الزيتون المحاصر: مسافة يغلقها جدار وبؤرة استيطان وعدوان
7 أكتوبر 2026
انشر الخبر على منصتك المفضلة
في أرضه في ترمسعيا، اعتاد أبو أسعد الحمايل أن ينتظر موسم الزيتون ليقطف ثمار أشجاره. لكن هذا العام يبدو مختلفا. فقد أحرق المستوطنون في وقت سابق نحو نصف أرضه المزروعة بالزيتون، ولم يكد ما تبقى من الأشجار ينجو حتى عادوا قبل أيام، فقطفوا ثمار معظم الأشجار الباقية، وبعد ذلك اقتلعوا الصغير منها، وحطموا أغصان وسيقان البقية.
خسر أبو أسعد موسمًا كان ينتظره، وأشجارًا احتاجت سنوات طويلة لتكبر وتثمر، في وقت تتزايد فيه المخاوف من موسم زيتون جديد تحت وطأة عنف المستوطنين.
تكشف أرقام الأمم المتحدة حجم المخاطر التي بات يواجهها المزارعون خلال موسم الزيتون؛ إذ وثقت أوتشا 224 حادثة مرتبطة بموسم قطف الزيتون بين أيلول/سبتمبر وكانون الأول/ديسمبر 2024، تخللها إتلاف 3,937 شجرة وغرسة، إلى جانب منع المزارعين من الوصول إلى أراضٍ زراعية أُعلنت مناطق عسكرية مغلقة. كما سُجل أكثر من 200 هجوم خلال موسم 2024، طالت أكثر من 80 قرية وبلدة فلسطينية.
أما في موسم الزيتون لعام 2025 فوثقت الأمم المتحدة 178 هجوم مرتبط بموسم الزيتون، طالت 88 بلدة وقرية، وأدت إلى إتلاف أكثر من 6,000 شجرة وشتلة، وهو أعلى مستوى من الأضرار بالأشجار خلال ست سنوات.
في أرض أبو أسعد، تبدو هذه الأرقام أكثر من مجرد إحصاءات؛ فهي تتجسد في أشجار احترقت، وأخرى اقتُلعت، أو حُطمت أغصانها وسيقانها.
زيتون في مرمى النظر يُمنع الاقتراب منهمنذ أكتوبر 2023، لم يعد المزارع أبو صهيب الظاهر يستطيع الاقتراب من أشجار الزيتون التي يملكها شرق كفر ثلث، أو يمد يده إلى ثمارها التي كان ينتظر أن تكبر وتثمر. أرضه، الواقعة على بُعد نحو 500 متر من مستوطنة كرنيه شومرون، يراها، ولا يستطيع الوصول إليها.
يقول أبو صهيب إن المنطقة باتت شديدة الخطورة على المزارعين، بسبب اعتداءات فتية التلال.
وحتى إن تمكنوا من الوصول إلى أراضيهم، يسارع حرس المستوطنة إلى إيقافهم وإبلاغهم بأن المنطقة ممنوعة، ويهددونهم بإطلاق النار إذا أصروا على البقاء.
ولم يكن الوصول إلى الأرض متاحًا سابقًا إلا في أضيق الحدود. فقبل أكتوبر 2023، كان أصحاب الأراضي في تلك المنطقة لا يتمكنون من الذهاب إليها إلا في موسم قطف الزيتون فقط، وحتى ذلك، لم يكن يتم بصورة فردية. كانت عدة عائلات تجتمع للذهاب معًا في ساعات الصباح، لأن وجودهم مجتمعين يمنح كل واحد منهم قدرًا من الأمان في مواجهة خطر الاعتداء.
منذ أكتوبر 2023، لم يعد المزارع أبو صهيب الظاهر يستطيع الاقتراب من أشجار الزيتون التي يملكها شرق كفر ثلث، أو يمد يده إلى ثمارها التي كان ينتظر أن تكبر وتثمر.
أما بقية العام، فتظل الأرض بلا رعاية؛ لا حراثة، ولا تسميد، ولا تقليم للأشجار، ويقول أبو صهيب إنهم يُمنعون من القيام بهذه الأعمال على مدار العام.
وهكذا لم تعد المشكلة بالنسبة لأبو صهيب أن يقطف الزيتون فحسب؛ بل أصبح الوصول للشجرة نفسها امتيازًا موسميًا محفوفًا بالخطر. شجرةٌ يعرفها، وأرضٌ يملكها، ومحصولٌ ينتظره، لكن الطريق إليها مغلق بالاعتداءات والتهديدات.
