مواسم خير البلاد... حرب الاحتلال على زيتون فلسطين
1 نوفمبر 2026
انشر الخبر على منصتك المفضلة
لا تبدأ معركة الفلسطينيين على زيتون فلسطين مع وصولهم إلى الحقول؛ فقبل نضج الثمار، تكون الجرافات قد اقتلعت أشجارًا، والأوامر العسكرية أغلقت أراضي، وهجمات المستوطنين ضيّقت طرق الوصول إلى ما تبقّى من البساتين. وتُشير قراءة بيانات اعتداءات الاحتلال منذ بداية عام 2026 إلى تداخل ثلاث أدوات: تدمير الأشجار قبل الموسم، ومنع المزارعين من الوصول إليها خلاله، وتثبيت طرق وبؤر استيطانية تعزّز السيطرة على الأرض بعد انتهائه.
بهذا المعنى، يتجاوز استهداف الزيتون إتلاف محصول سنوي إلى تقويض قدرة الفلسطينيين على البقاء في أراضيهم والعودة إليها، في مسار تتداخل فيه اعتداءات المستوطنين مع القرارات العسكرية.
اقتلاع الأشجار قبل وصول أصحابها
تكشف البيانات المرصودة حتى نهاية أغسطس/آب عن أكثر من 4,914 اعتداءً للمستوطنين، بينها 628 اعتداءً خلال أغسطس وحده، بمعدل يزيد على عشرين اعتداءً يوميًا خلال الشهر. وامتدت الاعتداءات منذ بداية العام إلى 275 تجمعًا فلسطينيًا.
وفي قلب هذا العنف، برز استهداف أشجار الزيتون. فقد سُجّل قطع 26,395 شجرة زيتون خلال النصف الأول من العام، فيما أضرّت هجمات الجنود والمستوطنين خلال أغسطس وحده بـ21,508 أشجار، بينها 19,375 زيتونة. وتكتسب هذه الخسائر ثقلًا إضافيًا بالنظر إلى أن الأراضي المزروعة بالزيتون تشكّل نحو 45% من الأراضي الزراعية الفلسطينية.
تلتقي الإجراءات عند نتيجة واحدة: إضعاف الصلة اليومية بين المزارع وأرضه، عبر تدمير ما يزرعه ومنعه من استعادة قدرته على الإنتاج.
ولا ينتهي الاعتداء باقتلاع الشجرة؛ إذ يمتد إلى منع أصحاب الأرض من إصلاح الأضرار وإعادة الغرس. ففي مطلع سبتمبر/أيلول، جرّفت آليات الاحتلال نحو 250 دونمًا مزروعة بالزيتون المعمّر في عرابة، ثم مُنع أصحابها من دخولها أو معالجة ما لحق بها.
بالتوازي، تُستخدم الأوامر العسكرية لإزالة الغطاء الشجري، بما يشمل أوامر تنص صراحة على اقتلاع الزيتون. وحتى نهاية أغسطس، بلغ عددها 59 أمرًا استهدفت نحو 2,480 دونمًا. ومنحت بعض الأوامر المالكين مهلة لا تتجاوز 24 ساعة للتنفيذ، وإلا تولّى المهمة من يعيّنه القائد العسكري، فيما صدر بعضها لاحقًا لإضفاء غطاء على اقتلاع نُفّذ بالفعل.
وتلتقي هذه الإجراءات عند نتيجة واحدة: إضعاف الصلة اليومية بين المزارع وأرضه، عبر تدمير ما يزرعه ومنعه من استعادة قدرته على الإنتاج.
موسم تحت المنع والاعتداء
تُظهر حصيلة الموسم السابق طبيعة المخاطر التي تواجه المزارعين. فقد وثّق مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية "أوتشا" 178 هجومًا للمستوطنين مرتبطًا بقطف الزيتون بين مطلع أكتوبر/تشرين الأول ونهاية نوفمبر/تشرين الثاني، طالت 88 تجمعًا فلسطينيًا. وخلال الموسم، أُصيب 151 فلسطينيًا برصاص المستوطنين أو اعتداءاتهم، إضافة إلى ثمانية متطوعين دوليين كانوا يرافقون المزارعين لتوفير الحماية لهم.
