ندوب اعتقال الأطفال: تسعة أشهر لا تُنسى
24 أكتوبر 2026
انشر الخبر على منصتك المفضلة
لم يكن زيد قد تجاوز الخامسة عشرة حين اقتحم عشرات الجنود الإسرائيليين منزل عائلته قرب رام الله، في منتصف ليلة 15 فبراير/شباط 2025. بدا صغيرا إلى درجة أن أحد الجنود، وفق رواية والده، ظن في البداية أن العائلة أحضرت لهم الفتى الخطأ. لكن زيد كان المطلوب بالفعل، وبعد دقائق كان يُسحب من بين والديه إلى مركبة عسكرية، من دون أن تعرف العائلة إلى أين سيُنقل أو التهمة التي يُعتقل بسببها.
اعتقد والداه أن الأمر قد ينتهي خلال أيام. إلا أن الفتى أمضى نحو تسعة أشهر ونصف الشهر في الاعتقال، تنقل خلالها بين التحقيق والمحاكم والسجن، قبل أن يعود إلى منزله بشخصية تقول عائلته إنها لم تعد تشبه تماما ذلك الطفل الهادئ الذي اقتيد ليلا.
وبحسب شهادة الفتى، الذي أشارت إليه مجلة +972 باسم مستعار هو "زيد" حفاظا على سلامته وعائلته، بدأت قضيته باعتراف يقول إنه انتُزع منه تحت الضرب، ثم تحولت الأشهر التالية إلى تجربة من الجوع والمرض والانقطاع شبه الكامل عن عائلته، قبل أن تنتهي بقبوله بتسوية قضائية أتاحت الإفراج عنه بعد احتساب المدة التي أمضاها في السجن.
اعتراف تحت الضرب
بعد اقتياده من منزله، نُقل زيد إلى قاعدة عسكرية في "بيت إيل"، حيث بدأ التحقيق معه بشأن إلقاء الحجارة. يقول إنه أخبر المحقق بأنه كان برفقة أصدقائه يوم اعتقاله، لكن إجابته لم تكن كافية.
بدأ الضرب، بحسب روايته، إلى أن أصبح غير قادر على التنفس. وعرف لاحقا أن اثنين من أضلاعه قد كُسرا. عندها قال للمحقق ما كان يريد سماعه: إنه ألقى الحجارة.
بمجرد أن اعترف، توقف الضرب. كانت تلك اللحظة، بالنسبة إليه، الدليل على أن المطلوب لم يكن الاستماع إلى روايته، بل الوصول إلى إجابة محددة. وبعدها وُضعت أمامه وثيقة باللغة العبرية وطُلب منه توقيعها. وحين قال إنه لا يفهم ما هو مكتوب، جاءه الرد: "لا تتكلم، فقط وقّع".
تشير بيانات حقوقية إلى ارتفاع ملحوظ في أعداد الأطفال الفلسطينيين المعتقلين خلال السنوات التي أعقبت أكتوبر/تشرين الأول 2023، بمن فيهم أطفال خاضعون للاعتقال الإداري.
أصبح هذا الاعتراف أساسا لتوجيه لائحة اتهام إليه، وبدأت بعدها سلسلة طويلة من جلسات المحكمة وتمديد الاعتقال. وخلال الأشهر التالية، خضع زيد لـ12 جلسة، كانت تنتهي الواحدة تلو الأخرى بالتأجيل وإعادته إلى السجن.
وتندرج تجربته ضمن نمط أوسع وثقته مؤسسات حقوقية بشأن اعتقال الأطفال الفلسطينيين، خصوصا ما يتعلق بالاعتقال الليلي، والتحقيق في غياب الأهل، والضغط لتوقيع إفادات أو اعترافات لا يفهم الأطفال مضمونها بصورة كاملة.
وتشير بيانات حقوقية إلى ارتفاع ملحوظ في أعداد الأطفال الفلسطينيين المعتقلين خلال السنوات التي أعقبت أكتوبر/تشرين الأول 2023، بمن فيهم أطفال خاضعون للاعتقال الإداري، الذي يتيح احتجازهم من دون توجيه تهمة أو تقديمهم إلى محاكمة، استنادا في كثير من الحالات إلى مواد سرية.
"مجدو".. الجوع والمرض وحكاية وليد
أمضى زيد معظم فترة اعتقاله في سجن مجدو، حيث تقاسم زنزانته مع عشرة فتيان آخرين. ظلت الأضواء مشتعلة على مدار الساعة، فيما أصبحت قلة الطعام واحدة من أكثر تفاصيل السجن حضورا في ذاكرته.
