كيف تُعيد إسرائيل هندسة مخيمات الضفة لإغلاق ملف اللاجئين؟
27 يناير 2026
انشر الخبر على منصتك المفضلة
ليست البيوت وحدها من تهدمها الجرافات، بل تهدم الخرائط، والحقوق، ومعاني المكان. في شمال الضفة الغربية، حيث نشأت مخيمات جنين وطولكرم ونور شمس بوصفها فضاءات انتظار مؤقتة لعودة مؤجلة منذ عام 1948. تُنفّذ اليوم عملية من نوع آخر: ليست حملة عسكرية عابرة، بل مشروع إعادة تشكيل للمكان، يهدف إلى تحويل المخيم من رمز سياسي وذاكرة جماعية إلى حي خاضع لسيطرة دائمة، منزوع الدلالة.
قبل عام، أطلقت إسرائيل عملية "الجدار الحديدي"، فهجّرت أكثر من ثلاثين ألف فلسطيني من مخيمات الشمال، في أكبر موجة تهجير قسري تشهدها الضفة الغربية منذ عام 1967. لكن ما تلا التهجير كان أخطر من لحظة الاقتحام نفسها: تدمير واسع للبنية العمرانية، شق طرق عسكرية داخل الأزقة الضيقة، وفرض مخططات هيكلية جديدة تعيد رسم الجغرافيا والسلطة في آن واحد.

كان اللاجئ يسكن المخيم بوصفه محطة مؤقتة، وبات لاجئا من محطة اللجوء ذاتها. المخيم لم يعد مكان انتظار، بل صار مكانا مفقودا. هذا التحول ليس عرضيا. فبحسب تقديرات الأمم المتحدة، دُمّر أو تضرر أكثر من 1460 مبنى في المخيمات الثلاثة، بينها أكثر من نصف مباني مخيم جنين. التدمير لم يقتصر على "أهداف أمنية" كما يدّعي الاحتلال، بل طال النسيج العمراني بكامله، في ما يشبه تفكيكا ممنهجا لبيئة المخيم بوصفه وحدة اجتماعية وسياسية.
الطريق العسكري يحوّل المخيم من فضاء مدني كثيف يصعب اقتحامه إلى ساحة مفتوحة للآليات والدوريات، ويكسر إحدى أهم خصائص المخيم التاريخية، كونه فضاء مقاوما يصعب إخضاعه.
أخطر ما في العملية ليس الهدم وحده، بل ما يُبنى بعده. منذ يوليو الماضي، بدأت الجرافات بشق طرق عريضة داخل المخيمات، في أحياء لم تكن تسمح إلا بمرور المشاة. هذه الطرق ليست تفصيلا تقنيا، بل أداة سيادية بامتياز. حين يُفتح الطريق، تُفتح السيطرة؛ وحين تتغير الخريطة، يتغير ميزان القوة. فالطريق العسكري يحوّل المخيم من فضاء مدني كثيف يصعب اقتحامه إلى ساحة مفتوحة للآليات والدوريات، ويكسر إحدى أهم خصائص المخيم التاريخية، كونه فضاء مقاوما يصعب إخضاعه. هنا لا تُمارَس السيطرة بالسلاح فقط، بل بالخرسانة والهندسة والتخطيط العمراني. إنها سياسة "إعادة هندسة اللجوء".

تعلن إسرائيل رسميا أن العملية انتهت، وأن المسؤولية ستُنقل إلى السلطة الفلسطينية، لكن بشروط. شروط لا تعني إنهاء السيطرة، بل إعادة إنتاجها بصيغة أخرى: فحص أمني شامل، منع عودة من تصنّفهم "تهديدا"، إعادة هندسة المخيم قبل السماح بالعودة، تنسيق كامل للبنية التحتية مع الجيش، وإقامة نقاط شرطة وحواجز داخلية.
هذه ليست ترتيبات انتقالية، بل نظام ضبط طويل الأمد. فحين يُمنع نصف السكان من العودة، وحين تُربط العودة بشروط أمنية تعجيزية، يصبح "الحق في العودة إلى المخيم" امتيازا مشروطا، لا حقا أصيلا.
هذه ليست ترتيبات انتقالية، بل نظام ضبط طويل الأمد. فحين يُمنع نصف السكان من العودة، وحين تُربط العودة بشروط أمنية تعجيزية، يصبح "الحق في العودة إلى المخيم" امتيازا مشروطا، لا حقا أصيلا.
الأخطر من ذلك هو السعي المنهجي لاستبعاد وكالة "الأونروا" من أي دور. فـ"الأونروا" ليست مجرد مزود خدمات؛ وجودها القانوني يذكّر بأن المخيم ليس حيا عاديا، بل شاهدا حيا على جريمة اقتلاع لم تُحل بعد. إزالة "الأونروا" تعني، سياسيا، تحويل اللاجئ إلى "مواطن فقير" داخل سلطة محلية، وإغلاق ملف اللجوء من دون عودة.

في المنفى القريب، تتفكك الحياة ببطء. الإيجارات تضاعفت، التعليم تعطّل، أكثر من 12 ألف طفل خارج مدارسهم، العيادات مغلقة، والمرضى يتنقلون بين مدن لا يملكون أجرة الوصول إليها. النزوح لم يعد لحظة طارئة، بل حالة مستدامة. وحين يُسمح للعائلات بالعودة دقائق معدودة لجلب بعض الأغراض، تحت رقابة الجنود وتهديد الاعتقال، يصبح الوداع طقسا قسريا.
في العمق، لا تستهدف هذه السياسة "البنية التحتية" فقط، بل المعنى السياسي للمخيم نفسه. فالمخيم، منذ نشأته، لم يكن مجرد مكان سكن، بل فضاء سياسي يحمل سردية العودة ويجسّد استمرار قضية اللاجئين. لذلك يُراد اليوم تفكيكه لا بوصفه خطرا أمنيا فقط، بل خطرا رمزيا.
في العمق، لا تستهدف هذه السياسة "البنية التحتية" فقط، بل المعنى السياسي للمخيم نفسه.
حين تُفتح الطرق العسكرية، وتُهدم الأزقة، وتُزال "الأونروا"، ويُعاد تعريف السكان وفق معايير أمنية، يُعاد إنتاج المخيم كحي مُفرغ من ذاكرته، منزوع الصلة بفلسطين 1948، ومقطوع عن فكرة العودة.
بعد عام من النزوح، لا ينتظر سكان المخيمات العودة إلى بيوتهم فقط، بل استعادة المعنى الذي أُنشئت هذه المخيمات لحفظه: حق لم يسقط، وذاكرة لم تُمحَ، وقضية لم تُغلق. وفيما تستعد إسرائيل لتوسيع التجربة إلى مخيمات أخرى في الضفة، يبدو أن ما يجري في جنين، وطولكرم ونور شمس ليس استثناء، بل نموذجا لإدارة اللجوء بالقوة.