تشكيلات المقاومة في الضفة.. وسؤال الجدوى
رُبما لم يكن يعلم محمود العارضة ورفاقه وهم يحفرون نفق جلبوع أنهم لا يقرعون أجراس حريتهم فحسب، بل يقرعون أبواب خزان الثورة التي ظن الاحتلال أنه أخمدها باعتقالهم واغتيال رفاق دربهم.
ذاك الصباح، صباح السادس من سبتمبر 2021 حينما استيقظ العالم على خبر خارج حدود المألوف وحسابات العقل والمنطق، حينما تمكن 6 أسرى جميعهم من جنين من انتزاع حريتهم عبر حفر نفق من حُجرة المرحاض في الزنزانة ليخرجوا من فتحته التي شاءت الأقدار أن تأتي تحت برج الحراسة بعد منتصف الليل، حيث ليل جلبوع المُظلم بكل شيء، بظلمه وجنده وحرسه، إلا من نقطة النور الملاصقة لبرج المراقبة والتي أشرقت صباح السادس من سبتمبر وأرسلت شعاعها إلى مخيم جنين في بادئ الأمر.
ما إن سمع شباب مخيم جنين المتفجر بالثورة بالخبر الذي هز العالم، لم يتلقوه كما تلقاه بقية الناس، كخبر عظيم يحتاج إلى تهليل وتصفيق وتشجيع ومسيرات، بل تداعوا إلى حمل السلاح ومهاجمة حواجز الاحتلال وإشغال جنوده الذين استنفروا للبحث عن الأسرى الستة.
لقد كانت هذه الحادثة بمثابة نقطة تحول على مستوى المقاومة المسلحة في شمال الضفة الغربية، فلقد تحول الشبان الذين تداعوا لحمل السلاح وإشغال الاحتلال من أجل حماية أسراهم إلى كتيبة أسموها كتيبة جنين، وما إن تجذرت هذه الحالة في جنين حتى أخذت بالامتداد فأصبحت عرينًا للأسود في نابلس، وكتيبة في نور شمس وطولكرم، وأخرى في بلاطة وعسكر والفارعة، ولم يتوقف تمددها حتى وصل إلى مخيم عقبة جبر في أريحا، لتشهد الضفة مع هذه التشكيلات مرحلة جديدة باتت تنتقل بالعدوى بين المخيمات والقرى والبلدات.
قد كانت هذه الحادثة بمثابة نقطة تحول على مستوى المقاومة المسلحة في شمال الضفة الغربية، فلقد تحول الشبان الذين تداعوا لحمل السلاح وإشغال الاحتلال من أجل حماية أسراهم إلى كتيبة أسموها كتيبة جنين، وما إن تجذرت هذه الحالة في جنين حتى أخذت بالامتداد فأصبحت عرينًا للأسود في نابلس، وكتيبة في نور شمس وطولكرم، وأخرى في بلاطة وعسكر والفارعة،
نعم، لم يكن هذا الشكل من المقاومة جديدًا خاصة على مخيم جنين الذي عاش مثل تلك الحالة إبان معركة 2002، لكن الحالة ككل في شمال الضفة كانت حالة جديدة جاءت بعد انقطاع هذا الشكل من المقاومة على مدار عقد ونصف على أقل تقدير.
ردة الفعل الإسرائيلية على هذه التشكيلات كانت كما هو متوقعًا من السلوك الإسرائيلي مع المقاومة في كل مكان تتواجد فيه، تدمير البنية التحتية وإيذاء الجبهة الداخلية وتعطيل حياة الناس وتدفيعهم ضريبة المقاومة، الأمر الذي يفتح النقاش بشكل متكرر وأحيانًا على استحياء عن جدوى هذا الشكل من المقاومة، خاصة وأن الضفة قد اعتادت خلال السنوات الماضية على شكل المقاومة العملياتية التي تضرب بين كل فترة وفترة في أماكن مختلفة دون أن يكون لها أماكن تكتل وتواجد معلومة.
ورغم أن هكذا تساؤلات لا يمكن الإجابة عنها بشكل "مُريح" في ظل تواجد الاحتلال، وذلك على قاعدة أنه لطالما هناك احتلال فهناك مقاومة، وعلى قاعدة أخرى يرددها الفلسطينيون دومًا: أن الاحتلال يُدمر لأنه احتلال ولا يحتاج لذريعة حتى يُدمر، وأن الحياة الطبيعية لأي شعب تحت الاحتلال هي حياة دفع الضريبة والثمن لا حياة التعايش.
