كيف تعيد اعتداءات المستوطنين رسم خريطة الضفة؟
19 أكتوبر 2026
انشر الخبر على منصتك المفضلة
لم تعد اعتداءات المستوطنين في الضفة الغربية خلال الأشهر الأخيرة تُقرأ بوصفها سلسلة من الاعتداءات الأمنية أو أعمال عنف متفرقة، بل باتت تكشف عن نمط متكامل لإعادة تشكيل الجغرافيا الفلسطينية، يقوم على تراكم خطوات صغيرة ومتتابعة تُفضي في مجموعها إلى فرض وقائع ميدانية جديدة. وهو ما يتقاطع مع مفهوم "الاستيطان الزاحف" (Creeping Annexation) ، الذي تستخدمه الأمم المتحدة وعدد من الدراسات الحقوقية لوصف عملية الضم التدريجي للأرض عبر توسيع المستوطنات وإنشاء البؤر وشق الطرق والاستيلاء على الأراضي وإعادة تشكيل أنماط الحركة والوصول، دون الحاجة إلى إعلان ضم رسمي.
اعتداءات المستوطنين.. من الترهيب إلى السيطرة على الأرض
وتكشف بيانات الأسبوع الأخير أن ما يجري لم يعد مجرد تصاعد في عدد الاعتداءات، بل تغير في طبيعتها ووظيفتها، فالاعتداءات لم تعد تنتهي عند حدود الاعتداء على المواطنين أو ممتلكاتهم، وإنما تتحول تدريجيًا إلى أدوات لتغيير استخدام الأرض، وفرض سيطرة دائمة عليها.
ويبدأ هذا المسار عادة بجولات استيطانية استفزازية أو اعتداءات على المزارعين والرعاة الفلسطينيين، ثم يتطور إلى منع وصولهم إلى أراضيهم الزراعية وتخريب مصادر المياه والكهرباء قبل أن ينتقل إلى نصب الكرافانات وشق الطرق الاستيطانية وتعزيز البؤر القائمة أو إنشاء بؤر جديدة، لتنتهي السلسلة بخلق واقعٍ جغرافيٍ استيطاني يصعب التراجع عنه، وتسهُل على حكومة الاحتلال ضمه ضمن خطط "الشرعنة".
تؤكد البيانات الميدانية أن هذا النمط لا يتوزع في الضفة الغربية بصورة عشوائية اعتباطية، وإنما يتركز في أحزمة جغرافية محددة تمثل اليوم ساحات المشروع الاستيطاني الأكثر نشاطًا، والهدف المرحلي القادم؛ ففي محافظة الخليل، تركزت الاعتداءات في كلٍ من إذنا ومسافر يطا بمناطقه المختلفة (التوانة ورجوم علي وحوارة وخربة الفخيت وواد الجوايا ووأم الخير) إضافة إلى السموع وسعير.
حيث وُثق نحو 31 اعتداء، تنوعت بين الرعي الاستيطاني داخل الأراضي الزراعية والاعتداء على السكان وتخريب خزانات المياه ومهاجمة المنازل والمركبات وصولًا إلى إقامة بؤرة استيطانية جديدة في منطقة العديسة شرق سعير، وفي الوقت نفسه، تواصلت عملية تطويق بلدة أم الخير بين توسع مستوطنة "كرمئيل" وتعمق البؤرة الحديثة المجاورة، بما يحول المنطقة تدريجيًا إلى جزيرة معزولة داخل فضاء استيطاني متصل، ويعكس انتقال الاعتداءات من الضغط على السكان إلى إعادة تشكيل المجال الرعوي والزراعي بما يخدم التوسع الاستيطاني.
السيطرة على الأرض لا تبدأ بالبناء، وإنما بإضعاف قدرة أصحابها على استخدامها، ثم تحويلها تدريجيًا إلى فضاء استيطاني مفتوح.
أما محافظة نابلس، فسجلت نحو 55 حادثة خلال ستة أيام فقط، تركز أكثر من 70% منها في تسع بلدات هي: جالود، وبيتا وبورين ومادما وقريوت وقصرة وتل وعزموط واللبن الشرقية، ويكشف التسلسل الزمني للأحداث في هذه المواقع عن نمط متكرر يبدأ برشق المركبات واقتحام القرى وإحراق الأشجار والاعتداء على المزارعين ثم يتطور إلى نصب الكرافانات، وشق الطرق الاستيطانية وتجريف الأراضي وتوسعة مستوطنة "عيلي"، وتعزيز البؤر الرعوية والاستيطانية، بما يُحول الاعتداءات اليومية إلى حلقات متتابعة في عملية تثبيت الوجود الاستيطاني وربط البؤر بالمستوطنات القائمة، وصولًا لتغيير تدريجي في الخريطة الميدانية جنوب وشرق نابلس.
