الأرض والشجرة والمحصول.. حلقات الاستهداف في موسم الزيتون
2 نوفمبر 2026
انشر الخبر على منصتك المفضلة
في 11 أكتوبر/تشرين الأول، هاجم مستوطنون مزارعين بين قصرة وجالود، جنوب نابلس، وسرقوا معدات قطاف الزيتون. وفي عين يبرود، شمال شرقي رام الله، استولوا على مركبة تابعة للمجلس القروي، وأكياس زيتون وأدوات زراعية.
جاءت الحادثتان بعد عشرة أيام وثّقت خلالها منظمة "يش دين" الإسرائيلية 109 اعتداءات عنيفة مرتبطة بموسم الزيتون، طالت 75 تجمعًا فلسطينيًا، بمعدل يقارب 11 اعتداءً يوميًا. وتكشف الوقائع عن استهداف متواصل بدأ قبل القطاف، وشمل الأرض والشجرة والمزارع، وصولًا إلى المحصول الذي استطاع جمعه.
فالموسم الذي تنتظره آلاف العائلات لتأمين دخلها ومؤونتها، تحاصره اعتداءات المستوطنين وقيود الوصول العسكرية. وبين شجرة تُقتلع وحقل يُغلق ومحصول يُسرق، تتراكم خسائر تتجاوز حصيلة عام واحد إلى قدرة الفلسطينيين على مواصلة زراعة أراضيهم والبقاء فيها.
اقتلاع الأشجار قبل الموسم
قبل بدء القطاف، كانت حصيلة استهداف الزيتون قد تجاوزت ما سُجّل خلال العام الماضي بأكمله. فبحسب هيئة مقاومة الجدار والاستيطان، استُهدفت نحو 49 ألف شجرة زيتون في الأشهر الثمانية الأولى من 2026، مقابل 26,988 شجرة في 2025، بزيادة تقارب 82%. وفي أغسطس/آب وحده، تضررت 19,375 زيتونة بالقطع والحرق والتجريف.
ولا ينفرد المستوطنون بتنفيذ الاعتداءات؛ إذ توثّق الهيئة مشاركة قوات الاحتلال في بعضها وتوفير الحماية لاعتداءات أخرى. ففي 24 سبتمبر/أيلول، شاهدت عائلات من بيت ريما، شمال غربي رام الله، الجرافات العسكرية تقتلع 400 زيتونة وتسوّي 31 دونمًا بالأرض، بعد يومين من صدور أمر عسكري بإزالة «النباتات البرية والأشجار».
وبحسب الحصيلة الواردة آنذاك، بلغ عدد أوامر الجرف والإزالة منذ بداية العام 51 أمرًا استهدفت 2,093 دونمًا، قبل أن ترتفع في رصد لاحق إلى 55 أمرًا شملت نحو 2,373 دونمًا.
وخلال سبتمبر، سجّلت الهيئة 647 اعتداءً للمستوطنين، أسفرت عن استشهاد ثلاثة فلسطينيين وإصابة 88، وتخريب 14,600 شجرة، بينها 9,334 زيتونة. وهكذا دخل المزارعون الموسم بعد أشهر من خسارة الأشجار وتقييد الوصول إلى الأراضي، وسط مخاوف من امتداد الاعتداءات إلى أيام الحصاد نفسها.
قطاف مبكر لم يوقف الاعتداءات
دفعت المخاطر مزارعين في مناطق مختلفة من الضفة الغربية إلى بدء القطاف قبل موعده المعتاد بنحو أسبوعين، خصوصًا مع تسجيل سرقات للزيتون عن الأشجار منذ سبتمبر. كان التبكير محاولة لإنقاذ ما يمكن جمعه، لكنه لم يمنع امتداد الاعتداءات إلى الحقول والمحاصيل.
فمع بداية أكتوبر، أحرق مستوطنون نحو 55 شجرة زيتون قرب أبو ديس، مع محصول كانت عائلة قد جمعته للتو. وفي الرابع من الشهر، طال حريق آخر نُسب إلى المستوطنين سيارات وأشجار زيتون ومعدات حصاد في عين يبرود.
وفي السابع من أكتوبر، استُشهد المواطن علي البزّاري، البالغ 44 عامًا، وأُصيب 16 آخرون خلال هجمات للمستوطنين على فلسطينيين في حقول برقة وسهل رامين. وفي الليلة التالية، قطع مستوطنون مئة شجرة في قرية المغيّر شرق جنين، ثم سجّلت الهيئة في التاسع من الشهر 19 اعتداءً في أنحاء الضفة، بينها اقتلاع أكثر من خمسين شجرة في قصرة.
وتنوّعت الاعتداءات بين الطرد والضرب وإطلاق النار، وقطع الأشجار وحرقها وإتلاف المعدات. وبذلك، أصبح الوصول إلى الحقل بداية مواجهة قد تستمر طوال ساعات العمل، وقد تنتهي بخسارة المحصول حتى بعد جمعه.
