المستوطن يسبق الدولة.. كيف يتحول احتلال الأرض إلى حق إسرائيلي؟
19 أكتوبر 2026
انشر الخبر على منصتك المفضلة
في 5 سبتمبر/أيلول الحالي، زار السفير الأمريكي لدى إسرائيل مايك هاكابي بلدة ترمسعيا، التي يحمل معظم سكانها الجنسية الأمريكية، وتتعرض منازلها لعمليات استهدافٍ وحرقٍ مستمر، فيما مُنع مزارعوها من الوصول لنحو 18 ألف دونم من أراضيهم.
وبينما كان هاكابي يلتقي العائلات على شرفة منزل مطلّ على أطراف البلدة، اقتحم مستوطنٌ من بؤرة قريبة على دراجةٍ رُباعية محيط المنزل الفلسطيني، أمام كاميرات الصحفيين، دون أي اكتراث بوجود السفير، فيما اقتحمت مجموعة أخرى من المستوطنين طرفًا آخر من البلدة بالتزامن مع زيارة أعلى تمثيل دبلوماسي أمريكي في المنطقة.
استمع هاكابي لمعاناة الفلسطينيين، واصفًا ما يجري بحقهم بـ "الإرهاب"، الذي تُقدم عليه "أقلية صغيرة" رغم أن مجتمع المستوطنين في الضفة الغربية يُقارب 750 ألف شخص، ليعود بعد أيامٍ فقط بالتهديد والوعيد لبريطانيا، إثر استعدادها لإعلان حظرٍ تجاري على بضائع مستوطنات الضفة، التزامًا واعترافًا بحكم محكمة العدل الدولية لعام 2024، الذي أقر عدم قانونية احتلال الأراضي الفلسطينية 1967، وأوجب تفكيك المستوطنات وتعويض السكان الأصليين عن الأضرار الناتجة عن الاحتلال والاستيطان.
حينها هدّد هاكابي علنًا، وفي تصريحٍ له لـ BBC بأن واشنطن سترد، ووصف الخطوة البريطانية بأنها "تمييز ضد حكومة إسرائيل وضد الشعب اليهودي"
"إرهاب" فردي واستيطان مشروع
هذه المفارقة التي يُقدمها هاكابي للمجتمع الدولي، بين المستوطن الشرعي الذي تُقر حكومة الاحتلال بشرعية استيلائه، وبين المستوطن "غير الشرعي" الذي لم تُقر حكومة الاحتلال بشرعية استيلائه "بعد"، لا تقتصر على هاكابي، بل تمتد لمنظومةٍ إسرائيلية ودولية، دبلوماسية وإعلامية كاملة، تُصنف المستوطنين باعتبارهم أفرادًا خارجين عن القانون، وتُميّز بين مستوطنٍ "مارق"، و"مشروعٍ استيطاني" رغم أن بُنية وجود كليهما تفتقد الشرعية الدولية والإنسانية.
فحين يقتصر الفعل الاستيطاني على مستوطن يحرق منزلًا أو يحاصر عائلة، يجد الخطاب الرسمي الأمريكي مساحة لإدانته كـ"سلوك فردي منبوذ"، أما حين تحاول دولة أخرى ترجمة مبدأ "الاستيطان غير قانوني" إلى سياسة، فإن الرد الأمريكي والإسرائيلي يتحول من الإدانة اللفظية إلى التهديد الفعلي بعواقب اقتصادية وسياسية، لتتحول الإشكالية السياسية من الاستيطان نفسه إلى ضرب أي محاولة لتأكيد عدم شرعيته، سواء كانت هذه المحاولة فلسطينية بالدفاع عن الأرض في مواجهة المستوطنين، أو دولية على مستوى العقوبات والتصريحات.
