سرقة المواشي في الضفة.. بوابة استيطانية للاستيلاء على الأرض
1 نوفمبر 2026
انشر الخبر على منصتك المفضلة
لا يبدأ الاستيطان دائمًا في الضفة الغربية بجرافةٍ أو مخطط هندسي، أحيانًا يكون اختفاء قطيعٍ من الأغنام دليلًا على هجمة استيطانية متتالية، فوفقًا لمدير التوثيق في هيئة مقاومة الجدار والاستيطان، سُجلت 102 حالة سرقة واعتداء على المواشي الفلسطينية خلال النصف الأول من 2026 وحدها.
طالت هذه الحالات نحو 4796 رأسا بين سرقة وقتل وإبعاد، لكن رقمًا آخر يظهر في الرصد الاستيطاني تكشف توثيقات منظمة "البيدر" التي رصدت في الأغوار الشمالية وحدها سرقة نحو 7 آلاف رأس ماشية من التجمعات البدوية خلال ستة أشهر، منها نحو 5 آلاف رأس أغنام وألفا رأس أبقار.
لا تكشف هذه البيانات عن اعتداءٍ على مصدر رزق وحياة عائلات فلسطينية فقط، وإنما عن تحولات الاستهداف الاستيطاني من السطو إلى وسائل أكثر تعقيدًا، من بينها؛ اعتماد سرقة المواشي أداة للاستيلاء على مساحات أكبر من الأراضي، إضافة للتلاعب على القانون بإدعاء ملكية زائفة للمواشي.
فعلى صعيد الاستيلاء على الأرض، فقد سجلت اعتداءات في مناطق مثل خشم الكرم ببادية يطا، جنوب الخليل، ومنطقة المفقرة بمسافر يطا وفي واد سعير، شمال شرق الخليل، وفي أم صفا شمال غرب رام الله، إذ خرج المستوطنون المسلحون من البؤر المحيطة للاستيلاء على قطعان الأغنام بالتوازي مع اعتداءات على منشآت زراعية ومصادر مياه.
بل وفي أم صفا شمال غرب رام الله، جرت العملية في وضح النهار، وبمشاركة مباشرة من قوات الاحتلال بحسب الوصف الذي تداولته مصادر فلسطينية.
القاسم المشترك بين هذه المناطق الأربعة ليس الصدفة الجغرافية، فجميعها يقع داخل أو على تخوم "المنطقة ج"، بل في هدفها بتفريغ الأراضي الفلسطينية من قطيعها ورعاتها، عندما تتحول سرقة الخراف من جريمة ميدانية معزولة إلى حلقة تمهيدية في مسار مصادرة أوسع، ما يُنتج الشرط القانوني الذي يحتاجه الطاقم الإداري "طاقم الخط الأزرق الإسرائيلي" لتصنيف تلك الأرض "غير مستغلة".
من سرقة القطيع إلى ادّعاء ملكيته
أما التلاعب عبر ادعاء ملكية زائفة، فيتم عبر استخدام شرائح إلكترونية تُزرع داخل المواشي المسروقة من قبل المستوطنين، تحمل أرقاماً تسلسلية مسجلة لدى "وزارة الزراعة الإسرائيلية" أو الإدارة المدنية التابعة للاحتلال باسم المستوطن أو البؤرة الرعوية التابعة له، ثم عندما يحاول المزارع الفلسطيني تتبع مواشيه أو تقديم شكوى عبر المحامين والقنوات القانونية، يتم فحص الماشية إلكترونياً لتظهر البيانات الرسمية المسجلة باسم المستوطن. بالتالي، ترفض الشرطة الإسرائيلية إعادة القطيع للمزارع الفلسطيني بل وتتهمه هو بالسرقة بناءً على القراءة الرقمية للشريحة.
البؤر والمزارع الرعوية وحدها تستولي على نحو 786 ألف دونم من أراضي الضفة، أي ما يقارب 14% من مساحتها الكلية.