أما في الموسم الحالي، فتقدّر وزارة الزراعة الفلسطينية أن نحو 200 ألف دونم، من أصل 900 ألف دونم مزروعة بالزيتون، معرّضة للهجمات أو منع الوصول. ويُضاف إليها نحو 60 ألف دونم خلف الجدار مُنع أصحابها من دخولها أصلًا. وبذلك، تصل المساحات التي يتهدد المنع قطافها، أو يحول دونه بالفعل، إلى نحو 260 ألف دونم.
ولا تتعلق المسألة باعتداءات تقع أثناء العمل في الحقول وحدها، بل بقيود قد تحول دون بدء القطاف. فقد نشرت صحيفة «إسرائيل هيوم» معلومات عن توجّه لدى الجيش لمنع المزارعين الفلسطينيين من دخول الأراضي المصنّفة إسرائيليًا «أراضي دولة» لقطف الزيتون في عموم الضفة الغربية، بذريعة «تقليل الاحتكاك» مع المستوطنين.
وثّق مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية "أوتشا" 178 هجومًا للمستوطنين مرتبطًا بقطف الزيتون بين مطلع أكتوبر/تشرين الأول ونهاية نوفمبر/تشرين الثاني، طالت 88 تجمعًا فلسطينيًا.
ويعني تطبيق هذا التوجّه توسيع المنع بدلًا من حماية المزارعين، وتحويل الاعتداءات التي يتعرضون لها إلى مبرر لإبعادهم عن أراضيهم. كما يضيّق فرص الوصول التي كانت تُتاح، على محدوديتها، عبر ترتيبات التنسيق المسبق.
وفي السياق نفسه، تشير تقارير نشرتها «يديعوت أحرونوت» إلى أن قطع الزيتون ومنع قطافه يقطعان الطريق أمام عودة الفلسطينيين إلى الأرض. وتربط تلك التقارير هذه الممارسات باتساع السيطرة الاستيطانية على المراعي والأراضي الزراعية، لتبلغ نحو مليون دونم.
خسارة تتجاوز المحصول
استهداف مستوطنون لشجرة الزيتون في الضفة
تنعكس القيود والاعتداءات مباشرة على حياة العائلات الفلسطينية. وقد قُدّرت خسائر موسم الزيتون الأخير بأكثر من 70 مليون دولار، فيما تشير تقديرات «أوتشا» إلى اعتماد نحو مئة ألف أسرة على الموسم في إعالتها.
بالنسبة إلى تلك الأسر، لا يمثّل الزيتون محصولًا يمكن تعويضه بسهولة؛ فهو دخل سنوي، ومؤونة منزلية، ومورد يساعد على مواجهة تراجع فرص العمل وارتفاع تكاليف المعيشة. واقتلاع الأشجار المعمّرة يحرم أصحابها إنتاج سنوات مقبلة، حتى لو استطاعوا العودة إلى الأرض وزراعتها من جديد.
أمام ذلك، يسعى المزارعون إلى حماية ما تبقّى من الموسم بالقطف الجماعي المبكر، وتنظيم العمل أيام الجمعة والسبت، وتشكيل لجان محلية لمرافقة أصحاب الأراضي. وهي محاولات لتقليل العزلة التي تجعل المزارع أكثر عرضة للاعتداء، والحفاظ على حضور فلسطيني في الحقول المهددة.
تبدأ الخسارة بشجرة تُقتلع أو محصول يُمنع قطافه، لكنها تتراكم لتطال قدرة عائلة على العيش من أرضها. ومن هنا، يصبح الوصول إلى الزيتون جزءًا من معركة البقاء: فكل موسم يُحرم الفلسطينيون منه يضيّق أسباب استمرارهم، ويفتح مساحة إضافية لتمدّد الاستيطان.