الضم قبل الإعلان.. كيف يعيد الاستيطان رسم خريطة الضفة؟
1 نوفمبر 2026
انشر الخبر على منصتك المفضلة
في بلدة قصرة جنوبي نابلس شمال الضفة، وصلت المؤن إلى ثلاث عائلات فلسطينية داخل مركبة لجمع النفايات. كانت بؤرة استيطانية أُقيمت قرب منازلها في منطقة رأس العين، المصنفة "ب" وفق اتفاق أوسلو، قد تبعتها اعتداءات وقيود على الحركة وقطع للمياه والكهرباء. واضطرت البلدية إلى إيصال الطعام والمياه والأدوية بتلك الطريقة، بعد تنسيق مسبق مع السلطات الإسرائيلية، وفق مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية "أوتشا".
تختصر الواقعة مسارًا يتجاوز الاعتداء على منزل أو الاستيلاء على حقل: بؤرة تُقام، وحماية عسكرية تتيح استمرارها، وقيود تجعل حياة الفلسطينيين حولها أكثر صعوبة، ثم إجراءات إدارية تمنح التوسع صفة رسمية. تتغير السيطرة على الأرض تدريجيًا، قبل أن يصدر قرار سياسي جامع يعلن ضمها.
وتشير حصيلة بيانات هيئة مقاومة الجدار والاستيطان إلى تسجيل 4,914 اعتداءً للمستوطنين خلال الأشهر الثمانية الأولى من عام 2026. لكن الأرقام، على ضخامتها، لا تشرح وحدها أثر الاعتداءات؛ فالأهم هو كيف تتراكم نتائجها لتقيّد حركة الفلسطينيين، وتُضعف قدرتهم على استثمار أراضيهم، وتفتح المجال أمام تمدد المستوطنات.
من البؤرة إلى السيطرة الدائمة في الضفة
تؤدي البؤر الرعوية دورًا محوريًا في هذا التوسع. فهي تحتاج عددًا محدودًا من المستوطنين وقطعانًا تتحرك عبر مساحات واسعة، بينما يتراجع وصول الفلسطينيين إلى المراعي والحقول المحيطة بها بفعل الاعتداءات والتهديدات. وبذلك، تتجاوز مساحة السيطرة الفعلية حدود المنشآت المبنية داخل البؤرة.
وبحسب تقرير مشترك لحركتي "السلام الآن" و"كيرم نافوت"، باتت المزارع الاستيطانية تفرض سيطرة فعلية على أكثر من 1.1 مليون دونم، أي قرابة 18% من مساحة الضفة الغربية. ويرصد التقرير، خلال الأعوام 2023–2025، إقامة 185 بؤرة، وتهجير 118 تجمعًا أو تجمعًا فرعيًا للرعاة، وشق 223 كيلومترًا من الطرق لخدمة البؤر ومستوطنيها.
توضح هذه المعطيات أهمية الطرق في تثبيت السيطرة؛ فالطريق يصل البؤرة بمحيطها الاستيطاني، ويتيح وصول المركبات والخدمات والحماية إليها، بينما قد تتحول حركة الفلسطينيين بالقرب منه إلى مخاطرة يومية. ويصبح التوسع شبكة مترابطة، لا مجرد نقاط متناثرة فوق التلال.
أشار تحقيق لـ"هيومن رايتس ووتش" إلى إقامة 248 بؤرة في عهد الحكومة الإسرائيلية الحالية، بينها 65 خلال 2026 حتى مطلع أغسطس، فيما قالت الحكومة إنها أقرت أو شرعنت نحو 160 بؤرة خلال ولايتها.
في قرية المغيّر شرقي رام الله، يعرض النص الموثق لحالة التوسع تسع بؤر تحيط بالبلدة، سبع منها أُقيمت منذ 2023. وتكشف تجربة عائلات انتقلت من عين سامية إلى أطراف المغيّر كيف يمكن للتهجير أن يتكرر: فقد غادرت موقعها الأول عام 2023، ثم أُبعدت عن الموقع الجديد مطلع 2026 بأمر عسكري أغلق المنطقة، قبل إقامة بؤرة استيطانية فيه بعد أقل من شهر.
ولا تبقى السيطرة الميدانية منفصلة عن مؤسسات الدولة. فقد أشار تحقيق لـ"هيومن رايتس ووتش" إلى إقامة 248 بؤرة في عهد الحكومة الإسرائيلية الحالية، بينها 65 خلال 2026 حتى مطلع أغسطس، فيما قالت الحكومة إنها أقرت أو شرعنت نحو 160 بؤرة خلال ولايتها.
هنا تكتسب إجراءات التخطيط والشرعنة معناها: تحويل الوجود الاستيطاني إلى بنية مرتبطة بالخدمات والموازنات والمخططات الرسمية. ويتكامل ذلك مع نقل صلاحيات مدنية من الإدارة العسكرية إلى مؤسسات إسرائيلية، بما يعمّق إدماج المستوطنات في أجهزة الدولة، مع استمرار خضوع الفلسطينيين للأوامر العسكرية.
تقويض أسباب البقاء في الضفة
بموازاة السيطرة على المساحات، تتعرض الموارد التي تتيح للفلسطينيين البقاء فيها للاستهداف. فالماء والكهرباء والحقول والقطعان تحدد قدرة العائلات على مواصلة حياتها، خصوصًا في التجمعات الزراعية والرعوية التي تعتمد مباشرة على الأرض.