لا يقتصر ذلك على حرمان الفلسطيني من استرداد ماشيته حتى عبر القنوات القانونية الإسرائيلية نفسها، بل لتأسيس تصنيفٍ عقاري جديد، من خلال تأمين مبررٍ للاقتحام العكسي، حيث كشفت شهادات حقوقية عن قيام المستوطنين بزراعة رقائق إلكترونية في عدد من الأغنام التابعة لهم، ثم تسريبها أو بيعها بأسعار متدنية جداً داخل الأسواق الفلسطينية عبر وسطاء، وبعد أن يبتاعها المزارع الفلسطيني يتقدم المستوطن ببلاغ رسمي بدعوى السرقة مدعوما برصد إلكتروني لتحديد موقع الشريحة.
نتيجةً لهذه الآلية يقتحم الجيش والمستوطنون المزرعة الفلسطينية، ويقومون بمصادرة القطيع بأكمله بحجة إثبات السرقة، وتدمير المنشأة الرعوية، وتغريم صاحبها أو اعتقاله ووضع اليد على الأرض والمنشأة التابعة له.
وفقًا لمنظمة البيدر، فإن سرقة المواشي أصبحت مصدر تمويلٍ مهم للبؤر الاستيطانية، بالتوازي مع دورها في الضغط على الفلسطينيين لتهجيرهم، يُفسر ذلك تكرر هذه الظاهرة في عدة مواقع جغرافية، مع تطابقٍ في التفاصيل يشمل مساهمة الجنود في الاقتحام ومساعدتهم في نقل القطعان المسروقة، وفرضهم طوقًا أمنيًا على المنطقة يمنع الفلسطينيين من الحشد لنجدة الحظائر التي تُفرغ أمام أعينهم.
عين سامية.. من مصادرة المواشي إلى اقتلاع التجمّع
يُعيد ذلك إلى الذاكرة الفلسطينية حالة الاستيطان في عين سامية، عام 2023، إذ أُقيمت 7 بؤر رعوية حول تجمع عين سامية البدوي قرب كفر مالك شرق رام الله، وفشلت كل محاولات تهجيره، إلى أن استُخدمت حيلة "الادعاء بسرقة مواشي المستوطنين" لتبرير اقتحام الحظائر ومصادرتها، وانتهى الأمر بترحيل التجمع بأكمله.
ما يكشفه سياق عين سامية أن سرقة المواشي ليست خاتمة القصة، بل نقطة انطلاقها، فالتجمع البدوي المحاصر بسبع بؤر رعوية أقيمت حوله تباعاً صمد أمام محاولات تهجير متكررة، إلى أن نجحت "حيلة" واحدة فقط؛ ادّعاء مستوطن بأن مواشيه "مسروقة" داخل حظائر التجمع، لتُفتح بعدها المصادرة والاقتحام حتى الترحيل الكامل للتجمع بأكمله عام 2023، هذه السابقة تمنح ظاهرة سرقة المواشي بُعدها الحقيقي، فهي ليست جريمة اقتصادية بقدر ما هي أداة تفريغ ديموغرافي مؤجلة.
لا يبدأ الاستيطان دائما في الضفة الغربية بجرافة أو مخطط هندسي، أحيانا يكون اختفاء قطيع من الأغنام دليلا على هجمة استيطانية متتالية.
يتسق ذلك مع الصورة الأوسع، فالبؤر والمزارع الرعوية وحدها تستولي على نحو 786 ألف دونم من أراضي الضفة، أي ما يقارب 14% من مساحتها الكلية، فيما تضاعف عدد "المزارع الاستيطانية"، وفق مركز "معطى" الفلسطيني استناداً لبيانات المجلس الإقليمي للمستوطنات الإسرائيلي "يشع"، من 62 إلى 122 مزرعة خلال ثلاث سنوات فقط، بين 2023 و2026.