وفي موسم الزيتون، يجد أبو صهيب نفسه أمام سؤال صعب: هل سيستطيع أن يصل أشجاره ويحصد ثمارها؟
الطريق الذي يضيق عامًا بعد عام
لا تبدو القيود على الوصول منفصلة عن المشهد الأوسع الذي تغيرت فيه جغرافيا الريف الفلسطيني.
ففي مناطق مختلفة من الضفة، ظهرت بؤر استيطانية جديدة بالقرب من الأراضي الزراعية، وأقيمت بوابات وحواجز على طرق كان المزارعون يستخدمونها للوصول إلى حقولهم. وفي بعض الحالات، تحولت أراضي كانت متاحة لسنوات إلى مناطق يصعب الوصول إليها بعد إقامة بؤر استيطانية بالقرب منها.
وقد وثق مكتب الأمم المتحدة، خلال موسم 2025، حالات في قرى رام الله أصبحت فيها آلاف الدونمات من أراضي الزيتون شبه محظورة على أصحابها بعد إقامة بؤر استيطانية جديدة ووقوع اعتداءات متكررة. وفي حالات أخرى، أقام مستوطنون بوابات معدنية على الطرق الزراعية وفرضوا على أصحاب الأراضي ترتيبات وصول لم تكن مطلوبة سابقًا.
وتشير بيانات جمعها مكتب الأمم المتحدة في شمال الضفة إلى أن إنتاجية أشجار الزيتون في المنطقة الواقعة بين الجدار والخط الأخضر انخفضت بنحو 60% مقارنة بأشجار مماثلة في الجانب الفلسطيني من الجدار، بسبب منع المزارعين الفلسطينيين من العناية بها من تقليم وحراثة وتسميد على مدار العام.
موسم زيتون 2026: المعركة الأصعب والمواجهة الأخطر منذ عام 1967
أما الموثِّق والناشط ضد الاستيطان، عايد غفري، من قرية سنجل شمال رام الله، فيرى أن موسم الزيتون لعام 2026 يتجه، وفق ما يرصده ميدانياً، ليكون أصعب وأقسى مواسم الزيتون التي عايشها المزارع الفلسطيني منذ عام 1967.
ويقول غفري إن ما يواجهه المزارعون لم يعد مجرد مضايقات أو اعتداءات متفرقة، بل باتت تتداخل فيه عوامل سياسية وانتخابية مع الواقع الميداني، مشيرا إلى أن اليمين الإسرائيلي المتطرف يوظف، بحسب تقديره، التصعيد في الميدان وشرعنة الاعتداءات ضمن خطاب انتخابي يسعى لتكريس السيطرة على الأرض وفرض واقع استيطاني جديد، خصوصاً في المناطق المصنفة "ج".
ويضيف أن اعتداءات المستوطنين، من وجهة نظره، لم تعد حالات فردية معزولة، وإنما أخذت شكلاً منظماً ومتكرراً. ويلفت إلى ما يصفه بالتحريض العلني عبر مواقع التواصل والمنصات المرتبطة بالمستوطنين، والذي يستهدف، بحسب رصده، أشجار الزيتون والمحاصيل والمقومات الاقتصادية للقرى الفلسطينية.
ويقول: "هناك مجموعات وفرق تتشكل بهدف سرقة المحاصيل وإتلاف الأشجار، وهذا يجعل المزارع يشعر أن وجوده في أرضه أصبح مخاطرة بحد ذاته. لم تعد المشكلة فقط في الوصول إلى الأرض، وإنما في القدرة على البقاء فيها وحمايتها والحفاظ على محصولها".
ويرى غفري أن انتشار البؤر الاستيطانية حول القرى والبلدات زاد من صعوبة وصول المزارعين إلى أراضيهم، إذ تحولت إلى ما يشبه حزاماً أمنياً وجغرافياً يفصل السكان عن الأراضي الزراعية ويقطع جزءاً من التواصل اليومي معها.
ويبين أن ذلك يترافق مع قرارات عسكرية تصدر عن القائد العسكري للمنطقة، الذي يعلن مساحات واسعة مناطق عسكرية مغلقة أمام المزارعين الفلسطينيين، في الوقت الذي يرى فيه أن المستوطنين يصلون إليها بحرِّية. كما يتحدث عن توسيع الحدود الأمنية للمستوطنات، وما يتبع ذلك من ابتلاع لمساحات واسعة من الأراضي وتجريف آلاف الأشجار.
ويقول غفري إن آثار هذه السياسة تمتد على امتداد الضفة الغربية، "من مسافر يطا جنوباً حتى جنين شمالاً".
