أجساد خاضعة وفضاءات مخترقة: قراءة فوكوية في الواقع الفلسطيني
2 يونيو 2026
انشر الخبر على منصتك المفضلة
يُعد كتاب "Discipline and Punish" للفيلسوف الفرنسي ""Michel Foucault، الصادر عام 1975، من أبرز الأعمال الفلسفية التي سعت إلى تفكيك آليات السلطة الحديثة وفهم تحوّلاتها. ففوكو لا ينظر إلى السلطة بوصفها مجرد قوة قمعية تمارس العنف المباشر، بل باعتبارها شبكة معقدة من التقنيات والانضباطات التي تعمل على تشكيل الأفراد وإنتاج "الأجساد الطائعة".
ينطلق فوكو من فكرة أساسية مفادها أن السلطة الحديثة لم تعد تعتمد فقط على مشاهد التعذيب العلني والإعدام في الساحات العامة كما كان الحال في العصور السابقة، بل انتقلت إلى ما يسميه "السلطة الانضباطية"؛ وهي سلطة تقوم على المراقبة المستمرة، والتنظيم الدقيق للفضاء والزمن، وإخضاع الجسد لمنظومة من الضبط تجعل الفرد يستدخل الرقابة داخل ذاته، فيتحول إلى رقيب على نفسه.
ومن أكثر المفاهيم التي اشتهر بها فوكو في هذا السياق مفهوم "البانوبتيكون "(Panopticon)، وهو نموذج هندسي للسجن اقترحه الفيلسوف "جيريمي بنثام"، يقوم على برج مراقبة مركزي يستطيع الحارس من خلاله رؤية جميع السجناء، في حين لا يعرف السجين إن كان مراقبا بالفعل أم لا. هذه الإمكانية الدائمة للمراقبة هي ما يدفع الفرد إلى ضبط سلوكه بنفسه، حتى في غياب المراقب الفعلي.
الاحتلال الإسرائيلي نموذجا مركبا يجمع بين السلطة الانضباطية الحديثة والعنف السيادي الكلاسيكي في آن واحد.
وعند قراءة الواقع الفلسطيني من خلال هذا التصور الفوكوي، يبدو الاحتلال الإسرائيلي نموذجا مركبا يجمع بين السلطة الانضباطية الحديثة والعنف السيادي الكلاسيكي في آن واحد؛ فهو لا يكتفي باستخدام القوة العسكرية المباشرة، بل يوظف أيضا أنظمة المراقبة، وإدارة الحركة، والتحكم بالفضاء والجسد، لإنتاج حالة دائمة من الضبط والسيطرة.
الأسرى الفلسطينيون.. هندسة الطاعة وإخضاع الجسد
تُشكّل سجون الاحتلال الإسرائيلي واحدة من أكثر الأمثلة وضوحا على ما يسميه فوكو “الميكرو-فيزياء الدقيقة للسلطة”، حيث لا يقتصر العقاب على حرمان الأسير من الحرية، بل يمتد إلى إعادة تشكيل حياته اليومية وتفكيك استقلاليته النفسية والجسدية.
فمن خلال العزل والتقسيم المكاني، يُوزَّع الأسرى وفق تصنيفات تنظيمية وجغرافية وأمنية دقيقة، فيما يمثل العزل الانفرادي أقصى درجات هذا التفكيك؛ إذ يتحول الجسد المعزول إلى موضوع كامل للضبط، ويصبح الفضاء نفسه أداة عقابية تهدف إلى إنهاك الأسير نفسيا وكسر قدرته على التواصل والمقاومة.
كما تفرض إدارة السجون جدولة زمنية صارمة تتحكم بكل تفاصيل اليوم: مواعيد "العدد"، والفورة، والطعام، والنوم، والحركة. هنا لا يعود الوقت ملكا للأسير، بل يتحول إلى أداة انضباط تُستخدم لسلبه السيطرة على جسده وإيقاع حياته اليومية.
السلطة داخل السجون لا تعمل فقط عبر المراقبة الجسدية، بل أيضا عبر إنتاج المعرفة.
وتتجلى البنية البانوبتيكية داخل السجون من خلال الكاميرات، وأبراج المراقبة، والتفتيش المستمر، بحيث يعيش الأسير في حالة شعور دائم بأنه مراقَب على الدوام، الأمر الذي يدفعه إلى إعادة ضبط سلوكه بصورة مستمرة خشية العقاب أو الحرمان.
