جمال أبو الهيجا... أسطورة مخيم جنين
من قلب المخيمات الفلسطينية، التي تتعرض لأشرس موجة من التدمير وإعادة الهندسة وخاصة في شمال الضفة، يبرز اسم الأسير القائد جمال أبو الهيجا أيقونة للصمود والتضحية وحكاية رجل واجه الاحتلال بكل ما يملك—بإرادته، وعائلته، وحتى بجسده الذي أنهكته سنوات الاعتقال. من مخيم جنين، الذي تحوّلت منازله المتلاصقة إلى أنقاضٍ بفعل آلة الحرب الإسرائيلية، وتهجير أهله اللاجئين تزامنًا مع ما بات يعرف بعملية "السور الحديدي" التي بدأتها إسرائيل في 21 يناير/كانون الثاني الماضي.
اليوم، ومع انتهاء العدوان الأخير على غزة وإعلان وقف إطلاق النار حتى يوم 18 آذار/ مارس 2025 وما تلاها من صفقات تبادل الأسرى، تعود الأنظار إلى العائلات التي دفعت أثمانًا باهظة في رحلة المقاومة. عائلة الأسير جمال أبو الهيجا ليست مجرد اسم في قائمة التضحية، بل هي حكاية من الصبر والقهر والنضال، كانت أزقة المخيم شاهدة على تضحيات العائلة من الأب إلى أصغر أطفاله. بين اعتقال واستشهاد، بين قيدٍ ومطاردة، حملت العائلة عبء المواجهة جيلاً بعد جيل.
في ظل المتغيرات المتسارعة على الساحة الفلسطينية، ومع محاولات الاحتلال لإنهاء قضية اللاجئين وتصفية الأونروا، يبقى مخيم جنين شاهدًا على نضال العائلات الفلسطينية، وعائلة أبو الهيجا نموذج حي للثبات أمام آلة القمع الإسرائيلية. كيف كانت رحلتهم؟ وما الذي يجعل قصة جمال أبو الهيجا مختلفة عن غيرها؟ في هذا التقرير، نسلّط الضوء على مسيرة قائد لم ينكسر، رغم محاولات الاحتلال لكسر إرادته عبر استهدافه واستهداف زوجته وأبنائه.
من هو جمال أبو الهيجا؟
ينحدر جمال أبو الهيجا من أسرةٍ فلسطينية لاجئة تعود أصولها إلى قرية عين حوض قضاء حيفا، واستقرت عائلته في مخيم جنين بعد النكبة. تأثر بوالده الذي كان إمامًا للمسجد، وانخرط في العمل الدعوي والاجتماعي في سنٍ صغير، قبل أن ينضم إلى المقاومة المسلحة ويتولى قيادة كتائب القسام شمال الضفة، وهو ما كلفه بتر يده إثر مواجهات مسلحة مع الاحتلال ثم اعتقاله.
تزوج من أسماء محمد سباعنة، ورُزقا بستة أبناء، جميعهم ساروا على خطى والدهم في الدفاع عن القضيّة الفلسطينية ومقاومة الاحتلال بشتى الوسائل. اعتقلته قوات الاحتلال عام 2002، وحُكم عليه بالسجن تسعة مؤبدات وعشرون عامًا إضافية. منذ ذلك الحين، تعرض للعزل الانفرادي والتضييق المستمر، كما استهدفت عائلته بالملاحقة والاعتقال، وتعرض منزله للقصف عدة مرات. رفض الاحتلال إطلاق سراحه في صفقة وفاء الأحرار عام 2011، نظرًا لتأثيره الكبير في الساحة الفلسطينية. وفي عام 2014، استشهد نجله حمزة في اشتباك مسلح مع قوات الاحتلال.