ويضيف: "المزارع اليوم يشعر أنه يخوض هذه المعركة الوجودية وحيداً. المؤسسات الرسمية والدولية تقوم بالتوثيق، لكن التوثيق وحده لا يمنع الاعتداء ولا يحمي الشجرة ولا يضمن للمزارع الوصول إلى أرضه وقطف محصوله".
ويختم بالقول إن المزارع يجد نفسه أمام واقع يسعى، بحسب تقديره، إلى دفعه تدريجياً بعيداً عن أرضه وفرض أمر واقع فلسطيني جديد.
في قلقيلية.. الزيتونة خلف الجدار
بحسب المهندس الزراعي ظافر سلحب، من مديرية الزراعة قلقيلية، فإن المسألة في محافظة قلقيلية تتخذ شكلًا أكثر تعقيدًا وتحديًا، إذ تتداخل الأراضي الزراعية مع الجدار والمستوطنات والطرق التي تقطع أوصال المجال الزراعي.
ويشير سلحب إلى أن مساحات واسعة من الأراضي الزراعية في محافظة قلقيلية تواجه قيوداً متفاوتة على وصول المزارعين إليها، تشمل تجمعات منطقة جورة عمرة، وعزون، وكفر ثلث، وسنيريا، وبيت أمين، وعزون عتمة، وعزبة سلمان، وجيوس، وفلامية، فضلا عن مناطق من المدينة تقع خلف الجدار. ويؤكد أن هذه المساحات تبدو هذا العام أكبر من السنوات السابقة، بفعل مصادرة أراضي جديدة في مناطق مختلفة، بينها الفندق وحجة وكفر ثلث والقرى الجنوبية للمحافظة، ما تسبب باتساع رقعة الأراضي التي أصبح الوصول إليها ممنوعاً أو أكثر صعوبة.
"اعتداءات المستوطنين، من وجهة نظره، لم تعد حالات فردية معزولة، وإنما أخذت شكلاً منظماً ومتكرراً".
ويؤكد أن الوصول لهذه الأراضي خضع في السنوات السابقة، لتنسيق مسبق مع الجهات المختصة، ويوضح أن الوضع لهذا العام لا يرتبط فقط بإجراءات الوصول التقليدية، وإنما يترافق مع مخاوف متزايدة لدى المزارعين من اعتداءات المستوطنين خلال موسم قطف الزيتون.
وخلال موسم 2025، ذكرت تقارير الأمم المتحدة أن مزارعين من قرى السلمان، النبي إلياس، عزون وكفر ثلث مُنعوا للسنة الثالثة على التوالي من الوصول إلى أراضي زيتون تقع داخل مستوطنات.
موسم يبدأ من البوابةوبحسب المهندس سمير سمارة، منسق شؤون المحافظات في وزارة الزراعة ورئيس الحملة الوطنية لقطف الزيتون "زيتون 2026"، أعلنت الوزارة في 23 سبتمبر/أيلول عن استكمال استعداداتها للموسم، الذي يشمل دعم المزارعين في المناطق الحدودية والبؤر الساخنة والأراضي الواقعة خلف جدار الفصل، إلى جانب تنظيم حملات تطوعية وتوفير وجود ميداني لمساندتهم وتعزيز وجودهم في أراضيهم.
لكن خلف هذه الاستعدادات الرسمية والإنسانية، تبقى حكاية المزارع أكثر بساطة وأشد قسوة: يريد أن يصل إلى أرضه ويقطف محصوله رغم كل التحديات التي تقف له بالمرصاد.
وأوضح سمارة أن الوزارة وضعت آليات لتسهيل وصول المزارعين إلى أراضيهم، بالتنسيق مع المحافظات والمجالس المحلية والمؤسسات الأهلية والشبابية، من خلال تشكيل وتفعيل لجان محلية في المحافظات والقرى لإسناد المزارعين ومساعدتهم على إنجاز القطف في أقصر وقت ممكن وبأعلى درجات الأمان.
وتتضمن الحملة، تعزيز العمل التطوعي والفزعة الوطنية لمساعدة الأسر والمزارعين. كما تستعد منظمات إنسانية لمرافقة المزارعين ورصد مخاطر الحماية خلال الموسم، في ظل المخاوف المتزايدة من عنف المستوطنين وقيود الوصول إلى الأراضي الزراعية.
لكن خلف هذه الاستعدادات الرسمية والإنسانية، تبقى حكاية المزارع أكثر بساطة وأشد قسوة: يريد أن يصل إلى أرضه ويقطف محصوله رغم كل التحديات التي تقف له بالمرصاد.