"شوية وراجع".. حين يصبح كل مشوار في غزة وداعا أخيرا
24 أكتوبر 2026
انشر الخبر على منصتك المفضلة
في غزة لا يبدأ المشوار عند الباب، يبدأ قبله بقليل، عند تلك النظرة التي يلقيها الأب على أطفاله وهو يمد يده إلى مقبض الباب، وعند السؤال الدوري الذي تكرره الأمهات في كل مرة: "وين رايح؟" وعند الزوجة التي تتابع خطوات زوجها حتى يختفي آخر طرف منه في نهاية جبل ممتد من الخيام.
فالخروج من الخيمة أو مكان النزوح لأداء أي وظيفة والعودة لاحقا إلى نفس المكان صار حدثا يستحق الحمد، وصار التأخر دقائق قليلة كافيا كي يملأ الرأس بأبشع الاحتمالات، وهذه واحدة من العقد التي صنعتها الحرب في نفوس أهل غزة، وهي عقدة المشوار الأخير، حيث يخرج الرجل ليشتري خبزا، أو يحمل شيئا من الطعام إلى أطفاله، أو يتجه إلى عمله في مؤسسة إغاثية، أو يركب سيارة توصله إلى صلة رحم قريبة، أو أن يذهب للبحث عن ماء أو دواء وهي كلها أعمال روتينية وعادية، لكنها قد تصبح المشوار الأخير في حياته.
"شوية وراجع".. وعدٌ قد لا يكتمل
فالصاروخ الذي يسقط على مجموعة من المواطنين في الشارع، أو الذي يصيب سيارة تنقل الركاب من محطة إلى أخرى، أو القذيفة التي تضرب بسطة صغيرة وسط سوق شعبي، كلها تحوّل المشوار الذي بدأ بجملة " شوية وراجع" إلى آخر أثر تركه صاحبه خلفه.
ومع استمرار حرب الإبادة على غزة، وتصاعد استهداف الاحتلال لكل شيء فيها، لم يعد السؤال "وين رايح؟" ولكنه السؤال صار "أكيد هترجع؟" وهذا السؤال لا يُقال بصوت مرتفع، يبقى عالقا في الحلق ويظهر في العيون.
أهل غزة لا يقولون لبعضهم في كل صباح، أن هذا قد يكون أخر مشوار فلا أحد يملك قدرة العيش مع جملة كهذه كل يوم، ومع ذلك يكتفون بأشياء أصغر "دير بالك على حالك"، "ما تتأخر"، "طمني أول ما توصل"، "خلي جوالك مفتوح" ووراء كل جملة منها قلب يحاول أن يبدو طبيعيا.
حين يصبح رنين الهاتف أقسى من الانفجار
فالأم التي يخرج ابنها لا تعود إلى ما كانت تفعله بسهولة، أذنها تبقى معلقة بالشارع، وعينها على الهاتف، وذاكرتها تستعيد لون قميصه والطريق الذي قال إنه سيسلكه، فصوت أي انفجار بعيد يكفي لبعثرة البيت من الداخل، ومع أنها لا تعرف مكان القصف بعد، ولا تعرف أسماء الشهداء، ولا تملك أي معلومة، ومع ذلك يبدأ جسدها في الاستعداد للأسوأ، تمسك الهاتف وتتصل مرة، ثم مرة أخرى حتى يصبح الرنين الطويل أقسى من صوت الانفجار نفسه.
أما عن الأب فيعيش الخوف نفسه مع أبنائه، وكذلك الزوجة والأبناء يعيشون نفس الشيء، فالطفل في غزة أيضا يتعلم الخوف من الفقد مبكرا، يراقب خروج أبيه، ويسأل عن موعد عودته، ويستمع إلى الأصوات في الخارج بطريقة لا تتناسب مع عمره.
الخوف المتواصل يرهق الناس ويستهلك صحتهم النفسية والجسدية، فحتى في الأيام التي ينجو فيها الجميع ولا يصلهم أي خبر سيئ، فإن جميع أفراد العائلة يكونوا قد عاشوا لساعات طويلة تحت ضغط احتمال الفقد.
وهذا ما يجعل "عقدة المشوار الأخير" أكثر من كونها خوف طبيعي، فهي تغيير كامل لشكل الحياة، فالطريق الذي كان يصل البيت بالسوق صار مساحة تهديد، والسيارة التي كانت وسيلة للوصول صارت تابوتا متحركا، والتجمع الصغير أمام أي شيء في غزة كلها باتت اليوم أماكن غير مألوفة وعاجزة عن منح الطمأنينة البسيطة التي كان تمنحها سابقا.
