الجيش والمستوطنين: كيف تتكامل أدوار الجيش والمستوطنين؟
11 أكتوبر 2026
انشر الخبر على منصتك المفضلة
من على منبر الأمم المتحدة، اختزل بنيامين نتنياهو عنف المستوطنين في اعتداءات ترتكبها "حفنة من الأحداث الجانحين"، قدّر عددهم بنحو 150 شخصا، وقدّم بقية المستوطنين بوصفهم مسالمين ملتزمين بالقانون. جاء ذلك في خطابه أمام الجمعية العامة في 24 سبتمبر/أيلول 2026، في صياغة تفصل المعتدين عن الدولة، وتحصر العنف في سلوك فئة محدودة، بعيدا عن مساءلة المشروع الاستيطاني والمؤسسات التي ترعاه.
لكن هذا الفصل يصطدم بالسؤال الذي تتجنبه روايته: كيف تتحول اعتداءات هؤلاء إلى سيطرة دائمة على الأرض؟ فحين يهاجم المستوطنون تجمعا فلسطينيا، ثم يُحرم سكانه من الحماية وتُغلق أمامهم سبل العودة، يتجاوز أثر الاعتداء حدود الفعل الفردي إلى خدمة مشروع سياسي. وقد وثّقت الأمم المتحدة طلب فلسطينيين تدخل قوات إسرائيلية كانت حاضرة أثناء اعتداءات المستوطنين، دون أن تستجيب لحمايتهم.
في الضفة الغربية، تتداخل القوة العسكرية مع المشروع الاستيطاني ضمن منظومة توسّع السيطرة على الأرض، وتضيّق شروط بقاء الفلسطينيين فيها. وتتوزع الأدوار بين مؤسسات تملك سلطة إصدار الأوامر وتوفير الحماية وتثبيت الوقائع، ومجموعات استيطانية تمارس الترويع والاستيلاء والتهجير. وقد تتنازع هذه الأطراف على حدود المبادرة الميدانية، بينما تستمر نتائج أفعالها في خدمة الاتجاه نفسه.
ومن هنا، لا يكفي تفسير اعتداءات المستوطنين باعتبارها تجاوزات تعجز الدولة عن منعها. فالسؤال الأساسي يتعلق بكيفية تحول هذه الاعتداءات إلى مكاسب استيطانية دائمة، وبالدور الذي تؤديه مؤسسات الاحتلال في حماية نتائجها، حتى عندما تعلن الاعتراض على وسائل تنفيذها.
منظومة واحدة للاستيطان والتهجير
تشكلت في الضفة الغربية بنية عسكرية وأمنية تتولى إدارة السكان الواقعين تحت الاحتلال وإخضاعهم، إلى جانب تنفيذ العمليات العسكرية. وتضم هذه البنية مجموعات المستوطنين المسلحة المنضوية في وحدات الدفاع الإقليمي، وقوات نظامية واحتياطية، بينها لواء كفير وكتائبه ووحدات الاستطلاع، إضافة إلى سرايا حرس الحدود التي تجمع بين الوظيفة الشرطية والعمل تحت السلطة العسكرية.
وتتكامل هذه القوات مع الإدارة المدنية، التي تتحكم في جوانب واسعة من حياة الفلسطينيين وأرضهم، والشرطة التي تتولى الملفات الجنائية، وجهاز الشاباك الذي يدير جانبا أساسيا من منظومة المراقبة والملاحقة. وتعمل هذه المؤسسات داخل إطار يحفظ السيطرة الإسرائيلية ويضمن استمرار المشروع الاستيطاني.
تؤدي المجموعات الاستيطانية، ضمن هذه البنية، وظيفة الذراع الرمادية للدولة. فهي تتيح تنفيذ ممارسات تستطيع المؤسسات الرسمية إنكار مسؤوليتها المباشرة عنها، ثم الاستفادة من نتائجها. وتساعد هذه العلاقة الدولة على الالتفاف على التزاماتها القانونية، مع إبقاء مسافة ظاهرية بين القرار الرسمي والعنف الميداني.
أتاحت سيطرة بتسلئيل سموتريتش على أجزاء من الإدارة المدنية وصل النفوذ السياسي بأدوات إدارة الأرض والتخطيط والاستيطان، فيما ازدادت قدرة المجموعات الاستيطانية على التحرك المستقل وفرض مطالبها على الجيش.
تتضح الآلية عندما يُدفع تجمع فلسطيني إلى الرحيل بفعل اعتداءات متواصلة، ثم يمنع الجيش عودته أو يمتنع عن توفير الحماية اللازمة له، حتى في وجود قرار قضائي. هنا ينجز المستوطنون التهجير، وتتولى المؤسسة العسكرية تثبيت أثره. وما يبدو امتناعا عن الفعل يصبح مشاركة في إنتاج واقع جديد على الأرض.