وفي محافظة رام الله والبيرة، شهدت المنطقة نحو 27 اعتداءً في قرابة 11 موقعًا، تركزت بصورة رئيسية في سنجل والمغير وترمسعيا إلى جانب أم صفا وأبو فلاح ودير عمار، حيث بدأت الاعتداءات بهجمات على المزارعين وإطلاق الأغنام والأبقار داخل الأراضي الزراعية وتخريب خزانات المياه، قبل أن تتطور إلى إضافة كرافانات وإقامة بؤر جديدة في سنجل وترمسعيا.
بما يشير إلى أن السيطرة على الأرض لا تبدأ بالبناء، وإنما بإضعاف قدرة أصحابها على استخدامها، ثم تحويلها تدريجيا إلى فضاء استيطاني مفتوح، ليكتمل المشهد في الأغوار الشمالية، حيث وصلت مساحة الأراضي المصادرة لأغراض استيطانية في طوباس وتياسير والعقبة وإبزيق ورابا إلى 1292 دونمًا، في مؤشر على انتقال المشروع من السيطرة الموضعية إلى إعادة رسم المجال المفتوح في الأغوار.
أحزمة الاستيطان تتسع: من جنوب الخليل إلى الأغوار وشمال الضفة
وفي محافظة سلفيت، رُصدت سبعة اعتداءات في دير استيا وياسوف وكفل حارس، بدأت بقطع الأشجار وتجريف الأراضي الزراعية، ثم تطورت إلى محاولات إقامة بؤر جديدة، واقتحام المواقع الدينية بحماية قوات الاحتلال. ورغم محدودية عدد الهجمات مقارنة بمحافظات أخرى، فإن طبيعتها تعكس تركيزًا على السيطرة على الأراضي الزراعية المحيطة بالمستوطنات وربطها تدريجيًا بالمجال الاستيطاني الأوسع.
وفي بيت لحم وجنين، ورغم انخفاض عدد الاعتداءات، فإنها حملت دلالات مشابهة؛ إذ ارتبطت الاعتداءات في بيت لحم بتوسعة بؤرة جناتا، وإضافة كرافانات في عش غراب، وإحراق منازل ومركبات وأشجار في أبو نجيم والمنيا، بينما شهدت جنين إقامة بؤرة جديدة في فقوعة، والاستيلاء على 200 دونم، وإجراءات تمهيدية لشق شارع استيطاني في محيط قباطية، بما يعكس استمرار توسع المشروع الاستيطاني نحو مناطق جديدة.
ولا يمكن قراءة هذه المؤشرات بمعزل عن السياق السياسي الإسرائيلي الأوسع، فالسنوات الأخيرة شهدت تسريعًا في شرعنة البؤر الاستيطانية، وتوسيع صلاحيات الجهات المسؤولة عن إدارة الاستيطان والتخطيط في الضفة الغربية، إلى جانب الاستثمار في شبكات الطرق والبنية التحتية التي تربط المستوطنات ببعضها، بما يجعل الفعل الاستيطاني الشعبي ذراعًا ميدانية تسبق أو ترافق مشاريع التوسع الاستيطاني الحكومي، وتُسهم في خلق ظروف تدفع الفلسطينيين إلى تقليص وجودهم في المناطق المستهدفة، بما يسهّل تحويل السيطرة المؤقتة إلى واقع دائم.
تصبح الاعتداءات اليومية أداة لإنتاج واقع سياسي وجغرافي جديد، تتداخل فيه أدوار المستوطنين، والبؤر الرعوية، والبنية التحتية، والسياسات الحكومية.
وتقود هذه المعطيات إلى محصلةٍ مفادها أن الجديد في المشهد الاستيطاني لا يتمثل فقط في ارتفاع وتيرة الاعتداءات، وإنما في تحولها إلى جزء من منظومة متكاملة لإعادة هندسة الضفة الغربية، فالتكرار المنهجي للاعتداءات في المواقع نفسها، وتطورها من الترهيب إلى السيطرة على الموارد، ثم إلى إنشاء البؤر وشق الطرق وتوسعة المستوطنات، يكشف عن انتقال المشروع الاستيطاني من التوسع العمراني التقليدي إلى إعادة رسم المجال الجغرافي الفلسطيني بأكمله.
وبهذا المعنى، تصبح الاعتداءات اليومية أداة لإنتاج واقع سياسي وجغرافي جديد، تتداخل فيه أدوار المستوطنين، والبؤر الرعوية، والبنية التحتية، والسياسات الحكومية، بحيث لا يكون الهدف السيطرة على قطعة أرض بعينها، وإنما إعادة تشكيل مستقبل الضفة الغربية عبر شبكة متصلة من الوقائع الميدانية يصعب التراجع عنها.