الاستيطان يعيد تسمية الضفة.. السيطرة على الأرض وذاكرتها
2 نوفمبر 2026
انشر الخبر على منصتك المفضلة
في التاسع من سبتمبر/أيلول 2026، دشّن مستوطنون اسم "تقاطع تسور" عند تقاطع سردا، شمال رام الله وسط الضفة المحتلة. وبحسب موقع عبري، أطلق المستوطن يوئيل تسور الاسم تخليدا لزوجته وابنه اللذين قُتلا هناك عام 1996، مطالبا بفرض السيطرة الإسرائيلية الكاملة على المكان.
ويتصل التقاطع بطريق يبلغ طوله نحو عشرة كيلومترات، يربط منطقة البيرة والجلزون بعين قينيا، ويهدد الاستيلاء عليه بعزل ثماني قرى وحيّين كبيرين. ومن ثم، تتجاوز اللافتة الجديدة تخليد أسماء قتلى المستوطنين إلى طرح ادعاء بالسيادة على طريق فلسطيني ومحيطه.
تندرج الواقعة ضمن مسار أوسع لإعادة تسمية الجغرافيا الفلسطينية، تتداخل فيه مبادرات المستوطنين مع قرارات لجان حكومية ومشروعات تشريعية. يبدأ المسار باسم على لافتة، وقد ينتهي بتثبيته في الوثائق والخرائط وأنظمة الملاحة، ليصبح الاسم العبري مرجعًا متداولًا، فيما يتراجع حضور الاسم الفلسطيني.
من التشريع إلى الخرائط.. تثبيت الرواية الإسرائيلية
على المستوى التشريعي، أقر الكنيست في مارس/آذار 2025، بالقراءة الأولى، مشروع قانون قدّمه سمحا روثمان بشأن استخدام مصطلح «يهودا والسامرة» بدلًا من "الضفة الغربية". وقدّم البيان المنشور على موقع الكنيست الاستبدال باعتباره تعبيرًا عن الارتباط التاريخي والقومي اليهودي بالمنطقة.
وفي مقابلة له، ربط روثمان المصطلحات بتعريف المنطقة وعلاقتها بإسرائيل، معتبرًا إدخال التسمية في اللغة الحكومية جزءًا من مسار مستقبلي لتطبيق السيادة الإسرائيلية عليها. بذلك، يغدو اختيار الاسم أداة لتقديم موقف سياسي من الأرض بوصفه تعريفًا رسميًا لها.
وفي الولايات المتحدة، قدّمت النائبة كلوديا تيني مشروع القانون H.R.902، الذي يقترح منع استخدام الأموال الفيدرالية لإعداد أو نشر مواد تتضمن مصطلح «الضفة الغربية»، بما يشمل السياسات والبيانات الصحفية والمراسلات، مع استثناء ما تقتضيه الالتزامات بموجب المعاهدات والاتفاقات الدولية.
وعلى مستوى المواقع المحلية، أشار تقرير إسرائيلي يستند إلى محضر لجنة الأسماء الحكومية بتاريخ 15 يناير/كانون الثاني 2026 إلى تسمية «ناحال دلياهو» لمنطقة وادي الدالية، وإقرار أسماء عبرية لمجاري مياه وعيون في الضفة الغربية.
وقدّم التقرير اللجنة باعتبارها جهة تسهم في تشكيل الذاكرة الوطنية، عبر اختيار أسماء ذات دلالات ثقافية وأيديولوجية تربط الخريطة بالرواية التاريخية الإسرائيلية. كما ربط أعمالها بمبادرة لتوحيد أسماء الأماكن على لافتات الطرق، ومعالجة الاختلافات في كتابتها بالعبرية واللغات الأخرى.
وتكمن أهمية هذه القرارات في امتداد أثرها إلى الخرائط وأنظمة الملاحة والوثائق الرسمية. فاعتماد اسم موحّد يتيح تكراره في الاستخدام اليومي، ويمنحه حضورًا يتجاوز اللافتة إلى الطريقة التي يُعرَّف بها المكان ويُبحث عنه ويُشار إليه.
