مذكرات شهيد: مسافر في قاعة الانتظار

رأي
نسخ الرابط: https://almaidan.info/posts/360

لم يشعر أحد بالبرد من ركاب الحافلة لأن الزحام كان هو الحال، والتوتر والقلق ممزوج بلحظات الانتظار، وربما لأن شمس الحادي عشر من ديسمبر كانت دافئة. فتحت تلك الأبواب، وأزيح الستار الأسود ليفتح النافذة على القارة الأخرى، دخلوا لأمتار معدودة وبدت عليهم البهجة. "فلينزل الجميع من الحافلة" تلك كانت كلمات الضابط المصري الأولى، وكأنه لم يعرف أساليب التحية والاستفتاح قط، هذا ليس مهما بالنسبة لمصطفى والخمسين الآخرين فالأهم أنهم عبروا. بعد أن قاموا بعدِّ الركاب وفحصهم راكبًا راكبًا، انطلقت الحافلة مرة أخرى نحو صالة المغادرة أو قاعة الاختبار.. هكذا أراد مصطفى أن يسميها.

دخل الجميع والكل يسارع نحو شبابيك الجوازات ويملأ الاستمارات.. فعل مصطفى كالآخرين، والكل ينتظر لحظة إعلان النتائج. نظر حوله فوجد من يقرأ القرآن، ومن يتوجه إلى الله بالدعاء، ومن يمسك مسبحته وتتوالى حباتها بين تسبيح وتحميد وتهليل. في هذه اللحظات كان الحاضرون سواسية كأسنان المشط، لا اعتبار لكبير، أو صغير، أو حمساوي، أو فتحاوي والكل ينظر إلى تلك الفئة القليلة التي يُقال لها "تفضل يا بيه"! جال في خاطره، ما الفرق بين المنتظرين والعابرين؟ ربما أغدقوا على كبار رجالات المعبر أموالاً وهدايا.

أتت لحظة إعلان النتائج والكل يترقب اسمه، فترى الفرح يغمر وجوه وكأنهم أخرجوا من النار ليدخلوا الجنة والمنتظرون يغبطونهم.. وتتوالى أسماء الفائزين، وتتساقط أسماء المرجعين، وتسودّ وجهوهم وكأنهم أخرجوا من النار ليعودوا إلى الحصار. طالت ساعات الانتظار بمصطفى، حتى وقف شخص طويل الهامة وبلهجة مصرية وبصوتٍ عالٍ قال: "يا درش تعال"!. نظر الجميع إليه وتساءلت عيونهم من يكون مصطفى لينادي عليه كبير ضباط المخابرات في المعبر المصري وبلقبه الذي اعتاد سماعه من أهل حيه وذويه؟

دخل مصطفى تلك الممرات المظلمة ليستقر بذلك المكتب الفاخر ويجلس على كرسي يحث على النوم، وبدأت تلك الجولة من الأسئلة لماذا أتيت؟ وأين تذهب؟ وماذا تريد؟ ولكن بأسلوب مؤدب وراق وابتسامات تملأ محيَّاه.. انتهت المقابلة بصور ثلاث لمصطفى ربما التُقطت للذكرى!

عاد إلى حيث كان ينتظر، وجاء الاسمُ مدويا "مصطفى كمال.. " ذهب واستقل حافلة مع آخرين، لكنها كانت حافلة العودة، فقد أُخبر أنه مرجع.. لم تبد عليه علامات الحزن، ولم ينظر من النافذة إلى الوراء. خُتم جواز مصطفى بالختم الأزرق "لاغٍ" ، وفشلت رحلته إلى ماليزيا لإكمال دراسته العليا في مجال تكنولوجيا المعلومات وليضاف الختم الأزرق للمرة الثالثة على جواز سفره .

خُتم جواز مصطفى بالختم الأزرق "لاغٍ"، وفشلت رحلته إلى ماليزيا لإكمال دراسته العليا في مجال تكنولوجيا المعلومات وليضاف الختم الأزرق للمرة الثالثة على جواز سفره.

لم تكن المرة الأولى التي يسمع فيها مصطفى اسمه بهذه الطريقة - مصطفى كمال - فكانت البداية في العاشر من إبريل عام 2014، عندما نزل من الطائرة في مطار القاهرة مع آخرين من ضحايا العدوان بعد رحلة علاج استمرت أربعة أشهر في المملكة العربية السعودية. لم يكونوا ستة عشر فقط بل كان برفقتهم سفير السعودية بمصر وأعضاء السفارة الفلسطينية والهلال الأحمر السعودي.

