هندسة الضم.. كيف تعيد إسرائيل تشكيل الأرض والسلطة في الضفة؟
19 أكتوبر 2026
انشر الخبر على منصتك المفضلة
لم تعد الضفة الغربية تُدار بمنطق "الاحتلال المؤقت"، بل بمنطق الضم التدريجي المكتمل الأركان، إداريا وأمنيا وديموغرافيا، تعزز ذلك بقرارٍ صدر عن وزير جيش الاحتلال يسرائيل كاتس، ينص على نقل صلاحيات إنفاذ القانون في مناطق الضفة من الجيش إلى الشرطة الإسرائيلية التي يقودها إيتمار بن غفير.
وفقًا لهذا القرار، تحول الإطار القانوني الذي يحكم الضفة الغربية، من أرضٍ محتلة يديرها جيش مؤقت وفق تعريف القانون الدولي للاحتلال، إلى أرضٍ مدارة من الشرطة المدنية الإسرائيلية وجهاز الدولة الداخلي، ما يعني إعلانًا عمليًا أن مناطق ج التي تمثل 60% من مساحة الضفة الغربية، أصبحت ضمن السيادة الإسرائيلية الكاملة.
يكتسب القرار أهمية أخرى بإحالة الصلاحيات إلى بن غفير، الرجل الذي يرى في تجديد النكبة والحرق والتهجير والتدمير سلوكًا طبيعيًا وحقًا سياديًا اسرائيليًا.
نقل الصلاحيات كخطوة نحو تكريس السيادة الإسرائيلية
وهو ما ظهر واضحًا خلال الأسبوع المنصرم حين أصبحت الاعتداءات الاستيطانية الفردية حقائق جغرافية على الأرض، تبدأ باقتحامٍ سياسي أو أمني رفيع المستوى كإشارة تسبق الاستيلاء الفعلي، ثم إقامة بؤرة، كقاعدة تشغيلية ومنصة إطلاق لاقتحامات يومية، لتتحول البؤرة إلى نقطة ابتلاع للأراضي الفلسطينية المحيطة.
يظهر ذلك في بلدة المغير، التي اقتحم بن غفير مدخلها ووقف على حدودها، لتتأسس في الموقع نفسه بؤرة استيطانية انطلقت منها هجمات المستوطنين خلال الأسبوع الأخير، ليبلغ عدد البؤر في محيطها 12، تطوّق ما تبقى من القرية بعدما ابتلع الاستيطان 43 ألف دونم من أصل 44 ألف دونم هي مساحة أراضيها الكاملة، أي أن أكثر من 97% من أرض القرية ضاعت، ولم يبقَ سوى الرقعة السكنية المحاصرة.
في مناطق أخرى يختلف السلوك الاستيطاني، فحين يعجز المستوطنون عن انتزاع الأرض مباشرة، يهاجمون المقومات التي تجعل الحياة عليها ممكنة، تظهر أمثلة ذلك في عملية حصار المنازل السكنية في قصرة، وقطع الكهرباء عن المنزل المحاصر وإقامة ثكنة عسكرية أمامه، تمامًا كما جرى مع عائلة الطوباسي في بلدة جالود.
أنماط كثيرة قد يكون الاعتداء أولها وقد يكون آخرها، لكنه دائما ذو دلالة استراتيجية وهدف واحد، هو إفراغ الأرض من الفلسطيني دون الحاجة لحرب صريحة عليه.
وأيضًا، في توجيه مياه الأمطار في منطقة الطيبة لإغراق منازل المواطنين من أبناء عائلة أبو فزاع، وفي تحويل خطوط المياه في عين الزرقا وسرقتها لصالح ملئ بركة سباحة للمستوطنين في الأغوار، وبهذا فإن تخريب الممتلكات وسرقة المياه "يدفع السكان تدريجيًا إلى مغادرة أراضيهم"، أي أن العطش والظلام أدوات تهجير استيطاني، وليست مجرد أضرار جانبية.
ولا يُشترط دائمًا البدء من محطة السياسة والأمن لإطلاق الاستيطان، إذ كثيرًا ما كانت القرارات الرسمية انعكاسًا للواقع على الأرض، فالكرفانات الجديدة في بؤرة برقة تنتظر الإقرار، وتوسيع مستوطنة "أفيتار" على جبل صبيح ببيتا، وأيضًا العودة إلى مستوطنتي "غانيم" و"كاديم" بعد 21 عامًا من إخلائهما.
بالمحصلة؛ أنماط كثيرة قد يكون الاعتداء أولها وقد يكون آخرها، لكنه دائما ذو دلالة استراتيجية وهدف واحد، هو إفراغ الأرض من الفلسطيني دون الحاجة لحرب صريحة عليه.
كيف تتحول الاعتداءات إلى وقائع جغرافية دائمة؟
أما ما يفضح هذه الاستراتيجية ويُفصح عنها فهي الأرقام؛ إذ سجلت الفترة ما بين 7-13 أغسطس/ آب الحالي 852 انتهاكًا استيطانيًا، منها 95 اعتداء استيطانيًا مباشرًا و24 "نشاطًا استيطانيًا" (أي توسعة ممنهجة لا اعتداء عشوائيًا). بمعدل أسبوعي كهذا، ويومي يُقارب 142 انتهاكًا، فإن الحديث عن "حوادث متفرقة" يفقد معناه؛ فما يجري على الأرض عمل مؤسساتي استيطاني لا مجرد فوضى فردية.