حتى المشوار القصير لم يعد قصيرا في حساب القلب، فالدكان قد يبعد عشرات الأمتار، غير أن الأم التي تنتظر ابنها تقطع في رأسها مسافات هائلة، وتمر على احتمالات لا نهاية لها خلال دقائق، وإن تأخر قليلا بدأت تتخيل صوت الهاتف، واسم المستشفى، وصورة ينشرها أحدهم على مجموعة واتساب بوجه مغطى، أو إصابة لشخص مجهول، ثم يعود الابن حاملا ما خرج من أجله، فتتنفس أمه الصعداء وكأنها تستقبله بعد سفر طويل.
جراحٌ لا تحملها سيارات الإسعاف
وهذا التكرار اليومي يصنع أثره ببطء، فالإنسان لا يستطيع العيش طويلا على حافة الفقد وفي قلب الخوف من دون أن يتغير شيء داخله، وبذلك يصبح أكثر التصاقا بمن يحب، وأكثر خوفا من غيابهم، وهذا ليس أمرا مبالغ به، فهو استجابة بشرية لحياة نُزع منها أبسط يقين يحتاجه الشخص وهو أن يخرج من بيته ويتوقع العودة إليه.
والخوف المتواصل يرهق الناس ويستهلك صحتهم النفسية والجسدية، فحتى في الأيام التي ينجو فيها الجميع ولا يصلهم أي خبر سيئ، فإن جميع أفراد العائلة يكونوا قد عاشوا لساعات طويلة تحت ضغط احتمال الفقد، وهذا يتكرر في اليوم التالي، ثم في اليوم الذي بعده، وهكذا يتحول القلق من حالة مرتبطة بالخطر إلى طريقة عيش متكررة في غزة.
وأقسى ما في الأمر أن الحياة لا تمنح الناس رفاهية البقاء داخل الخيام ومراكز الإيواء، فالجوع يدفعهم إلى السوق، والعمل يُخرجهم إلى الشوارع، والماء يحتاج إلى مشوار طويل لتوفيره، ومحاولة إنقاذ ما تبقى من الحياة تحتاج إلى عشرات المشاوير، ومع ذلك يمضي الإنسان الغزاوي وهو يعرف قصصا كثيرة بدأت بالطريقة نفسها وانتهت أشلاء أو في ثلاجات الموتى.
في غزة لا يحتاج الموت إلى موعد كبير، قد يبدأ بكلمة "شوية وراجع"، ثم يُسمع صوت انفجار، وبذلك يتحوّل المشوار الذي كان سيأخذ "شوية وقت" إلى آخر فصل في حياة إنسان.
فكم مرة اتصلت أم بابنها بعد سماع انفجار؟ وكم مرة أعاد زوج الاتصال بزوجته لأن الخبر تحدث عن قصف قريب من المكان الذي ذهبت إليه؟ كم مرة خرجت الأم من خيمتها مفزوعة لأن قصفا استهدف تكية الطعام التي يقف ابنها الصغير في دورها؟
والحقيقة أن هذه الأسئلة لا تظهر في بيانات الحرب، ولا تدخل في أعداد الضحايا لكنها جزء من حصيلتها، فهناك إصابات لا تحملها سيارات الإسعاف، كالخوف المزمن والتوتر والترقب الدائم، وفقدان الإحساس بالأمان، والاستعداد الداخلي الدائم لتلقي الخبر الأسوأ.
ربما خسرت غزة خلال هذه الحرب أشياء يصعب حصرها، ومن بينها بساطة الوداع اليومي الذي يسبق أي مشوار طبيعي، فهذا الوداع كان في الماضي يعني أن شخصا ذاهب إلى مكان ما وسيعود بعده، في حين صار اليوم يحمل فرصة أن يكون هو الوداع الأخير، ولهذا صارت العيون تتشبث بالملامح، وصارت الأمهات يقلقن مع كل تأخير حتى وإن كان طبيعيا أو مستصاغا.
ففي غزة لا يحتاج الموت إلى موعد كبير، قد يبدأ بكلمة "شوية وراجع"، ثم يُسمع صوت انفجار، وبذلك يتحوّل المشوار الذي كان سيأخذ "شوية وقت" إلى آخر فصل في حياة إنسان، وتتحول جملة "شوية وراجع" إلى آخر وعد لم يستطع صاحبه الوفاء به، وهذه هي عقدة المشوار الأخير في غزة.