أُجلسوا على شيء يعتبره الضابط المصري كرسي، أما أصحاب الإعاقات والجراحات لم يعرفوه بعد. نادى ذاك الصوت: " مصطفى كمال ". سُحب مصطفى من يده اليسرى فاليمنى، لم تكن تتحرك آن ذاك، وأُدخل إلى غرفة بها وجه ينطق عصبية، ولسان لا يتكلم إلا بصوت مرتفع، وبدأ قلب مصطفى يزداد خفقانًا بينما عقله يحشد الإجابات لأسئلة متوقعة.

لم تُسأل تلك الأسئلة، ولا يعني ذلك أن أسلوب الحديث تغير، بل زاد فظاظة لا تتناسب مع الأسئلة؛ "ما اسمك؟ اسم والدتك؟ اسم والدك؟ اخوتك وأخواتك؟ عماتك، خالاتك، واستمر يسأل ويسأل عن أسماء أبناء العم والعمات وكل قريب وبعيد"، وبهذه الطريقة تم إنشاء ملف مصطفى الأمني، هكذا عرف بعد ثلاثة شهور.

 وصل مصطفى معبر رفح مع الآخرين وضوء النهار يتلاشى ووجد العشرات في انتظار فتح الأبواب، لم تكن المشكلة أبدًا في تلك الأبواب إنما في الضابط الذي هلّ هلاله مع صوت أذان الظهر. دخل الجميع وتعالت الأصوات فرحًا؛ "فنحن نفرح بصوت عالٍ كما نبكي ونتألم".. هكذا وصف مصطفى الحال.

عبر المنتظرون من الجانب المصري إلى الفلسطيني عبر البطاقة الصفراء التي منحت للمغادرين خلال العدوان. ظل مصطفى وامرأة حامل والكراسي في صالة المعبر حتى صدح أذان المغرب.. واصلت المرأة بكاءها فلم يسمحوا لها بالعبور لأنها أضاعت صك الغفران -البطاقة الصفراء- بينما كان مصطفى يواصل عد البلاطات للمرة السادسة. سُمح للمرأة أخيرًا بالعبور بعد توسلات ممزوجة بدموع لن ينساها مصطفى.

غادرت هي وهو عبر إلى ممرات ودهاليز، ليتعرف على صديق جديد، ويعيد سؤاله الأسئلة ذاتها التي سأله إياها ضابط أمن الدولة في مطار القاهرة، ولكن الأسلوب مختلف تمامًا كاختلاف الليل والنهار.

دخل مصطفى ورأى نور غزة بينما عادت أمه إلى البيت حزينة مع إشاعة نبأ اعتقاله في معبر رفح، ولكن المسألة لم تطل، ووصل البيت في وقت قصير وسط زفة شبابية أضفت المرح لتزيل هم وغم الرحلة.

دخل مصطفى ورأى نور غزة بينما عادت أمه إلى البيت حزينة مع إشاعة نبأ اعتقاله في معبر رفح، ولكن المسألة لم تطل، ووصل البيت في وقت قصير وسط زفة شبابية أضفت المرح لتزيل هم وغم الرحلة.

ثلاثة شهور توالت قبل أن تبدأ الرحلة الأولى إلى الأسكندرية وكما هي الإجراءات المملة المعتادة، الجميع دخل - مصطفى ومن معه - وبدأت لحظات الانتظار، وبدأ مصطفى وصديقه محمد بسام بالتخطيط لرحلة الإسكندرية، ورسموا تفاصيلها بعد أن ينهيا إجراءات العلاج. قطعت الأفكار والتخيلات بحدث ظريف مضحك مبكي حيث سُمح بدخول مرافق مصطفى محمد ومنع المريض من الدخول ليعلم مصطفى وللمرة الأولى أن اسمه أدرج في تلك اللعنة -قائمة المرفوضين أمنيًا- صمت مصطفى حزنًا وبدأ يتسلل ألم جديد ليسري في قلبه غير ذاك الألم الذي يرافق يده .

 عاد مصطفى إلى الحافلة متجهًا إلى الجانب الفلسطيني ونظراته تعود إلى الوراء، ابتعد عن مصر وابتعدت لحظات السعادة التي رسمها فلم تحظ بالألوان، وظلت مجرد لحظات جميلة سدت أوقات الانتظار.

