صاحب اللقبين.. شهيد السجون محي الدين نجم
19 أكتوبر 2026
انشر الخبر على منصتك المفضلة
في أزقة قرية "سيريس" جنوب مدينة جنين، يتردد صوت حكايةٍ فلسطينيةٍ لا تشبه غيرها؛ حكاية رجل ولد في قرية سيريس الهادئة في 20 أيلول 1965 ، نذر هذا الرجل من زهرة شبابه ونضجه أكثر من تسعة عشر عاما خلف قضبان السجون، ليختم رحلته الصابرة شهيدا رافعا راية الحق، شاهدا على ظلم الاحتلال وقسوة السجون.
إنه الأسير الشهيد محيي الدين فهمي سعيد نجم (أبو احمد)، الذي ترجل عن صهوة الحياة في الرابع من أيار/مايو 2025، لتتحول سيرته إلى وثيقة إدانة صارخة لسياسات القتل البطيء والإهمال الطبي الممنهج لسلطات سجون الاحتلال.
لم تكن حياة محيي الدين مجرد سنوات تُحسب على روزنامة العمر، بل كانت مسيرة نضال ومقاومة وصبر واحتساب، فقد تم اعتقاله للمرة الأولى في 3 مايو 1993 ،وأفرج عنه في 17 أكتوبر 2010، حيث تنقل محي الدين بين سجون الاحتلال، وتعرف على مئات الأسرى الذين صاغ معهم علاقة صداقه وأخوه، ولم تمضِ سوى بضع سنوات على اعتقال محيي الدين، حتى فقد والده عام 1998، وحُرم من إلقاء نظرة الوداع الأخيرة عليه.
ارتقت روحه شهيدا في الوقت نفسه الذي كانت تُعقد فيه جلسة محكمة لتثبيت اعتقاله الإداري، وكأنّ قدره أن يبرهن للجميع أن حريته لن تنزعها أحكام السجان، بل نالتها روحه الصاعدة إلى السماء.
أمضى محي الدين ما مجموعه اكثر من 19 عاما متفرقة في معتقلات الاحتلال. وفي الثامن من آب/أغسطس 2023، أُعيد اعتقاله ليُحتجز تحت سيف "الاعتقال الإداري" دون تهمة أو محاكمة، في وقت تحولت فيه المعتقلات إلى زنازين للإبادة والانتقام، ففرضت إدارة السجون حصارا مشددا على الأسرى المرضى، وحرمتهم من أبسط مقومات العلاج والدواء المعتاد، مما أدى إلى تدهور خطير ومفاجئ في صحة الشهيد محي الدين نجم ، الذي كان يعاني من عدة مشاكل صحية، وكان من المقرر إجراء عمليه جراحية له قبل الاعتقال، إضافة لتعرضه للضرب والتعذيب القاسي مع أول أيام حرب غزة، ما أدى إلى إصابته بمشاكل صحية في جسده وخاصة في رأسه الذي تعرض لعدة ضربات قاسية جدا، وزاد وضعه الصحي صعوبة حتى نُقل إلى مستشفى "سوروكا" حيث فاضت روحه إلى بارئها وهو في الستين من عمره.
الصحفي والكاتب والباحثعمل أبا أحمد بالصحافة والكتابة التي اشتغل على تطويرها بشكل ذاتي خلال وجوده في الأسر والتقائه بعدد كبير من الصحفيين والأكاديميين. فقد صاغ محي الدين مئات المقالات والتقارير التي تناولت فلسطين وقضيتها، وأبدع بالكتابة عن الأسرى ومعاناتهم، وتنقل في الكتابة والنشر في أكثر من موقع ومكان ومدونة، وكثيرا ما كان يستخدم الأسماء الوهمية والرموز بدلا عن استخدام الاسم الصريح حتى يتجنب ملاحقة الاحتلال له.
الأب الخدوم والزوج الوفي
بعيدا عن أرقام المعتقلين والتقارير الحقوقية، كان "أبو احمد" يشكل رقما جميلا في قلوب عارفيه. في بيته الصغير وبين أفراد عائلته، كان زواجه من السيدة منى أبو زيد وأبوته لستة من الأبناء والبنون (منية، مجد، مسك، أحمد، أسيد، وإسلام) تجسيدا لدور الأب الحنون والزوج الوفي الذي لم تُغير السنوات العِجاف قلبه السَمْح.
فقد عرفته "سيريس" بأخلاقه العالية، وبرّه المشهود بوالدته، وحرصه المتواصل على صلة الرحم وخدمة أهل قريته ونشر الخير في محيطه.
وجاءت لحظة استشهاده لتزيد من مفارقات هذا الوجع، إذ ارتقت روحه شهيدا في الوقت نفسه الذي كانت تُعقد فيه جلسة محكمة لتثبيت اعتقاله الإداري، وكأنّ قدره أن يبرهن للجميع أن حريته لن تنزعها أحكام السجان، بل نالتها روحه الصاعدة إلى السماء.
جثمان محتجز وذاكرة لا تموتولم تتوقف قسوة الاحتلال عند حرمان أسرته منه في حياته، بل امتدت لتطال جثمانه الطاهر بعد مماته، إذ تواصل سلطات الاحتلال احتجاز جثمانه ضمن سياسة "مقابر الأرقام" محاولة حرمان عائلته من وداعه ومواراته الثرى في مسقط رأسه.
يبقى محيي الدين نجم رمزا للصمود الفلسطيني الشامخ، وشاهدا حيا على تضحيات الحركة الأسيرة.
لقد رحل الجسد، لكنّ الأثر الطيّب والذكرى العطرة المتروكة بين أبناء شعبه وقريته ستظل شعلةً تنير طريق الحرية لكل الأسرى والشهداء.