ومن الأمثلة على ذلك، محضر لجنة الأسماء الحكومية المؤرخ في 14 مارس/آذار 2024، الذي تضمّن اعتماد اسم «ناحل جيف إفرايم» في منطقة وادي الحرامية، شمال رام الله، ضمن قرارات شملت الوادي والمفرق ومبنى الشرطة البريطانية. ونصّ على إظهار التسمية على اللوحات بثلاث لغات: العربية والعبرية والإنجليزية.
وشملت إعادة التسمية أيضًا 11 مفترقًا وتقاطعًا في الضفة؛ بينها مفرق جيت، الذي كُتب اسمه بالعربية «مفرق جيتوم»، ومفرق خربة قرقش الذي حمل اسم «مفرق بروخين»، ومفرق زنانير الذي سُمّي «إيروس هشومرون». وقدّمت الصحافة العبرية الخطوة باعتبارها تسهيلًا لتذكّر أسماء الطرق وراحة السائقين.
لكن كتابة الاسم الجديد بحروف عربية لا تعني الحفاظ على الاسم الفلسطيني. ففي هذه الحالات، تصبح العربية وسيلة لنقل التسمية العبرية، بينما يُزاح الاسم الذي يعرف به السكان طريقهم أو واديهم.
من تغيير الاسم إلى الاستيلاء على المكان
في مواقع أخرى، تتقاطع إعادة التسمية مع التمويل الحكومي والسيطرة الميدانية والترويج السياحي. ففي مايو/أيار 2023، خصّص القرار الحكومي الإسرائيلي رقم 491 مبلغ 32 مليون شيكل لتطوير الموقع الأثري في سبسطية، الذي تقدّمه السلطات باسم "حديقة شومرون الوطنية".
ويمتد المسار إلى البركة الأثرية في محيط فصايل، التي تُقدَّم باسم "بركة هيرودوس"، وأُدرجت ضمن المنشورات السياحية الاستيطانية لمواقع في الضفة الغربية. ويسهم إدراج الموقع تحت اسم ورواية محددين في تعريف الزائر به من خلال الجهات المسيطرة عليه، مع تراجع حضور محيطه الفلسطيني في المواد الترويجية.
وفي يوليو/تموز 2025، أطلق مستوطنون اسم "نبع الرعاة" على بركة عين سامية، المقامة على أراضي كفر مالك، بعد الاستيلاء عليها، تخليدًا لمستوطنين قُتلا في المنطقة عام 2023. هنا، ترافق تغيير الاسم مع تغيير الجهة التي تتحكم بالموقع، وأُضيفت إليه ذاكرة استيطانية يراد جعلها مرجعًا للتعريف به.
وتتكرر الآلية عند تقاطع سردا؛ إذ وضعت عائلة المستوطن يوئيل تسور لافتة عبرية ودشّنت الاسم الجديد، سعيًا إلى اعتماده حكوميًا. وتوضح الواقعة كيف قد تسبق مبادرة المستوطنين القرار الرسمي: يُطرح الاسم ميدانيًا، ثم يُطلب من المؤسسات تثبيته.
ليست كل التسميات في المرحلة نفسها؛ فبعضها مبادرة استيطانية، وبعضها قرار صادر عن لجنة حكومية، وأخرى واردة في مشروعات قوانين. غير أنها تلتقي في السعي إلى إعادة تعريف المكان الفلسطيني ضمن مرجعية إسرائيلية، وإكسابها حضورًا في الاستخدام الرسمي واليومي.
بذلك، تتكامل اللافتة مع الخريطة والوثيقة والمنشور السياحي. فالسيطرة على الأرض تتيح تغيير معالمها وأسمائها، ثم يساعد تداول الأسماء الجديدة على تقديم تلك السيطرة بوصفها واقعًا مستقرًا. ومع تكرارها، قد يبدو اسم المستوطنة تعريفًا طبيعيًا للموقع، والاسم العبري للنبع جزءًا من تاريخه، بينما ينحسر الاسم الفلسطيني عن أدوات التعريف العامة.
لا يمحو استبدال اللافتة ذاكرة السكان تلقائيًا، لكنه يخلق فجوة بين المكان كما يعرفونه والمكان كما تعرضه الخرائط والوثائق. ويصبح الفلسطيني مضطرًا إلى شرح أن للطريق اسمًا آخر، وللنبع تاريخًا أسبق من اللوحة المثبتة فوقه؛ في مواجهة مسار يسعى إلى جعل السيطرة على الأرض سيطرة على روايتها أيضا.