فشلت رحلة الاسكندرية وعاد مصطفى واستقبله البعض بجمل التفاؤل " لعله خطأ ما "، " ما الذي عليك ليرفضوك؟"، " لعلك لم تكمل الأوراق المطلوبة ". أوراق مصطفى مكتملة وكللت الأختام تحويلته المرضية، وطمأنه ضابط المخابرات في أول لقاء بأنه سليم و"نظيف" ولم تكن المقابلة إلا من باب الإجراءات الروتينية.

نجح من حوله بإقناعه بالمحاولة مرة أخرى، ولم يكن يخطط للمرح هذه المرة في الاسكندرية، إنما فقط رحلة علاج إلى القاهرة، وفشلت الرحلة كما سابقتها لتليها رحلة ماليزيا الدراسية فشلت رحلات العلاج والتعليم، ومضت الأيام ليتلقَّى ألمًا جديدًا ليس من أبناء العروبة والعمومة، بل من أخيه الفلسطيني، حيث رفض أمنيًا فلم يحصل على جوازه الجديد بدلًا عن المنتهي، لم يكترث مصطفى لعله بلا فائدة، ففي كل الأحوال لن تطأ قدماه غير غزة.

عندما جلستُ مع مصطفى تذكر لحظات ليست عابرة، تابع حديثه بالقول: "كم نحن الفلسطينيون مساكين، كثيرا ما نتعلق بالقشات، مرة نتعلق بقشة حقوق الإنسان، وأخرى بتعاطف النظام المصري لعله يرحمنا فسقط النظام وغرقت قشته، جاءتنا قشة جديدة لم تكن يوما بالحسبان الثورة المصرية.. لا أعلم، هل ستصبح يوماً طوق نجاة؟ فكل شيء ممكن في عالم "الفايسبوك" و"الجزيرة"!.

لكن ما يعرفه مصطفى في لحظات الصباح وأوقات الغروب عندما يتصل بالعاملين في المعبر الفلسطيني ويسألهم عن الحال، يحصل على إجابة موجزة.. "المعبر اليوم زفت زي كل يوم ".

رحل مصطفى عن عالمنا قبل عام من الآن في حرب الإبادة الجماعية على قطاع غزة، تاركًا وراءة زوجته وأطفاله الأربعة، وأحلامه التي لم تتحقق، وفهمًا عميقًا بهذه الدنيا وطبائعها، وأسئلة لم يجد لها إجابات.

ازداد الأمرُ يقينًا عندما يذهب إلى المعبر ليلتقط الصور ويجري الحوارات مع أولئك المرجعين الذين كل يوم هم في ازدياد، ليعلم بأن القشة لم تصبح طوق نجاة بعد. أكثر ما جال في خاطره عند عودته من تلك الرحلات، ليس سؤاله عن حقوق الإنسان، أو لماذا يعامل الفلسطيني هكذا أو عنا أو عنهم؟ لكنه تساءل عن الذي سبق حقوق الإنسان وسبقنا وسبقهم، سأل دائما عن مبدأ أساسي في الدين الذي نعتنقه " أليس المسلم أخو المسلم؟" هذا المبدأ الذي تبنى عليه حقوق وواجبات.

عندما دخل غرفهم وتكلم مع وجوههم المختلفة وجد مصاحف تزين مكاتبهم. ليس هذا فقط ما رأى، رأى أختي وأخي، أمي وأبي بين باك ومتوسل والكل متعلق بنظرات الرجاء.. الأصوات المنفرة والوجوه العبسة هي التي تحكم هناك.

هي رحلات قصيرة المسافات، ولكن طويلة بلحظات الانتظار ومؤلمة في نتائجها، فالحقيقة أن مصطفى ليس بمجرم، أو مخل بأمن ما، ولا يشكل خطرا على أحد، ولكنه ظلم كما الآلاف، ولا يعني ذلك أبدا أن الحياة تقف هنا، فالطموح لا تقتله قوائم اللعنات.رحل مصطفى عن عالمنا قبل عام من الآن في حرب الإبادة الجماعية على قطاع غزة، تاركًا وراءه زوجته وأطفاله الأربعة، وأحلامه التي لم تتحقق، وفهمًا عميقًا بهذه الدنيا وطبائعها، وأسئلة لم يجد لها إجابات.