وتعود جذور هذه البنية إلى ما قبل الحكومة اليمينية الحالية. فقد كشف تقرير "ساسون" عام 2005 توجيه أموال وموارد حكومية إلى بؤر استيطانية غير قانونية حتى وفق المعايير الإسرائيلية. وأظهر ذلك أن المؤسسات كانت تشارك في توفير شروط التوسع، بينما يجري تقديم البؤر بوصفها مبادرات خارجة عن إرادة الدولة.
ومع عودة بنيامين نتنياهو إلى الحكم عام 2009 وتراجع الأفق الدبلوماسي، تعزز دور الجيش في إدارة وضع قائم يتغير باستمرار لمصلحة الاستيطان. فالحفاظ على السيطرة ترافق مع توسيعها، وتجزئة الأرض الفلسطينية، وتقويض إمكان قيام كيان فلسطيني قابل للحياة. وأتاح هذا المسار تحقيق ضم تدريجي دون تحمّل تبعات إعلانه دفعة واحدة.
ولم تفكك القيادات العسكرية المتعاقبة هذا الاندماج. فقد كشفت قضية الجندي إليئور أزاريا حجم التأييد السياسي والشعبي للعنف ضد الفلسطينيين داخل إسرائيل. ففي مارس/آذار 2016، أطلق أزاريا النار على رأس الفلسطيني عبد الفتاح الشريف في الخليل، بينما كان جريحا وملقى على الأرض، وأثارت محاكمته حملة دعم له وضغوطا على قيادة الجيش. وقعت الجريمة خلال تولّي غادي آيزنكوت رئاسة أركان جيش الاحتلال بين عامي 2015 و2019، قبل أن يخلفه أفيف كوخافي حتى عام 2023. وتوضح القضية كيف يمكن أن تتحول محاسبة جندي على قتل فلسطيني إلى مواجهة سياسية تدافع فيها قوى إسرائيلية عن مرتكب الجريمة.
ثم سرّعت الحرب بعد السابع من أكتوبر هذا المسار. فقد اتسع تسليح المستوطنين ودمجهم في وحدات الدفاع الإقليمي، وتزايدت العمليات المشتركة التي يصعب فيها التمييز بين الجندي والمستوطن. وبالتوازي، أتاحت سيطرة بتسلئيل سموتريتش على أجزاء من الإدارة المدنية وصل النفوذ السياسي بأدوات إدارة الأرض والتخطيط والاستيطان، فيما ازدادت قدرة المجموعات الاستيطانية على التحرك المستقل وفرض مطالبها على الجيش.
تنظيم العنف.. كيف تُدار أدوات التهجير والضم؟
تكشف سياسات قائد المنطقة الوسطى آفي بلوط طبيعة الخلاف داخل هذه المنظومة. فبلوط، الذي تولى قيادة فرقة الضفة الغربية عام 2021 ثم المنطقة الوسطى عام 2024، ينتمي إلى خلفية دينية قومية رفعت توقعات المستوطنين بشأن دعمه لمشروعهم. ومع ذلك، اتخذ إجراءات ضد بعض مجموعاتهم، ودخل في مواجهة مع وزير الدفاع يسرائيل كاتس على خلفية تجديد الاعتقال الإداري للمستوطن تال ينون دارديك، المتهم باعتداءات جسدية وجنسية على فلسطينيين في شمال الأغوار.
لا تكفي هذه الإجراءات لتقديم بلوط بوصفه حاميا للفلسطينيين. فموقعها داخل سياسته الأوسع يشير إلى محاولة تنظيم العنف وإخضاعه لحسابات المؤسسة العسكرية، بالتوازي مع توسيع السيطرة الاستيطانية. ويتمحور الخلاف هنا حول من يقرر استخدام القوة، وأين، وبأي مقدار، وما النتائج التي يمكن للاحتلال احتواؤها.
ويبرز في هذه الحسابات القلق من نشوء لجان حراسة فلسطينية تتولى الدفاع عن التجمعات. فتنظيم الفلسطينيين لحماية قراهم وأرضهم يعبّر عن قدرتهم على الفعل الجماعي، ويمنحهم دورا في تقرير ما يحدث داخل مجالهم المحلي. ومن منظور الاحتلال، يحمل ذلك تحديا يتجاوز المواجهة الآنية، لأنه ينازع سلطته على الأرض ويعوق إخضاع المجتمع عبر الخوف والتفكك.
يمكن، في هذا السياق، فهم توسيع نشاط حرس الحدود ضد المستوطنين في المنطقتين "أ" و"ب"، وتقليص دور وحدات الدفاع الإقليمي، وإنشاء إطار شرطي لملاحقة اعتداءاتهم، والتحرك لإخلاء بعض البؤر. فهذه الإجراءات تستهدف استعادة قدرة القيادة على التحكم بالمبادرة الميدانية، وسط اختراق استيطاني عميق للوحدات، ودعم سياسي غير مضمون لأي مواجهة مع المستوطنين.
