سرقة مياه الضفة: تعطيش القرى الفلسطينية لريّ المستوطنات
19 أكتوبر 2026
انشر الخبر على منصتك المفضلة
تصدرت أخبار التعطيش أحوال الضفة الغربية هذا الأسبوع، إذ تناوب المستوطنون وشركة ميكوروت الإسرائيلية على قطع المياه عن التجمعات السكانية الفلسطينية، فيما تسبب إغلاق الجيش الإسرائيلي للطرق إلى اتساع حالة العطش لتشمل 12 بلدة وقرية متاخمة لكلٍ من نابلس وجنين وقلقيلية، بالإضافة إلى عددٍ آخر من المناطق في الأغوار الشمالية تواصل انقطاع المياه فيها لثلاثة أشهر، ما أضر بالإنتاج الحيواني والنباتي، وتسبب بتراجع إنتاج الأشجار المعمرة.
إذ تسبب توقف مضخة بئر بيت إيبا الرئيسي الذي وضعت شركة ميكوروت الإسرائيلية اليد عليه في وقتٍ سابق، بوقف تدفق المياه عن مناطق في شمال وشمال غرب وجنوب غرب نابلس، وبلدات في جنين وقلقيلية، ما يعني تضرر 40 ألف مواطنٍ بالحد الأدنى من هذا الوقف.
وللمفارقة فإن البئر، التي يُقدر أن تستغرق مدة إصلاحها ما بين 21-45 يومًا، تقع في أراضي المواطنين المصنفة ضمن منطقة أ، الخاضعة وفقًا لأوسلو للسلطة الفلسطينية الكاملة، لكن الاحتلال يسيطر عليها بقرارٍ عسكري حولها لصلاحيات شركة ميكوروت، التي تبيع مياهها للفلسطينيين.
يتزامن ذلك مع تصاعد هدم الاحتلال لـ50 بئرٍ فلسطينية خلال العامين الأخيرين، وسيطرة الاستيطان على 85% من الموارد المائية الجوفية الفلسطينية، ما تسبب في اضطرار الفلسطينيين للحصول على المياه عبر الصهاريج الخاصة ذات التكلفة المرتفعة، إذ يصل سعر كوب المياه منها 50-60 شيكلًا، مقارنة بـ4.5 شيكل للتمديدات المعتادة، وبهذا أصبحت المياه أزمةً تُضاف لكلٍ من الوقود وفقدان الأراضي وسيولة الشيكل وخصم الرواتب على كاهل الفلسطيني، إذ تخصم أزمة المياه من راتبه ما مقداره 500 شيكل شهريًا، ما يعادل ربع أو نصف راتبه في بعض الأحوال.
المياه الفلسطينية بين سيطرة "ميكوروت" وتخريب المستوطنين
إلى رام الله وصل العطش أيضا، عبر تخريب المستوطنين آبار عين سامية وعرقلة أعمال الإصلاح، ما أدى لانقطاع المياه لثلاثة أيام لتتأثر حياة نحو 100 ألف فلسطيني في شرقي محافظة رام الله، وفي جنوب الخليل، حيث بيرين الشرقا وخلة الفرن دمر مستوطنون من البؤرة الاستيطانية "متسي زيف" المقامة على أراضي القرية، خط المياه الرئيسي والوحيد الذي يغذي القرية والخلة، وسرقوه إلى جانب بئرين في المنطقة نفسها، ووصلوهما بشبكة البؤرة نفسها، ما حرم أكثر من 450 نسمة من المياه بالكامل.
"أزمة المياه "ليست قدرا مقدّرا ولا ظاهرة طبيعية" بل نتيجة سياسة إسرائيلية تمييزية مقصودة، تستند إلى أوامر عسكرية متنوعة نقلت السيطرة على مصادر المياه في الضفة لقائد الجيش الإسرائيلي"
وفي جنوب يطا أيضًا، استولى مستوطنون على بئر مياه جنوب المدينة وحوّلوا ضخها لصالح بؤرة استيطانية أُقيمت حديثًا على أراضي المواطنين، أما في الأغوار الشمالية وطوباس، فقد دمرت جرافات الاحتلال خط مياه وخزانات مياه خاصة بعائلة فلسطينية في منطقة الثعلة -عاطوف، ثم احتجز مستوطنون صهريج مياه وجرارًا حكوميًا كانا في طريقهما لتزويد العائلة نفسها بالمياه.