لعل هذه ثمة إجابات بديهية تخرج على لسان الفلسطينيين في جلساتهم العائلية ونقاشات الأصدقاء "عبر الواقع والمواقع" إلا أنه لا بد من تفصيل أكثر حول هذه "الجدوى المستمرة" كما أسماها باسل الأعرج وذلك من زوايا عدة
خسائر موجعة .. واستنزاف مستمر
تُظهر الإحصائيات المعتمدة على اعترافات الاحتلال -والمعروف أن الاحتلال يخفي الجزء الأكبر من خسائره- أن الاحتلال ومنذ صباح الـ6 من سبتمبر 2021 وحتى تاريخ هذه الكلمات فقد 125 عنصرًا من عناصره بين جندي وضابط، وأصيب له 2144 آخرين، في أكثر من 6200 عملًا مقاومًا خشنًا بين اشتباكات مسلحة وعمليات دعس وطعن وتفجير عبوات الناسفة، 47 من هؤلاء القتلى، و705 من الجرحى كانوا في الأماكن التي تشكلت بها كتائب للمقاومة، كان آخرهم قائد لواء "المنشية" أي المسؤول عن منطقتي طولكرم وجنين في جيش الاحتلال والذي أصيب بتفجير عبوة ناسفة فجّرتها المقاومة بطولكرم في آليته التي كانت تحوي قائد لواء الضفة أيضًا، بالإضافة إلى أن من أصل ما يقارب 6200 عملًا مقاومًا في عموم الضفة، كان نصيب تلك المناطق قرابة 5200 عملًا، أي ما يزيد عن 80% من المقاومة الخشنة والاستنزاف الذي تعرض له الاحتلال خلال السنوات الماضية كان في المناطق التي تشكلت بها كتائب للمقاومة.
الاحتلال ومنذ صباح الـ6 من سبتمبر 2021 وحتى تاريخ هذه الكلمات فقد 125 عنصرًا من عناصره بين جندي وضابط، وأصيب له 2144 آخرين، في أكثر من 6200 عملًا مقاومًا خشنًا بين اشتباكات مسلحة وعمليات دعس وطعن وتفجير عبوات الناسفة
ليس القتلى والجرحى فقط هم خسائر الاحتلال في المواجهة مع المقاومة، بل يمتد الأمر إلى آلياته العسكرية التي باتت تواجه كابوس العبوات الناسفة المتصاعدة في المخيمات، والتي كان لها النصيب الأكبر في إعطاب أعداد كبيرة من جرافات وآليات الاحتلال في أزقة مخيمات طولكرم ونور شمس وجنين والفارعة حيث بلغ عدد الجرافات المستهدفة بشكل مباشر في هذه المخيمات حتى نهاية شهر نوفمبر الماضي 44 جرافة إضافة إلى عشرات الآليات الأخرى والتي قُتل بداخلها عدد من الضباط والجنود كان أشهرهم قائد فرقة القناصة بجيش الاحتلال في كمين برج بن عامر بجنين.
خط الدفاع الأول أمام اعتداءات المستوطنين
في وقت تتحول فيه حياة معظم مدن جنوب الضفة ووسطها وأجزاء من شمالها إلى جحيم وكوابيس بفعل هجمات المستوطنين التي لا تتوقف، تبدو مناطق مثل طولكرم وجنين وطوباس في راحة من هذا الأمر، وحتى نابلس التي تشهد بين الحين والآخر اعتداءات للمستوطنين في عدد من بلداتها مثل حوارة وقصرة وغيرها، أسهمت فيها المقاومة في دب الرعب في صفوف المستوطنين عبر إطلاق النار المستمر على المقتحمين لـ"قبر يوسف" والتي أسفرت عن إصابة 4 مستوطنين خلال شهر ديسمبر الجاري، بالإضافة إلى العديد من العمليات النوعية التي نفذتها المقاومة في أماكن اعتداءات المستوطنين وأشهرها عملية عبد الفتاح خروشة في حوارة.
ينسب الكثير من أهالي هذه المناطق الفضل إلى المقاومة في عدم تمدد الاستيطان إلى مناطق شمال الضفة وقلة اعتداءات المستوطنين فيها بسبب معادلة الرعب التي ثبتتها المقاومة في هذه المناطق.
