصر ورفيق دربه عثمان بلال.
الأستاذ المثقف.. معروفٌ بولعه في القراءة
معروفٌ عن أبي حذيفه عشقه للتعلم والمعرفة، إذ تمكن الأسير عيسى من مواجهة سنوات أسره بإكمال دراسته، إذ حصل على أكثر من شهادة في درجة البكالوريوس في العلاقات الدولية، وكذلك الماجستير من جامعة تل أبيب المفتوحة، وحصل على ماجستير ثانٍ في الدراسات الإسرائيلية من جامعة القدس، وأصبح يُدرس الاسرى داخل السجن وهو يعتبر من الأسرى الفاعلين والقياديين على كافة المستويات، ذكرت شقيقته في إحدى المقابلات بأنه يقرأ ما يقارب 18 ساعة في اليوم، ولديه شغف كبير في الكتب والقراءة، ويحزن كثيرًا في حال منعت إدارة السجن إدخال كتب جديدة كان يطلبها في الزيارة. يقول رفاقه في السجن، بأن برشه (سريره) لا يتسع له لكثرة وجود الكتب عليه، كما اهتم بتدريس الأسرى، وأسس مركزًا للدراسات، كما ترأس تحرير مجلة "حريتنا"، واكب الإصدارات العربية والعبرية، ونشر في سجنه أكثر من 8 مؤلفات وعشرات المقالات والأبحاث. قال عنه فؤاد الخفش في مقالة كتبها عن الأسير المحرر عبد الناصر عيسى: "أنجز الشباب لك أنشودة مميزة يقولون فيها “يا عبد الناصر أخبرهم فلديك وقائع مشهورة، كنت جودًا منتفضًا غدوت كواكب منثورة، عياش مهندس دعوتنا وحماس الجهور والصورة …".
عثمان بلال.. أن تكون ندًّا
وُلد عثمان سعيد بلال عام 1969 في مدينة نابلس شمال الضفة الغربية، ونشأ في عائلة لها تاريخ طويل بالعمل المقاوم تحت راية الحركة الإسلامية؛ فوالده سعيد بلال أحد أبرز مؤسسي جماعة الإخوان المسلمين في شمال فلسطين، أما والدته فهي إحدى الرائدات في تأسيس التنظيم النسوي للحركة الإسلامية في نابلس. نشأ عثمان في بيئة دينية، وترعرع في مخيم بلاطة، كما تأثر بأجواء المساجد منذ صغره، وانضم لاحقا إلى كتائب الشهيد عبد الله عزام، قبل اندماجها مع كتائب الشهيد عز الدين القسام. وهو من عائلة مكونة من 8 أفراد، من بينهم شقيقه الأسير معاذ بلال المعتقل منذ عام 1997 والمحكوم بالسجن المؤبد 26 مرة مع 25 سنة إضافية، كما أن شقيقه عبادة أبعده الاحتلال الإسرائيلي إلى تركيا عقب الإفراج عنه في صفقة "وفاء الأحرار" عام 2011.
الدراسة والتعلم
في البداية، بدأ عثمان دراسته في مجال الصحافة والإعلام بالجامعة العبرية، لكن سلطات الاحتلال منعته من متابعة هذا التخصص، ما أجبره على تغيير مساره الأكاديمي فدرس العلوم السياسية، ومع ذلك حالت التحديات التي فرضتها إدارة السجون دون إكماله هذا التخصص. ومع إصراره وإرادته القوية نجح في الحصول على شهادة البكالوريوس في التاريخ من جامعة الأقصى في قطاع غزة أثناء وتابع دراسته في الماجستير.
النشاط الحركي واعتقالاته المتكررة
تدرج بلال سريعًا في كتائب القسام، وتواصل مع قادتها، وبالتنسيق مع الشهيد محيي الدين الشريف -الذي كان يقود خلية أخرى في القدس- وبتوجيهات من عياش خطط عثمان ورفيقه عبد الناصر وخلية نابلس لعمليتين استشهاديتين، الأولى نُفذت يوم 24 يوليو/تموز 1995 في منطقة "رمات غان" قرب تل أبيب، نفذها الاستشهادي لبيب عازم تحت إشراف مباشر من عثمان، لكن قوات الاحتلال اعتقلته قبل تنفيذ الثانية وحكمت عليه بـ27 مؤبدًا.
لكن أولى تجارب عثمان مع الاعتقال كانت عام 1993 بعد اتهامه بقتل جنديين إسرائيليين في الثكنة العسكرية على سطح عمارة العنبتاوي وسط نابلس، وخضع لتحقيق قاسٍ استمر أكثر من 90 يوما، لكن المحققين فشلوا في إثبات التهم ضده، وحكم عليه بالسجن مدة عام. في عام 1994 بعد الإفراج عنه تعرّض عثمان لمحاولة اغتيال من وحدة مستعربين وسط نابلس، فأصيب كتفه بطلق ناري، ونُقل على إثر ذلك إلى المستشفى وكانت حالته غير مستقرة، لكن الأطباء نجحوا في إنقاذ حياته.
في 19 أغسطس/آب 1995 اعتُقل عثمان مع رفيقه عبد الناصر، وخضع هو الآخر لتحقيقٍ عنيف على يد محققي جهاز الأمن الداخلي الإسرائيلي (الشاباك) الذين استخدموا أساليب تعذيب قاسية في محاولة لانتزاع معلومات عن العملية الاستشهادية المرتقبة، ورغم ذلك ظل صامدا حتى تنفيذ العملية التي استهدفت "رمات أشكول" في القدس، وأسفرت عن مقتل 5 مستوطنين وإصابة 100 آخرين، ونفذها الاستشهادي سفيان جبارين.
لم يكن عثمان وحده من دفع ثمن نضاله، فقد طالت الاعتقالات أشقائه الأربعة: بكر وعمر ومعاذ وعبادة، وحتى والدته تعرضت للاعتقال مرتين. مُنعت زيارة عثمان إلا من شقيقته الوحيدة، في حين يحتاج شقيقه عمر إلى تصريح استثنائي لزيارته. أما والدته فلم تتمكن من زيارته منذ انتقالها إلى غزة للعيش مع ابنها عبادة الذي أُفرج عنه ضمن صفقة "وفاء الأحرار" عام 2011.
خاتمة
عبد الناصر عيسى وعثمان بلال، رفيقا النضال من مخيم بلاطة في نابلس، تشاركا مسيرة كفاح تحت راية الشهيد المهندس يحيى عياش. أسّسا خلية مقاومة نفّذت عمليات نوعية ضد الاحتلال، تاركة أثرًا لا يزال يؤرقه حتى اليوم. حُكم عليهما بالسجن المؤبد مرتين، وقضيا عقودًا خلف القضبان، فتجذّرت مكانتهما في سجل التضحية والمقاومة. واليوم، بعد ثلاثين عامًا من الأسر، يطويان آخر صفحات الانتظار، ليكتب لهما التحرر بفضل المقاومة. اسمان سطع ذكرهما في سماء النضال، وها هما يعودان أخيرًا إلى رحاب الحرية التي طالما حلمَا بها.