قرارات تُغلق الطريق إلى الحقول
ترافقت الاعتداءات الميدانية مع إجراءات حكومية وعسكرية توسّع القيود على الأرض. ففي 15 فبراير/شباط، قررت الحكومة الإسرائيلية تسجيل مساحات واسعة من أراضي الضفة باعتبارها «أراضي دولة»، في مسار وصفه وزير المالية بتسلئيل سموتريتش بأنه «ثورة استيطانية»، وخُصّصت له، وفق المعطيات الواردة، ميزانية تبلغ 244 مليون شيكل حتى عام 2030.
وفي 17 سبتمبر، نشرت صحيفة "إسرائيل هيوم" أن الجيش لن يسمح للفلسطينيين بالقطاف في أراضٍ مصنّفة "أراضي دولة" في عموم الضفة، بذريعة تقليل الاحتكاك، بما يشمل أراضي في المنطقتين "أ" و"ب" وفق اتفاق أوسلو.
وبحسب منظمة "السلام الآن"، بلغت المساحة الخاضعة لقيود الإغلاق أمام الفلسطينيين نحو 88,300 دونم، بزيادة تقارب 30% عن العام الماضي، مع اشتراط التنسيق المسبق للوصول إليها. وفي المقابل، انخفضت المساحة المحظورة على الإسرائيليين من نحو 10,700 دونم إلى 6,890 دونمًا.
وتزيد محدودية أيام التنسيق صعوبة الحصاد؛ فالمهلة المتاحة قد لا تكفي لجمع الزيتون، فيما يتعرض المحصول المتروك للتلف أو السرقة. وحتى في الأراضي التي لا يُشترط التنسيق للوصول إليها، تحول اعتداءات المستوطنين وتهديداتهم دون دخول المزارعين أو استمرارهم في العمل.
سرقة ما تبقّى من الحصاد
لا تنتهي المخاطر بنجاح المزارع في الوصول إلى أرضه وجمع ثمارها. ففي السادس من أكتوبر، هاجم مستوطنون مزارعين في مردة، شمال سلفيت، وأصابوا شقيقين وسرقوا الزيتون الذي جمعاه. وسُجّلت سرقات للمحصول أيضًا في أم صفا، شمال غربي رام الله، وخربة مسعود، جنوب جنين، ورامين، شرق طولكرم.
وتزامنت السرقات مع دعوات استيطانية للمشاركة في «قطاف مزارع جديدة» في ما تسميه إسرائيل «يهودا والسامرة»، بينما يواجه أصحاب الأراضي الفلسطينيون قيودًا تمنعهم من الوصول إلى أشجارهم. ويتداخل بذلك إغلاق الحقول مع الاستيلاء على ثمارها، لتلحق بالمزارع خسارة إضافية بعد كلفة العناية بالأرض وانتظار الموسم.
وكانت وزارة الزراعة الفلسطينية قد قدّرت وجود صعوبات في الوصول إلى نحو 200 ألف دونم مزروعة بالزيتون خلال العام الجاري. كما أشارت إلى نحو 128 ألف دونم تعذّر الوصول إليها خلال مواسم القطاف الثلاثة الماضية، من دون أن يعني ذلك بالضرورة أن المساحتين منفصلتان.
وتنعكس هذه القيود على أكثر من ثمانين ألف عائلة تعتمد على موسم الزيتون مصدرًا للدخل. فخسارة المحصول تحرم الأسرة عائد موسمها، بينما يؤثر اقتلاع الأشجار في إنتاج سنوات مقبلة، ويحمّلها كلفة إعادة الغرس والرعاية، إذا استطاعت العودة إلى الأرض أصلًا.
وتكشف الوقائع عن حلقات مترابطة من الاستهداف: اقتلاع وتجريف يسبقان الموسم، وقرارات تقيّد الوصول إلى الحقول، واعتداءات تطرد المزارعين أثناء العمل، وسرقات تطال ما يتمكنون من حصاده. وتُضعف هذه الحلقات مجتمعة قدرة الفلسطينيين على استثمار أراضيهم، بما يهيئ ظروفًا لمزيد من السيطرة الاستيطانية عليها.
يعود المزارع إلى أرضه ليحصي ما بقي من الأشجار، ثم يحاول إنقاذ ما بقي من الثمار. وما يخسره يتجاوز قيمة الزيت والزيتون إلى إرث عائلي، وعلاقة بالأرض تتجدد بالعمل فيها، وموسم اعتادت العائلات أن تجتمع خلاله على العونة والأهازيج.
ورغم الاعتداءات، يواصل الفلسطينيون القطاف بما يتاح لهم من وقت وحماية ومساندة جماعية. فالوصول إلى الحقل، وسط محاولات الإبعاد عنه، يصبح تمسكًا بمصدر الرزق وبالحق في الأرض معا.