ثلاث سنوات بلا مدارس.. كيف تعيد الحرب تشكيل جيل غزة؟
5 نوفمبر 2026
انشر الخبر على منصتك المفضلة
لم تعد المدرسة بالنسبة إلى أطفال غزة مبنى ببوابة وصفوف ومقاعد وجرس صباحي. بالنسبة إلى مئات الآلاف منهم، صارت خيمة مكتظة، وأرضا يجلسون فوقها، وسبورة قد لا تكون موجودة أصلا. يذهب الطفل إلى "صفه" حاملا كتابه وزجاجة الماء التي يحتاجها خلال ساعات الدراسة، ثم يحاول أن يتعلم فيما الحر يخنق المكان وضجيج المخيم يقتحم الدرس من كل الجهات.
ثلاثة أعوام فصلت أطفالا كثيرين عن مدارسهم، لكنها لم تسلبهم الدروس وحدها؛ بل قطعت جزءا أساسيا من طفولتهم، وأعادت تشكيل حياتهم حول النزوح والخوف والبحث عن الماء والطعام بدل الحصة والواجب المدرسي.
مع بداية العام الدراسي الجديد، كان نحو 700 ألف طالب في قطاع غزة ينتظرون فرصة للعودة إلى شكل ما من أشكال التعليم. لكن ما عاد متاحا لكثير منهم ليس المدرسة التي عرفوها، بل مساحات تعليمية مؤقتة وخيام أقيمت وسط الدمار.
مدارس تحولت إلى ركام
تكشف أرقام المؤسسات الفلسطينية حجم الضربة التي تلقاها التعليم في غزة. فبحسب بيانات المكتب الإعلامي الحكومي، تعرض نحو 95% من مدارس القطاع لأضرار خلال الحرب، فيما تحتاج أكثر من 90% من المباني التعليمية إلى إعادة إعمار أو تأهيل شامل. وتشير البيانات إلى تعرض 662 مبنى مدرسيا للقصف المباشر، بينها 163 مدرسة وجامعة دُمّرت بالكامل.
لكن الخسارة لم تكن في الحجر وحده. تقول وزارة التربية والتعليم الفلسطينية إن أكثر من 20,500 من طلبة المدارس والجامعات قُتلوا منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023، إلى جانب مئات المعلمين والعاملين في المدارس والجامعات. وراء كل رقم مقعد بقي فارغا، ودفتر لن يُفتح مجددا، وصف دراسي فقد طالبا أو معلما كان جزءا من حياته اليومية.
أما المدارس التي بقي جزء منها قائما، فتحول العديد منها خلال الحرب إلى مراكز لإيواء النازحين، فيما دفعت ظروف الحصار وانعدام الوقود بعض العائلات إلى استخدام الكتب والمواد المتاحة للتدفئة والطهي.
خيمة بدل الصف
أنشأت الأمم المتحدة وشركاؤها أكثر من 500 مساحة تعليمية مؤقتة، تستوعب بالتناوب ما يصل إلى نحو 100 ألف طالب. وإلى جانبها ظهرت مبادرات محلية وخاصة داخل الخيام، بعضها مجاني وبعضها مقابل رسوم رمزية.
لكن الفجوة هائلة. فالخيام لا تستطيع استيعاب مئات الآلاف من الطلبة، وحتى من يجد مكانا فيها لا يحصل بالضرورة على ظروف تسمح له بالتعلم. داخل بعض هذه المساحات، يجلس الأطفال على الأرض بسبب نقص المقاعد. لا مرافق صحية كافية، ولا مياه شرب متاحة دائما، ولا عزل عن حر الصيف أو برد الشتاء.
طفل في الخامسة عشرة يبدأ من الأبجدية
الخطر الأكبر لا يظهر فقط في شكل المدارس المدمرة، بل في ما تركته ثلاثة أعوام من الانقطاع داخل عقول الأطفال. معلمون يعملون اليوم في غزة يتحدثون عن طلاب في المرحلة الإعدادية لا يستطيعون القراءة والكتابة بصورة سليمة، وعن مراهقين في الخامسة عشرة يعانون في العمليات الحسابية البسيطة.
طفل كان في الصف الثاني عند اندلاع الحرب يفترض أن يكون اليوم في الصف الخامس أو السادس، لكنه لم يقطع الطريق التعليمية التي تنقله من مرحلة إلى أخرى. ولهذا اضطر بعض المعلمين إلى التخلي مؤقتا عن المناهج المفترضة والعودة إلى أساسيات القراءة والكتابة والحساب.
لكن المسألة لا تقاس بالسنوات الدراسية المفقودة فقط. أطفال غزة عاشوا خلال الفترة نفسها القصف والنزوح والجوع والفقد والخوف المستمر. بعضهم أصبح مسؤولا عن إخوته بعد فقدان أحد الوالدين، وآخرون يقضون ساعات في طوابير المياه أو جمع الحطب ومواد تستخدم للطهي. فكيف يُطلب من طفل يعيش كل ذلك أن يعود إلى مقعده وكأن السنوات الثلاث لم تقع؟
المدرسة أكثر من كتاب
تظهر آثار الحرب داخل الخيام التعليمية بوضوح: ضعف في التركيز، سرعة انفعال، فرط حركة، سلوك عدواني، وعدم قدرة على الجلوس والتعلم لفترات طويلة.
إن كثيرا من الأطفال يعيشون القلق والتوتر بصورة مستمرة، فيما تحولت حياتهم اليومية إلى أنشطة بعيدة كليا عن عالم المدرسة. ومع ذلك، تحمل العودة إلى التعليم، ولو داخل خيمة، معنى يتجاوز الدرس نفسه.
فالمدرسة بالنسبة إلى الطفل ليست مكانا لتلقي المعلومات فقط؛ إنها نظام للحياة، وعلاقات اجتماعية، وأصدقاء، وشعور بالأمان، ووقت يستطيع فيه أن يكون طفلا بعيدا عن أدوار فرضتها عليه الحرب.
لهذا تبدو الخيام التعليمية تناقضا قاسيا: هي غير صالحة لأن تكون بديلا حقيقيا للمدرسة، لكنها في الوقت نفسه واحدة من الأدوات القليلة المتبقية لمنع الانقطاع الكامل عن التعليم. المعركة في غزة اليوم ليست على المباني وحدها. إنها أيضا على ذاكرة جيل ومعرفته وقدرته على تخيل مستقبل مختلف.