نابلس.. مدينة كلما مرّ عليها الغزاة اشتعلت أكثر
2 يونيو 2026
انشر الخبر على منصتك المفضلة
لم تكن نابلس يوما مدينة عابرة في تاريخ فلسطين، بل بدت على الدوام كأنها مدينة خُلقت لتقف في وجه الغزاة، وتعيد إنتاج روحها كلما ظنّ المحتلون أنهم أخضعوها. مدينة تتكئ على جبلين؛ "عيبال" و"جرزيم"، لكنها في الحقيقة تحمل على كتفيها تاريخا كاملا من الاشتباك والتمرّد والذاكرة. فمنذ أن أسسها الكنعانيون باسم "شكيم"، ظلت هذه المدينة تتقلب بين الإمبراطوريات والحروب، لكنها لم تفقد ملامحها ولا مزاجها المقاوم، حتى غدت في الوعي الفلسطيني مرادفا دائما لفكرة العصيان الوطني.
في الأزقة الحجرية للبلدة القديمة، حيث تتشابك الحارات والسراديب والأسواق، يبدو التاريخ كأنه ما يزال يمشي بين الناس. هناك، لا تنفصل الحجارة عن الحكايات، ولا تبدو القصبة مجرد معمار قديم، بل حصنا تراكمت داخله قرون من المواجهة. فهذه المدينة التي أعاد الرومان بناءها باسم "نيابولس" بعد تدمير شكيم الكنعانية، لم تتحول مع الزمن إلى أثر تاريخي جامد، بل بقيت مدينة حيّة، تملك قدرة غريبة على تحويل الذاكرة إلى فعل يومي.
ولعل أكثر الأسماء التصاقا بنابلس هو "جبل النار"، وهو الاسم الذي لم يأتِ من فراغ أو مبالغة، بل من واقعة تاريخية ما تزال حاضرة في الذاكرة الشعبية. ففي أواخر القرن الثامن عشر، حين مرّت جيوش "نابليون بونابرت" من محيط المدينة في طريقها إلى عكا، اشتبك معها المقاومون النابلسيون وأشعلوا النيران في الأحراش والحقول، لإعاقة تقدم الجيش الفرنسي وإنزال الخسائر به. ومنذ ذلك الحين، صار الجبل يحمل اسمه الجديد؛ جبل النار، وصارت المدينة بأكملها تُعرف به.
هنا قاتل المقاومون الصليبيين، وهنا احتمى الثوار في الانتفاضات الفلسطينية، وهنا أيضا تشكلت خلايا المقاومة الحديثة التي أعادت اسم نابلس إلى واجهة الاشتباك مع الاحتلال الإسرائيلي.
ولم يكن الفرنسيون وحدهم من اختبروا صلابة المدينة. فخلال الانتداب البريطاني، تحولت نابلس مع جنين وطولكرم إلى ما وصفه الإنجليز بـ"مثلث الرعب"، بعدما أصبحت مركزا رئيسيا للثورة الفلسطينية الكبرى عام 1936. خرجت منها المظاهرات، وتدفقت منها مجموعات المقاومة، وشارك أهلها في الإضراب الشهير الذي استمر أشهرا طويلة احتجاجا على الانحياز البريطاني للمشروع الصهيوني والهجرة اليهودية إلى فلسطين.
لم تكن نابلس مدينة مقاومة بالسلاح فقط، بل مدينة متجذرة في الثقافة والعلم أيضا. ولهذا سُمّيت "عش العلماء"، إذ خرج منها فقهاء ومؤرخون وأدباء، وامتلأت كتب الرحالة العرب بوصف أسواقها ومياهها وخصبها. شبّهها بعضهم بدمشق حتى أطلقوا عليها "دمشق الصغرى"، بسبب تشابه المناخ وكثرة الينابيع والبساتين والأسواق. وقد وصفها الرحالة والجغرافيون بأنها مدينة مضغوطة بين جبلين، كثيرة المياه، غنية بالتجارة، نابضة بالحياة.
وفي قلب هذه المدينة القديمة، بقيت البلدة القديمة تمثل سر نابلس الحقيقي. فالأزقة الضيقة والبيوت المتلاصقة والسراديب الملتوية، تحولت عبر العقود إلى بنية مقاومة كاملة. هنا قاتل المقاومون الصليبيين، وهنا احتمى الثوار في الانتفاضات الفلسطينية، وهنا أيضا تشكلت خلايا المقاومة الحديثة التي أعادت اسم نابلس إلى واجهة الاشتباك مع الاحتلال الإسرائيلي.
مع احتلال الضفة الغربية عام 1967، دخلت نابلس مرحلة جديدة من الصدام المفتوح. لم تمض سنوات حتى شهدت المدينة مظاهرات ومواجهات متواصلة، وبرزت فيها أسماء مقاومين تحولت لاحقا إلى رموز وطنية. من شادية أبو غزالة التي استشهدت أثناء إعداد عبوة ناسفة، إلى لينا النابلسي التي أصبحت إحدى أيقونات الانتفاضات الفلسطينية، وصولا إلى معارك البلدة القديمة في انتفاضة الأقصى، حين تحولت نابلس إلى ما يشبه العاصمة العسكرية للمقاومة الفلسطينية.
في الانتفاضة الثانية تحديدا، دفعت المدينة ثمنا باهظا. اجتاحت قوات الاحتلال البلدة القديمة مرارا، وفرضت الحصار وحظر التجول، واغتالت قادة سياسيين وعسكريين بارزين، بينهم جمال منصور وجمال سليم ونايف أبو شرخ. لكن تلك الاغتيالات لم تُنه حالة المقاومة، بل بدت وكأنها تؤسس لجيل جديد أكثر اشتباكا وغضبا.
مدينة تحمل وعيا جمعيا متوارثا بأن المقاومة ليست حدثا مؤقتا، بل طريقة حياة. حتى قراها المحيطة؛ حوارة وبيت دجن وبرقة وسبسطية، تعيش الحالة ذاتها من الحصار والاقتحام ومواجهة المستوطنين، وكأن المدينة كلها تتحرك ضمن إيقاع دائم من التحدي والصمود.
ومع السنوات الأخيرة، عادت نابلس لتتصدر المشهد الفلسطيني من جديد. فمن أزقتها القديمة خرجت مجموعات "عرين الأسود"، التي أعادت تعريف العلاقة مع الاحتلال باعتبارها مواجهة يومية مفتوحة. لم يكن ظهور هذه المجموعات حدثا منفصلا عن تاريخ المدينة، بل امتدادا طبيعيا لذاكرة طويلة من المقاومة. فإبراهيم النابلسي ورفاقه لم يظهروا من فراغ، بل خرجوا من مدينة تربّت أجيالها على فكرة أن الاحتلال حالة طارئة، وأن الاشتباك معه جزء من الهوية الوطنية.
وربما لهذا السبب، تبدو نابلس مختلفة عن غيرها من المدن. فهي ليست فقط مدينة تاريخية أو مركزا اقتصاديا أو معماريا، بل مدينة تحمل وعيا جمعيا متوارثا بأن المقاومة ليست حدثا مؤقتا، بل طريقة حياة. حتى قراها المحيطة؛ حوارة وبيت دجن وبرقة وسبسطية، تعيش الحالة ذاتها من الحصار والاقتحام ومواجهة المستوطنين، وكأن المدينة كلها تتحرك ضمن إيقاع دائم من التحدي والصمود.