تتشكل صفقة بين القيادة العسكرية وقيادات المستوطنات: مزيد من الحماية وتوسيع السيطرة في المنطقة "ج"، مقابل إخضاع المبادرات الاستيطانية لإيقاع يمكن التحكم فيه.
وقد جسدت واقعة تحطيم عضو الكنيست تسفي سوكوت نصبا فلسطينيا للشهداء في مادما قرب نابلس هذا الاختلال. فبعد رفض الجيش تنفيذ الهدم، تولى سوكوت المهمة بنفسه، بينما وقف الجنود المرافقون له دون تدخل. وتكشف الواقعة انتقال النفوذ السياسي من الضغط على المؤسسة العسكرية إلى ممارسة سلطتها ميدانيا. أما الإدانة العسكرية الحادة، فيمكن قراءتها بوصفها اعتراضا على تجاوز القيادة وتهديد قدرتها على إدارة المشهد.
في المقابل، يحظى بلوط بتأييد داخل قيادة المستوطنين بسبب دوره في مأسسة التوسع، خصوصا عبر البؤر الزراعية. فهذه البؤر تتيح السيطرة على مساحات واسعة بوجود استيطاني محدود، وتزيد الاحتكاك مع التجمعات الفلسطينية، وتفرض قيودا متصاعدة على الرعي والزراعة والوصول إلى الأرض. ومع التعاون بين الجيش والإدارة المدنية، تصبح عملية الاستيلاء أكثر انتظاما واتصالا بمؤسسات الدولة.
وتقترن هذه السياسة بتوسيع العقاب الواقع على المجتمع الفلسطيني. فاقتلاع ثلاثة آلاف شجرة في المغير، عقب فرار فلسطيني إليها بعد محاولة إيذاء مستوطنين، يحوّل الأرض ومصادر الرزق إلى أهداف للعقاب. كما أن إطلاق النار على ركب فلسطينيين يحاولون العبور للعمل دون تصاريح، والتعامل مع إعاقاتهم بوصفها رسائل ردع، يكشفان استخدام الأذى الدائم الذي يلحق بالأجساد أداة للسيطرة على الآخرين.
وتندرج هذه الممارسات ضمن مقاربة تسعى إلى إبقاء الضفة في حالة استنزاف عسكري متواصل، مع منع تطورها إلى مواجهة تتجاوز قدرة الاحتلال على التحكم. فالتدمير المنهجي لمخيم جنين وتهجير سكانه، وتكثيف الاقتحامات وتحويل القرى إلى ساحات مواجهة، تنقل بعض أساليب الحرب في غزة إلى الضفة. ويؤدي توسيع البؤر الاستيطانية دورا مكملا، إذ ينتج احتكاكا متجددا يُستخدم لتبرير حضور عسكري إضافي.
داخل هذه الحسابات، تميّز المؤسسة العسكرية بين عنف يخدم أهدافها وعنف يربك تنفيذها. وهذا معيار يتعلق بمصلحة الاحتلال، فيما يظل الشكلان اعتداء على الفلسطينيين وحقوقهم. فتهجير تجمع صغير قد يُعامل بوصفه مكسبا يمكن تثبيته بهدوء، بينما يثير هجوم واسع على بلدة كبيرة، كما حدث في حوارة، خشية انفجار يصعب احتواؤه واهتمام دولي يرفع الكلفة السياسية.
وتساعد هذه المعادلة على فهم اعتراض أطراف مؤيدة للضم، بمن فيها السفير الأميركي مايك هاكابي، على بعض الاعتداءات. فالاعتراض قد ينصب على تداعيات العنف وانكشافه، بينما يبقى التوسع الاستيطاني نفسه مقبولا لديها. يحتاج الضم التدريجي إلى إدارة تقلل كلفته، وقد يصبح العنف المنفلت عائقا عندما يسلط الضوء على ما تحققه الاعتداءات المتراكمة بعيدا عن الاهتمام الواسع.
وعلى هذا الأساس، تتشكل صفقة بين القيادة العسكرية وقيادات المستوطنات: مزيد من الحماية وتوسيع السيطرة في المنطقة "ج"، مقابل إخضاع المبادرات الاستيطانية لإيقاع يمكن التحكم فيه. وتجد القيادات المستفيدة من هذا الترتيب سببا لدعم بلوط، فيما تعارضه المجموعات التي ترفض تقييد حركتها. أما الفلسطينيون، فيواجهون نتائج السياسة في الحالتين: تضييق المجال المتاح لحياتهم، واستهداف قدرتهم على البقاء والتنظيم والدفاع عن أرضهم.