يتذكر أنهم كانوا يحصلون أحيانا على طبق واحد من الأرز لعشرة أسرى. ومع حلول شهر رمضان، بعد نحو أسبوعين من اعتقاله، كانت الوجبات توزع خلال النهار بينما يصوم الفتيان، فتظل حتى موعد الإفطار، وقد أصبحت قاسية أو فاسدة.
وبمرور الوقت، بدأت الأمراض تنتشر بينهم. أصيب زيد وعدد من زملائه بالجرب، فيما عانى فتى آخر كان معه في الزنزانة، وليد أحمد، من تدهور صحي أشد.
كان وليد، البالغ من العمر 17 عاما، يعاني إسهالا وقيئا ودوارا استمرت لأسابيع، وفق الروايات التي نقلها زيد. وفي 22 مارس/آذار، انهار خلال خروج الأسرى إلى ساحة السجن، وارتطم بعمود قبل أن يسقط أرضا.
لم تقتصر تجربة الاعتقال على زيد وحده. فقد عاشت أسرته طوال الأشهر التالية على إيقاع الجلسات وتأجيلاتها والانتظار الطويل في المحاكم، فيما لم يكن الأبوان يعرفان متى ستنتهي القضية أو متى سيعود ابنهما.
يقول زيد إن الفتيان أخذوا يصرخون طلبا للمساعدة، قبل أن يأتي الحراس ويحملوا وليد بعيدا. لم يعد بعد ذلك إلى الزنزانة. وتبين لاحقا، وفق تقرير طبي إسرائيلي، أن وليد كان يعاني سوء تغذية شديدا، إلى جانب فقدان حاد في الوزن وضمور في العضلات.
يقول زيد إن التعامل مع الفتيان تغير بعض الشيء بعد وفاة وليد، وبدأت الإدارة تقدم لهم بعض الأدوية، إلا أن الجرب كان قد انتشر بينهم بالفعل. وخلال فترة اعتقاله، كان التواصل مع عائلته شبه معدوم. لم تكن هناك زيارات منتظمة أو مكالمات هاتفية، وأصبح الأسرى الذين يُفرج عنهم وسيلة لإيصال أخبار من بقي داخل السجن إلى أهاليهم.
كان والداه يريان ابنهما خلال جلسات المحاكم فقط، ومن خلال شاشة وفي غرفة منفصلة. وعندما شاهدته والدته بعد نحو أسبوع من اعتقاله، رأت آثار الضرب على وجهه وخدوشا في رقبته.
ولم تقتصر تجربة الاعتقال على زيد وحده. فقد عاشت أسرته طوال الأشهر التالية على إيقاع الجلسات وتأجيلاتها والانتظار الطويل في المحاكم، فيما لم يكن الأبوان يعرفان متى ستنتهي القضية أو متى سيعود ابنهما.
خرج من السجن.. وبقي الخوف
في الجلسة الأخيرة، عُرض على زيد الاعتراف بالذنب مقابل الاكتفاء بالمدة التي أمضاها في السجن. وافق، وصدر القرار بالإفراج عنه في اليوم التالي.
عاد إلى منزله وحاول استئناف حياته. التحق بالتعليم المهني وبدأ يتدرب ليصبح ميكانيكيا، لكن عائلته تقول إن تجربة الاعتقال لم تنته بمجرد خروجه من بوابة السجن. والدته تصفه قبل الاعتقال بأنه كان هادئا، بينما أصبح بعد خروجه سريع الانفعال ويصعب الحديث معه أحيانا. أما والده فيقول إن ابنه يعاني من الكوابيس.
تغيرت حياة الأسرة أيضا. بات والداه يحاولان إبعاده عن أي احتكاك بالجيش، ويتجنبان مروره عبر الحواجز قدر الإمكان، وحين يسمعان عن اقتحام عسكري للقرية يتصلان به فورا ويطلبان منه العودة إلى المنزل.
ويعكس ذلك جانبا آخر من أثر اعتقال الأطفال يتجاوز مدة الاحتجاز نفسها. فالإفراج لا يعني بالضرورة نهاية الخوف، خصوصا بالنسبة إلى فتى اعتُقل من منزله من دون أن تعرف أسرته بداية إلى أين اقتيد، ثم أمضى تسعة أشهر بعيدا عنها، قبل أن يعود وهو يواجه احتمال تكرار التجربة كلما دخل الجيش إلى القرية.
وحين سُئل زيد عمّا سيفعله إذا جاء الجنود لاعتقاله مرة أخرى، لم يتحدث عن المحاكمة ولا عن إمكانية الإفراج عنه مجددا. قال: "سأهرب حتى يطلقوا النار عليّ.. أفضل أن أموت على أن أعود".