التكوين العلمي والمهني
درس جمال أبو الهيجا المرحلة الأساسية في مدارس وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا)، وأكمل الثانوية العامة في مدرسة جنين الثانوية. حصل على دبلوم في التربية الإسلامية من الكلية العربية لإعداد المعلمين في عمان عام 1982. بدأ مسيرته المهنية في التدريس، حيث عمل في اليمن بين عامي 1982 و1984، ثم انتقل إلى السعودية لمواصلة العمل في المجال ذاته، قبل أن يقيم لفترة قصيرة في الكويت. عاد إلى جنين عام 1990، حيث انخرط في العمل الخيري والاجتماعي عبر لجنة الزكاة والصدقات، التي قدمت خدمات للأيتام والمحتاجين، من مساعدات دراسية وتموينية إلى ترميم المنازل وتوفير الأدوية. كما تولى إدارة مراكز تحفيظ القرآن الكريم في محافظة جنين.
النشاط الحركي في مقاومة الاحتلال
انضم جمال أبو الهيجا إلى جماعة الإخوان المسلمين في شبابه، وشارك في أنشطتها الدعوية والاجتماعية، ثم التحق بـحركة حماس فور تأسيسها. في عام 1996، كان عضوًا في لجنة المؤازرة داخل مخيم جنين، قبل أن ينخرط في كتائب القسام، الجناح العسكري للحركة، ليصبح أحد قادتها في شمال الضفة الغربية.
استضاف في منزله عددًا من أبرز قادة كتائب القسام، منهم عادل عوض الله، محيي الدين الشريف، نسيم أبو الروس، محمود أبو هنود، وجاسر سمارو، وكان مشرفًا على عمليات مقاومة بارزة، منها:
● عملية مطعم سبارو – القدس (9 أغسطس 2001): نفذها الاستشهادي عز الدين المصري، وأسفرت عن مقتل 20 إسرائيليًا وإصابة 150 آخرين، ردًا على اغتيال جمال منصور وجمال سليم في نابلس.
● عملية نهاريا (9 سبتمبر 2001): نفذها الاستشهادي محمد شاكر حبيشي، حيث فجر نفسه قرب محطة القطارات، ما أدى إلى مقتل 5 إسرائيليين وإصابة حوالي 40 آخرين.
● عملية مطعم ماتسة – حيفا (31 مارس 2002): نفذها الاستشهادي شادي زكريا الطوباسي، وأسفرت عن مقتل 20 إسرائيليًا وإصابة 35 آخرين، ردًا على مجازر الاحتلال في رام الله.
● عملية الحافلة في صفد (4 أغسطس 2002): نفذها الاستشهادي جهاد حمادة، حيث فجر نفسه داخل حافلة إسرائيلية، ما أدى إلى مقتل 10 إسرائيليًا وإصابة 62، ردًا على اغتيال القائد صلاح شحادة.
كما كان أحد قادة معركة جنين في مارس 2002، خلال اجتياح الاحتلال للضفة الغربية. ظل مطاردًا حتى اعتقاله في 26 أغسطس 2002، خلال عملية نفذتها وحدة إسرائيلية خاصة، وذلك بعد أشهر من إصابته في يده، وأيام من عملية صفد الاستشهادية.
الاعتقال وحياة السجن
اعتقله الاحتلال الإسرائيلي للمرة الأولى في العام 1992، وأُفرج عنه بعد 18 يومًا من التحقيق، لكنه اعتُقل مجددًا في بداية العام 1993 حتى 17 أيار/ مايو من العام نفسه. كما اعتُقل في أيلول/ سبتمبر 1995 وأُفرج عنه في 14 كانون الأول/ ديسمبر، ثم في 12 نيسان/ أبريل 1998، إذ خضع لتحقيق مكثف حول مكان عادل عوض الله قبل الإفراج عنه في 20 تموز/ يوليو 1999.
ظل مطاردًا من الاحتلال لمدة ثلاث سنوات، وفي 26 آب/ أغسطس 2002، اعتقلته وحدة إسرائيلية خاصة بعد محاصرته في أحد المنازل، حيث خضع لتحقيق قاسٍ، حكم عليه الاحتلال بالسجن 9 مؤبدات و20 عامًا إضافية بتهمة الإشراف على عمليات فدائية وقيادة كتائب القسام.