جغرافيًا، الرقم الأكثر دلالة هو عدد المستوطنات نفسه، فبحسب منظمة "السلام الآن" الإسرائيلية (وفقًا لأرقام 31/7/2026)، يوجد حالياً 141 مستوطنة و360 بؤرة استيطانية في الضفة الغربية، تحاصر كل تجمع فلسطيني تقريبًا، إضافة إلى 15 مستوطنة في القدس الشرقية.
التهجير الصامت الآن على أشده مستبقا مرحلة التهجير القسري المعلن، عبر استراتيجية خنق دائم للموارد، (مياه، كهرباء، طرق، رواتب، بنوك، خدمات).
أما مسألة المياه، فهي المؤشر الأخطر على العبث بالموارد، لأنه ربما الأقل ظهورًا إعلاميًا في مقابل الأضرار والهدم والقتل والتهجير، إذ وثّقت بيانات أممية مهاجمة 160 موقع مياه وصرف صحي في الضفة خلال 2026 وحدها، بينما يقدّر باحثون ميدانيون سيطرة المستوطنين على 95% من عيون المياه في شمال غور الأردن، ففي بلدة فصايل، حوّل مستوطنون خط ري فلسطينيًا إلى بركة سياحية إسرائيلية، أي أن مورد الحياة تحوّل حرفيًا إلى منتج ترفيهي للمُستوطِن، بينما حُرم المزارع الفلسطيني من الري 3 أشهر كاملة.
إلى أين تتجه الضفة؟
بجمع الخيوط الثلاثة للعمل الاستيطاني على الأرض، بدءا بالخيط الإداري ونقل الصلاحيات الأمنية لشرطة بن غفير، ومرورا بالأنماط الميدانية المتكررة ما بين البؤرة والاقتحام وخنق الموارد والإقرار الرسمي، ووصولا للوقائع الجغرافية على الأرض وكثافة الانتهاك، تظهر صورة عالية الدقة للمستقبل الفلسطيني في الضفة الغربية.
ففيما يتعلق بالوجود الفلسطيني، فالتهجير الصامت الآن على أشده مستبقا مرحلة التهجير القسري المعلن، عبر استراتيجية خنق دائم للموارد، (مياه، كهرباء، طرق، رواتب، بنوك، خدمات)، وطالما ظل الهدف الرسمي الإسرائيلي الحفاظ على مستوى منخفض من إثارة انتباه العالم فستتواصل هذه السياسة، لكنها مرشحة في أي وقت للتحول إلى طردٍ جماعيٍ مباشر.
أما فيما يتعلق بالأرض، فالهدف التالي بعد مناطق ج هو القرى المتاخمة لها، والمتموقعة بين المراكز الاستراتيجية والمرتفعات، وهو ما ينعكس في حصار وهدم عددٍ من المنازل والفلل الفلسطينية في المناطق المرتفعة (فيلا قصرة، ومنزل جالود) والتوسع في مناطق أخرى (جبل صبيح في بيتا، خربة سمرة، خلة مكحول)، لأن السيطرة على المرتفعات تعني سيطرة أمنية ولوجستية على الأودية والطرق المحيطة، لا مجرد توسع سكني.
ما يجري ليس "تصعيدا مؤقتا" يمكن انتظار انحساره، بل إعادة هندسة كاملة لخريطة السيطرة على الضفة الغربية، تُنفَّذ هذه المرة، بهذا الوضوح المؤسسي، بيد الشرطة المدنية لا الجيش وحده، وبأدوات المياه والكهرباء ومقومات الحياة بقدر ما هي بأدوات السلاح.
وهنا تظهر منطقة الأغوار بصفتها ميدان التجربة، حيث انخفض الوجود الفلسطيني فيها من 5% خلال السنوات الثلاث الماضية إلى 3% فقط، على مساحة تقارب 30% من إجمالي مساحة الضفة الغربية، وبسيطرة استيطانية على المياه وصلت إلى 95% من الآبار ومصادر المياه، ما جعل الوجود الفلسطيني في تلك المنطقة غير قابل للاستدامة اقتصاديًا، بصرف النظر عمن "يملك" الأرض قانونيًا على الورق.
وهو ما يعني أن الضم لا يُعلن، بل يُمارس، فحين تُدار الضفة بقوانين الشرطة المدنية الإسرائيلية لا حاجة لقرار كنيست صريح بضمها، وحين تتعدد الانتهاكات ينتج شعورٌ من العشوائية والفوضى، لكن الاستيطان على الأرض نظام متماسك، يربط الأمن بالسياسة بالأرض بالمعطيات والموارد، بحيث يخدم كل مستوى المستوى الذي يليه.
بالمحصلة، ما يجري ليس "تصعيدا مؤقتا" يمكن انتظار انحساره، بل إعادة هندسة كاملة لخريطة السيطرة على الضفة الغربية، تُنفَّذ هذه المرة، بهذا الوضوح المؤسسي، بيد الشرطة المدنية لا الجيش وحده، وبأدوات المياه والكهرباء ومقومات الحياة بقدر ما هي بأدوات السلاح.