كما هدم الاحتلال بركة مياه للاستخدام الزراعي في الأغوار الشمالية، ليستكمل قطعه لمياه الري لثلاث أشهرٍ متواصلة، بالتوازي مع شق طريق استيطاني جديد بطول 22 كم وعرض 50 مترًا يقتطع آلاف الدونمات من المزارعين الفلسطينيين، وينهي إنتاجهم الزراعي.
وفقا لمنظمة "بتسيلم" الإسرائيلية فإن أزمة المياه "ليست قدرا مقدّرا ولا ظاهرة طبيعية" بل نتيجة سياسة إسرائيلية تمييزية مقصودة، تستند إلى أوامر عسكرية متنوعة نقلت السيطرة على مصادر المياه في الضفة لقائد الجيش الإسرائيلي، ومنعت حفر آبار جديدة أو صيانة القائمة دون تصريح.
ما بعد قطع المياه.. من إنهاك الأرض إلى دفع الفلسطينيين نحو الرحيل
وبناءً على تقارير أممية، فقد انضم 27 نازحا جديدا، إلى أكثر من 3200 نازح فلسطيني هُجروا في الضفة الغربية منذ بداية العام نتيجة اعتداءات المستوطنين وإرهابهم وهدم المنازل، حيث بلغ عدد العائلات المتضررة 5 عائلات، نزحت من رأس العمود وصور باهر، وخربة جمرورة في الخليل، وعين الحلوة في طوباس.
بينما تضررت 19 عائلة أخرى، نتيجة فقدان مصدر الرزق أو النزوح الجزئي، إذ تعرضت المنشآت الفلسطينية لـ 39 حالة هدم، من بينها هدم 15 مسكنًا، و24 منشأة تجارية أو اقتصادية، بينما صدرت 8 أوامر عسكرية لاقتلاع أشجار بمساحة إجمالية وصلت لأكثر من 316.636 ألف دونم.
أما اعتداءات المستوطنين، فقد وصلت لقرابة 35 اعتداءً استيطانيًا، وفقًا لتوثيق أوتشا، أسفرت عن 37 إصابة فلسطينية، توزعت على مختلف مناطق الضفة الغربية، مع استهدافٍ ممنهج لثماني قرى فلسطينية، هي المغير وأبو فلاح وعرب الكعابنة وبيت فوريك ومسافر يطا وسعير ورامين وإذنا، من خلال أكثر من 22 هجومًا استهدف المنازل والأراضي وخزانات المياه والدفيئات واقتلاع الأشجار واقتحام المدارس وغيرها من الهجمات.
تصل المياه المُستولى عليها من المحتل إلى صاحب الأرض بكمياتٍ أقل وبأسعار أكبر بكثير، ما يجعل المياه والعطش سلاح المرحلة القادمة، يُهجر فيه الفلاح عن أرضه بصمتٍ دون طلقة رصاصٍ واحدة، ويُختتم الموسم بالجفاف والخواء.
بالمحصلة، يكشف أسبوع العطش هذا أن قطع المياه أكثر من مجرد عطل فني عابر، أو أداة عقاب جماعي يفرضها المستوطنون على الفلسطينيين، إنما هو وجهٌ آخر من وجوه الاستيطان الذي تُقتلع فيه الأشجار وتُهدم فيه البيوت، حين تُحال المياه إلى البؤر الاستيطانية بينما تتُرك القرى عطشى بلا قطرة مياه، ثم تصل المياه المُستولى عليها من المحتل إلى صاحب الأرض بكمياتٍ أقل وبأسعار أكبر بكثير، ما يجعل المياه والعطش سلاح المرحلة القادمة، يُهجر فيه الفلاح عن أرضه بصمتٍ دون طلقة رصاصٍ واحدة، ويُختتم الموسم بالجفاف والخواء.