وضعه الاحتلال ضمن قائمة الأسرى الخطرين، وتعرض للتعذيب لمدة شهرين،كما حُرم من الزيارات العائلية بدعوى المنع الأمني، وتعرض منزله للقصف مرتين في عام 2002.
لم تسلم عائلته من الاستهداف، فقد اعتُقل جميع أبنائه عدة مرات، واعتُقلت زوجته لمدة 9 أشهر. كما توفيت شقيقته وشقيقه أثناء وجوده في السجن، وأصيبت زوجته بمرض السرطان. أما لقاؤه بأبنائه، تقدم الشيخ جمال بطلب إلى المحكمة الإسرائيلية عام 2008 للقاء ولديه عبد السلام الذي كان يقضي محكوميته لمدة 7 أعوام وابنه عاصم الذي كان معتقلًا إداريًا، غير أن المحكمة رفضت الترخيص لهذا اللقاء. وفي سنة 2015 وبعد ترحيله إلى سجن بئر السبع، تمكن الشيخ جمال من لقاء اثنين من أبنائه وهما عماد الذي كان يقضي حكما بالسجن لمدة سنتين وعاصم الذي كان محكومًا بسنة ونصف، وكان هذا اللقاء الأول بين الأب وأبنائه بعد 13 عاما من اعتقاله.
خلال فترة أسره، كان أبو الهيجا من الفاعلين في النقاشات التي سبقت تأسيس قيادة حركة حماس الأسيرة، وكان عضوًا في الهيئة التأسيسية، ثم في الهيئة القيادية العليا لأسرى حماس لعدة دورات تنظيمية. شارك في إضراب الكرامة عام 2012، الذي استمر 28 يومًا، فتدهورت حالته الصحية نتيجة الإهمال الطبي. ومع نهاية الإضراب، انتهت سنوات العزل الانفرادي. تنقل بين عدة سجون، منها ريمون، إيشل، عسقلان، جلبوع، وتعرض خلالها لمضايقات مستمرة من إدارة السجون، التي فرضت عليه عقوبات مشددة وحرمانًا متكررًا من الزيارات العائلية. قبل عدة شهور أصيب الأسير بمرض الاسكابيوس، وحُرم من العلاج والدواء، وحسب مصادر عائلية فإن سلطات السجن تنقله يومياً من غرفته إلى الزنزانة، ويقوم السجانون برشّه بالماء ويبقى مبللاً؛ لأنه لا يمتلك ملابس أخرى غير التي يرتديها وهذا ما أدى إلى زيادة الألم والمرض للأسير.
الشهيد المقاوم حمزة جمال أبو الهيجا
وُلد حمزة جمال أبو الهيجا في مخيم جنين عام 1992 وكان الأصغر بين إخوته. تميز بالهدوء وحب الناس له، وكان معروفًا ببره بوالديه ومساعدته للفقراء والمشاركة في مناسبات أهل المخيم. بدأ معاناته منذ ملاحقته من قبل أجهزة أمن السلطة، التي اتهمته برفع رايات "حماس" تضامنًا مع الأسير المريض آنذاك، الشهيد ميسرة أبو حمدية. تحول حمزة من متضامن مع الأسرى إلى مطارد من السلطة، قبل أن يصبح هدفًا للاحتلال الإسرائيلي الذي فشل عدة مرات في اعتقاله.
في أحد أيام المطاردة، تحصن حمزة في منزلٍ بمخيم جنين، ومع بداية الاشتباك مع القوات الإسرائيلية، قرر مساعدة سيدة وطفلها كانوا محاصرين معه، وأمّن لهما طريقًا للفرار قبل أن يعود لمواصلة القتال. استمر في مقاومته حتى استشهد في فجر 22 مارس 2014، خلال قصف صاروخي من الاحتلال، وكان برفقته المقاومان يزن جبارين ومحمود أبو زينة.