بين شريتح والعسود: معادلة الإيواء وإطالة أمد المطاردة والاستنزاف
بينما كانت المؤسسات الرسمية وفصائل الفلسطيني تكتب الأحرف الأولى من بيانات الشجب والاستنكار صبيحة ذكرى وعد بلفور في الثاني من نوفمبر 2023، كانت خلية للمقاومة مكونة من الأسير محمود سليط، والشهيد تامر فقها، وبتخطيط وقيادة الشهيد علاء شريتح تحي هي الأخرى ذكرى الوعد المشؤوم بطريقتها الخاصة في بيد ليد بعملية مزدوجة بدأت بإطلاق نار أسفر عن مقتل أحد جنود الاحتلال، ثم الانسحاب واستدراج قوات الاحتلال إلى حقل ألغام معد مسبقًا قرب بلدة بلعا شمال شرق مدينة طولكرم، لتكون هذه العملية أول عملية مصورة لكتائب القسام في الضفة الغربية بعد انقطاع دام أكثر من 20 عامًا.
بين الثاني من نوفمبر 2023 تاريخ تنفيذ العملية والرابع من مايو 2024 تاريخ ارتقاء الشهداء، سجلت هذه الخلية إحدى أطول عمليات المطاردة في تاريخ الضفة الغربية، حيث لم تكتفي خلية شريتح بتنفيذ العملية والاختفاء بل قامت أيضًا بالتخطيط لعمليات أخرى أشهرها عملية النبي إلياس المركبة في قلقيلية في شهر إبريل الماضي والتي بثتها كتائب القسام أيضًا عبر قناتها الرسمية.
بين الثاني من نوفمبر 2023 تاريخ تنفيذ العملية والرابع من مايو 2024 تاريخ ارتقاء الشهداء، سجلت هذه الخلية إحدى أطول عمليات المطاردة في تاريخ الضفة الغربية
يروي أهالي الشهداء المطاردين أنهم وبعد تنفيذهم العملية المزدوجة الأولى في بيت ليد وبلعا قد لجأوا لمخيم نور شمس وآوتهم الكتيبة آنذاك ووفرت لهم كل ما يلزم لاستدامة عملية المطاردة والاستنزاف والاشتباك المستمر مع قوات الاحتلال، قبل أن ينتقلوا إلى أماكن أخرى وصولًا إلى محطتهم الأخيرة في منزل الشهيد آسال بدران ببلدة دير الغصون شمال طولكرم.
على عكس هذا الحال كان مهند العسود صباح اليوم الأول من شهر أيلول ينفذ عملية كبيرة على حاجز ترقوميا في الخليل قتل فيها 3 من شرطة الاحتلال على الفور ونجاحه في الانسحاب، لكن النقطة الفارقة في هذه العملية كانت أن منفذ العملية وجد نفسه بعد تنفيذه للعملية قادرًا على الانسحاب بسلام لكنه لم يجد إجابة سؤال كان يضرب رأسه وقلبه معًا: إلى أين أذهب؟ لتكون النتيجة خلال عصر ذات اليوم أن يرتقي الشهيد مشتبكًا حتى آخر رصاصة وذلك بعد رفض الأجهزة الأمنية التي كان يعمل بها سابقًا إيوائه ولجوئه إلى "خَرابة" اشتبك بها حتى آخر رصاصة.
هذان المثالان لعمليتين من أكبر العمليات التي حدثت في الضفة خلال معركة طوفان الأقصى تبرزان في أحاديث الشارع الفلسطيني للتدليل على إحدى أهم النقاط الإيجابية لوجود تكتلات لفصائل المقاومة التي ثبتت أقدامها في تلك المناطق واعتادت على الاجتياحات الأسبوعية والاشتباكات الضارية وبات لها من المرونة ما يمكنها من الحفاظ على أرواح مقاتليها "وضيوفها أيضًا" لأطول فترة ممكنة.
إعادة الروح المقاومة
نقطة أخرى وليست أخيرة يمكن الحديث عنها في سؤال الجدوى، وهي أن تشكيلات المقاومة هذه والتي جاءت بعد سنين من محاولات التغريب وجهود فرض واقع جديد في الضفة ينشغل به الناس بأعمالهم وأموالهم وينهمكون في جمع المال جاءت المقاومة كمنبه شديد الوَقعة يعيد عقارب الساعة إلى دورانها الأصلي الذي تدور به في كل منطقة تتعرض لاحتلال في العالم.
هذه الحالة المقاومة حوّلت جيلًا كاملًا كان يُطلق عليه جيل التيك توك ومواقع التواصل الاجتماعي" إلى جيل يسخر هذه المواقع للمقاومة وتمجيد شهدائها وأسطرة قادتها.