غير أن السلطة داخل السجون لا تعمل فقط عبر المراقبة الجسدية، بل أيضا عبر إنتاج المعرفة. فكما يربط فوكو بين المعرفة والسلطة، تعتمد أجهزة المخابرات الإسرائيلية على بناء ملفات تفصيلية عن الأسرى تشمل حياتهم الاجتماعية والنفسية وعلاقاتهم العائلية ونقاط ضعفهم المحتملة. هذه المعرفة لا تُنتج بهدف الفهم فقط، بل بوصفها أداة للسيطرة والتحكم وإدارة العقاب، وهو ما يظهر بوضوح في سياسات الاعتقال الإداري القائمة على “الملفات السرية” التي يحتكرها صاحب السلطة وحده.
فلسطين كـ "بانوبتيكون مفتوح"
لا تتوقف آليات السجن، في التصور الفوكوي، عند حدود الزنازين والأسوار، بل تمتد إلى المجتمع بأكمله. وفي الحالة الفلسطينية، يمكن قراءة الفضاء الجغرافي في الضفة الغربية والقدس وقطاع غزة بوصفه شكلا من أشكال "البانوبتيكون المفتوح"، حيث تتحول الجغرافيا نفسها إلى أداة مراقبة وضبط.
فالجدار الفاصل، والحواجز العسكرية، وأبراج المراقبة، ونظام المناطق المعزولة، كلها تعكس شكلا من أشكال تقسيم الفضاء والتحكم بالحركة. إذ يُحاصر الفلسطيني داخل معازل جغرافية متقطعة يسهل مراقبتها والتحكم بها وإغلاقها عند الحاجة.
أنظمة التعرف على الوجوه مثل "الذئب الأزرق" و"الذئب الأحمر"، إلى جانب الطائرات المسيّرة وبرمجيات المراقبة الرقمية، تخلق بيئة يشعر فيها الفلسطيني بأنه مكشوف بصورة دائمة.
ومع التطور التكنولوجي، لم يعد "البرج المركزي" مجرد بناء مادي، بل تحول إلى منظومة رقمية واسعة. فأنظمة التعرف على الوجوه مثل "الذئب الأزرق" و"الذئب الأحمر"، إلى جانب الطائرات المسيّرة وبرمجيات المراقبة الرقمية، تخلق بيئة يشعر فيها الفلسطيني بأنه مكشوف بصورة دائمة، سواء في الشارع أو على الحاجز أو حتى على منصات التواصل الاجتماعي.
كما يتجلى مفهوم "استدخال الرقابة" في نظام التصاريح الذي يفرضه الاحتلال على تفاصيل الحياة اليومية؛ فالحصول على تصريح للعمل أو العلاج أو السفر أو الصلاة، بات مشروطا بما يسمى "الملف الأمني النظيف". وهنا تنجح السلطة الانضباطية في دفع الفرد إلى مراقبة ذاته بنفسه، خشية فقدان حقه في الحركة أو العمل أو الوصول إلى احتياجاته الأساسية.
لا تبدو فلسطين مجرد فضاء خاضع للرقابة، بل أيضا مساحة دائمة للصراع بين تقنيات السيطرة وإرادة التحرر؛ بين سلطة تسعى إلى إنتاج "أجساد مطواعة"، وشعب يحاول باستمرار إعادة تعريف ذاته خارج شروط الهيمنة والانضباط.
ومع ذلك، فإن قراءة الواقع الفلسطيني من منظور فوكوي لا تعني أن السلطة مطلقة أو مكتملة. ففوكو نفسه كان يرى أن السلطة تُنتج في المقابل أشكالا مختلفة من المقاومة. وفي السياق الفلسطيني، تتجلى هذه المقاومة في قدرة الأسرى على بناء أشكال جماعية من التنظيم داخل السجون، وفي محاولات الفلسطينيين اليومية لاستعادة الفضاء العام، والالتفاف على أنظمة الضبط والمراقبة، والحفاظ على الحياة الاجتماعية رغم الحصار والتقسيم.
بهذا المعنى، لا تبدو فلسطين مجرد فضاء خاضع للرقابة، بل أيضا مساحة دائمة للصراع بين تقنيات السيطرة وإرادة التحرر؛ بين سلطة تسعى إلى إنتاج "أجساد مطواعة"، وشعب يحاول باستمرار إعادة تعريف ذاته خارج شروط الهيمنة والانضباط.