أسماء أبو الهيجا: الأم والزوجة ومريضة السرطان
معاناة مستمرة ومتصلة تعيشها أسماء أبو الهيجا، التي تواجه فقدان زوجها الأسير الشيخ جمال أبو الهيجا، إذ لم تتمكن من زيارته إلا مرة واحدة في عام 2014، كما يحرمها الاحتلال من زيارة أبنائها الأسرى. في عام 2016، اكتشفت أسماء أن الورم السرطاني الذي خضعت لعمليتين لاستئصاله في 1992 و1998 عاد بحجم أكبر أسفل دماغها. ورغم تقدمها بطلب للحصول على تصريح لدخول القدس لإجراء عملية جديدة، رفض الاحتلال منحها التصريح. وتواجه أسماء تحديات إضافية بفقدان بصرها في العين اليسرى وفقدان حاسة الشم، إضافة إلى صداع مستمر يؤثر على حياتها.
وخلال فترة استشهاد نجلها حمزة، كانت والدته تتلقى العلاج من السرطان، إذ قضت شهورًا في المستشفى ولم تتمكن من رؤيته قبل استشهاده، حيث كان الاحتلال يطارد حمزة لأكثر من عامين.
عماد أبو الهيجا.. المعتقل لدى اللجنة الأمنية بسجن جنيد
بعد اعتقال جميع أفراد عائلته، وتحرره من سجون الاحتلال، تعرض الأسير المحرر عماد أبو الهيجا للاعتقال مجددًا على يد أجهزة السلطة الفلسطينية في الثالث من كانون الأول/ ديسمبر 2024، ولا يزال محتجزًا حتى اليوم. ووجهت شقيقته، بنان أبو الهيجا، رسالة قاسية إلى أجهزة أمن السلطة، مستنكرة استمرار اعتقاله لأكثر من 50 يومًا، قائلة: "ما راعوا مشاعر أمك الثكلى ولا جسدها المنهك من المرض"، في إشارة إلى معاناة والدتهم التي فقدت أبناءها وزوجها خلف القضبان، ولم يُسمح لها برؤية عماد، وهو ابنها الوحيد الذي كان خارج الأسر.
وكانت قوة أمنية تابعة لمخابرات السلطة قد اقتحمت منزل عماد في مدينة جنين يوم 3 كانون الأول/ ديسمبر، واعتقلته من وسط عائلته بوحشية، واقتادته إلى مكان مجهول، ما أثار غضبًا واسعًا بين أهالي المدينة.
خاتمة
وسط معاناة عائلة أبو الهيجا المستمرة بين الاعتقال والملاحقة والمرض، يظل مخيم جنين شاهدًا على صمود أهله وتضحياتهم في مواجهة الاحتلال. فعلى الرغم من الهجمات الشرسة التي تعرض لها المخيم، ومحاولات طمس نضالاته، تبقى ذكرى المقاومة حية في وجدان أبنائه. ومع استمرار اعتقال الشيخ جمال أبو الهيجا وأبنائه، يطرح المستقبل تساؤلات حول مصيرهم؛ فهل تحمل الأيام القادمة أملًا في الإفراج عن الشيخ ضمن صفقة تبادل الأسرى، أم أن الاحتلال سيواصل تعنته؟ وهل ستفرج السلطة الفلسطينية عن نجله المعتقل لديها، أم أن العائلة ستبقى تعاني من بطش السلطة؟ وهل سيتم السماح للسيدة أسماء، أم عبد السلام في السفر والتوجه للخارج للعلاج؟ في ظل كل هذه الأسئلة، وفي ظل المتغيرات السريعة وتصاعد المواجهة بين الاحتلال والمقاومة، يبقى الأمل معقودًا على صمود الأحرار وإرادة الشعب التي لا تنكسر.