وفق "أوتشا"، تضررت أو دُمرت أو سُرقت معدات نحو 160 منشأة للمياه والصرف الصحي في اعتداءات المستوطنين منذ مطلع 2026 وحتى أواخر يوليو، وكان أكثر من نصف المنشآت خزانات مياه. وفي أم صفا شمال غربي رام الله وسط الضفة، أدى إتلاف أجزاء من خط المياه الرئيسي في يونيو إلى انقطاع المياه عن القرية أربعة أيام.
ويزيد منع الإصلاح أثر التخريب. ففي قصرة، اعتدى المستوطنون على فريق البلدية الذي وصل لإصلاح شبكتي المياه والكهرباء بعد الحصول على موافقة إسرائيلية، ثم اعتقل الجيش أربعة من عمال الكهرباء ومنع إتمام العمل. تتجاوز النتيجة مدة الانقطاع؛ إذ تصبح استعادة الخدمة نفسها رهينة إجراءات قد تسمح بالإصلاح أو تعطله.
ويمتد الضغط إلى الزيتون، الذي يربط دخل العائلة بحضورها المتكرر في الأرض. ففي النصف الأول من 2026، وثقت هيئة مقاومة الجدار والاستيطان تضرر أو اقتلاع 45,195 شجرة، بينها 26,395 زيتونة. وفي أغسطس وحده، استُهدفت 21,508 أشجار، بينها 19,375 زيتونة.
تتراكم الخسائر لتجعل البقاء أكثر كلفة: مياه تحتاج إلى شراء ونقل، وأشجار فقدت إنتاجها، وقطعان سُلبت، وطرق يصعب عبورها.
ولا تُختزل خسارة الأشجار المعمّرة في محصول موسم واحد؛ فاقتلاعها يحرم العائلات إنتاج سنوات مقبلة، ويضاعف كلفة استعادة الأرض وزراعتها. كما أن تهديد المزارعين خلال القطاف يضيّق فرص الوصول إلى الحقول، ويحوّل العمل الزراعي المعتاد إلى نشاط يحتاج مرافقة وحماية وتنظيمًا جماعيًا.
وتواجه التجمعات الرعوية ضغطًا مشابهًا عبر استهداف المواشي. فقد وثقت هيئة مقاومة الجدار والاستيطان، حتى منتصف مايو، 102 اعتداء مباشر طالت 4,796 رأسًا بالسرقة أو القتل أو الإبعاد. وبالنسبة إلى عائلة تعتمد على الرعي، تعني خسارة القطيع تهديد موردها الأساسي، وقدرتها على دفع كلفة الأعلاف والمياه ومواصلة الإقامة في المكان.
كما نقلت "العربي الجديد" شهادات عن تسريب أغنام تحمل شرائح تعريف إلكترونية إلى الأسواق الفلسطينية، ثم استخدامها لاحقًا في ادعاءات ملكية تفضي إلى مصادرة المواشي. وتحتاج هذه الشهادات إلى قراءتها ضمن نمط أوسع يجمع السلب المباشر وتوظيف الإجراءات الرسمية ضد أصحاب القطعان.
تتراكم الخسائر لتجعل البقاء أكثر كلفة: مياه تحتاج إلى شراء ونقل، وأشجار فقدت إنتاجها، وقطعان سُلبت، وطرق يصعب عبورها. ويغدو الرحيل نتيجة لضغوط متواصلة تُضعف الخيارات المتاحة للعائلة، حتى من دون صدور أمر مباشر بطردها.
واقع يسبق القرار
تكتسب هذه التحولات أثرًا أوسع عندما تتصل بمشروعات استيطانية كبرى، بينها مشروع "E" شرقي القدس، الذي يربط التوسع حول "معاليه أدوميم" بالقدس، ويهدد اتصال التجمعات الفلسطينية ومجال حركتها. فالمخططات الكبرى والبؤر الصغيرة تعمل على مستويين متكاملين: إعادة تشكيل الجغرافيا، وتقييد الحياة اليومية داخلها.
ولا يكفي تغيّر الائتلافات الحكومية لعكس آثارها تلقائيًا؛ فالطريق الذي شُق والبؤرة التي توسعت والعائلة التي هُجّرت تترك وقائع تحتاج إجراءات فعلية لإزالتها وإعادة الحقوق لأصحابها.
من حصار منازل قصرة إلى إفراغ المراعي وتثبيت البؤر، تتشكل السيطرة عبر سلسلة أفعال يومية مترابطة. ومع تراكمها، لا يعود القرار السياسي مطالبًا بإنشاء الضم، بل بتسمية ما أُنجز سلفا.
في المقابل، تبقى فجوة واسعة بين المواقف الدولية وقدرتها على وقف التغيير الميداني. فقد أكد الرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية الصادر في يوليو 2024 عدم قانونية استمرار الوجود الإسرائيلي في الضفة المحتلة، لكن استمرار التوسع يكشف حدود الأثر العملي للموقف القانوني من دون إجراءات لتنفيذه.
من حصار منازل قصرة إلى إفراغ المراعي وتثبيت البؤر، تتشكل السيطرة عبر سلسلة أفعال يومية مترابطة. ومع تراكمها، لا يعود القرار السياسي مطالبًا بإنشاء الضم، بل بتسمية ما أُنجز سلفا.