هُنا، تحضر مصطلحات السياسة الإسرائيلية التي يتنباها هاكابي كما هي، وأقرتها الإدارة الأمريكية، وأصبحت سائرة على لسان الصحافة الدولية، إذ يستخدم مصطلح "يهودا والسامرة التوراتي" بدلًا عن الضفة الغربية، كما يزعم أن وجود المستوطنين في الضفة قانوني، وفق التلمود والقانون الإسرائيلي ولا حاجة لغير ذلك، ما يعني أن الاستيطان شرعيٌ كمبدأ، لكنه "إرهابٌ" حين يكون سابقًا لأوانه مستبقًا لشرعيته.
من الأمر الواقع إلى الاعتراف.. كيف تلحق الدولة بالمستوطن؟
صناعة المستوطن الشرعي، تأخذ أبعادًا أكبر على الأرض، يتحول فيها المستوطن لمُهندسٍ يختبر حدود الممكن ميدانيًا، فيما تُقر الدولة من بعده هذا الممكن وتمنحه شرعيتها، ففي 3 سبتمبر/ أيلول الحالي، أقرّ المجلس الأعلى للتخطيط والبناء الإسرائيلي 1,516 وحدة استيطانية جديدة وشرّع 3 بؤر في الضفة الغربية، من بين الوحدات الاستيطانية خطة لإضافة 219 وحدة إلى مستوطنة "عادي عاد"، التي بدأت أصلًا كبؤرة غير مرخصة مقامة على أراضي قرية المغيّر، وبناء 200 وحدة إضافية موازية داخل حدود المجلس الاستيطاني نفسه، ما يعني تسوية وضع المستوطنة نهائيًا.
في الأسبوع نفسه، تواصل حصار ثلاثة منازلٍ في بلدة قصرة لليوم التاسع والعشرين، بأسلوبٍ يتراكم فيه الوجود الاستيطاني حول الفلسطينيين حتى الخنق، ليُصبح وجود البؤرة وتوسعها فعلًا أمنيًا تستحق الدولة أن تمنحه الشرعية.
في الإطار الزمني نفسه أُقيمت مستوطنة "نوعا" جنوب مستوطنتي غانيم وكاديم قرب جنين، باستخدام أوامر استيلاء عسكري صادرة في منطقة "أ"، التي يُفترض نظريًا أنها تحت السيادة الفلسطينية الكاملة وفق أوسلو، أما آلية الشرعنة فهي أوامر الاستيلاء العسكري، المصمَّمة أصلًا لأغراض أمنية "مؤقتة"، اللافُت هنا ليس الأداة فقط، بل النتيجة فطوال ثلاثة عقود كانت "المنطقة أ" الخط الأحمر الذي لا يتوسع الاستيطان خلفه ولو شكليًا، أما تجاوزه بأداة عسكرية لا سياسية، فيعني أن آخر سياج قانوني متبقٍّ من أوسلو تحوّل إلى أداة لهدمه.
في المغير، وقصرة وترمسعيا، و17 منطقةً فلسطينية أخرى هذا الأسبوع، قدّم الاستيطان نفسه لا بصفته "نقيض الشرعية" بل مرحلةً سابقةً لها، ليغدو سؤال الفلسطينيين القادم كم بؤرة سيُعاد تعريفها لاحقًا كجزء شرعي من الخريطة، ومن سيُحاسَب إن حاول أن يُذكّر العالم بأنها لم تكن كذلك من الأساس؟
مسارٌ متكرر وقابلٌ للتنبؤ، عنفٌ واقتحامات وحرّق وقتل، ثم أرضٌ تُقتطع ووجودٌ يُثبّت ميدانيًا عبر حصارٍ أو رعي أو دراجة رباعية العجلات، ويُدعم بنيويًا بالطرق والمياه والكهرباء، ثم يُعترف به إداريًا عبر المجلس الأعلى للتخطيط، فيُشرعن خطابيًا عبر تصريحاتٍ إسرائيلية وأمريكية، وأخيرًا يغدو خط دفاعٍ أول ضد أي محاولة لانتقاد إسرائيل أو تفكيك الاستيطان قانونيًا، وفي كل محطةٍ لا يكون المقياس "هل الاستيطان قانوني أو شرعي؟" بل "هل نضج بما يكفي ليُصبح رسميًا.