حسن سلامة: ماذا بعد الضجيج الإعلامي؟
6 أكتوبر 2026
انشر الخبر على منصتك المفضلة
لم يعد ملف الأسرى الفلسطينيين قضية يمكن اختزالها في بيانات الإدانة أو في الأخبار اليومية التي ترصد أعداد المعتقلين وظروف احتجازهم. فكل واقعة جديدة داخل السجون تعيد طرح سؤال أكثر إلحاحًا: ماذا يستطيع الفلسطينيون والمؤسسات الحقوقية والإعلام والمجتمع الدولي أن يفعلوا عندما يتحول الاعتقال إلى واقع ممتد، وتصبح الانتهاكات المتكررة جزءًا ثابتًا من المشهد الفلسطيني؟
عاد هذا السؤال إلى الواجهة في 28 سبتمبر/أيلول 2026، بعد نشر وزير الأمن القومي الإسرائيلي إيتمار بن غفير مقطعًا مصورًا ظهر فيه داخل زنزانة الأسير الفلسطيني حسن سلامة، موجّهًا إليه تهديدات مباشرة بالقتل والإعدام. وسلامة معتقل منذ عام 1996، ومحكوم بالسجن 48 مؤبدًا و30 عامًا، ويُعد من بين الأسرى الذين تصنفهم إسرائيل ضمن من تعتبرهم "الأكثر خطورة"، إلى جانب عبد الله البرغوثي وعباس السيد وإبراهيم حامد ومروان البرغوثي.
ومنذ حرب الإبادة، تعرض هؤلاء الأسرى وغيرهم لجملة واسعة من الانتهاكات، من العزل وسوء المعاملة والتجويع والحرمان من العلاج، وصولًا إلى التهديدات العلنية بالقتل. غير أن أهمية واقعة حسن سلامة لا تكمن في تفاصيلها وحدها، بل في أنها تكشف مجددًا مأزقًا أوسع: إلى أي مدى تستطيع أدوات المناصرة التقليدية أن تحدث تغييرًا ملموسًا في حياة الأسرى؟
من التوثيق إلى أدوات المساءلة
أدى الإعلام دورًا أساسيًا في إبقاء قضية الأسرى حاضرة في المجال العام. فنقل شهاداتهم، وتوثيق الانتهاكات، والتعريف بأسمائهم وأوضاعهم الصحية والعائلية، كلها أدوات ضرورية لمنع تحول الأسير إلى رقم داخل قائمة طويلة. لكن استمرار التغطية لا يعني بالضرورة تحقق الحماية.
فالاعتقالات والاحتجازات بحق الفلسطينيين مستمرة، بما في ذلك الاعتقال الإداري والاحتجاز دون محاكمة، إلى جانب تقارير متواصلة عن التعذيب وسوء المعاملة والحرمان من الرعاية الطبية. وحتى 31 أكتوبر/تشرين الأول 2025، بلغ عدد الفلسطينيين المحتجزين لدى الاحتلال 9204 أسرى، بينهم 3368 رهن الاعتقال الإداري، وفق إحصاءات هيئة شؤون الأسرى.
وهنا تظهر المفارقة: كلما اتسع حجم التوثيق، ازدادت المعرفة الدولية بما يجري، لكن المعرفة وحدها لا تتحول تلقائيًا إلى حماية أو مساءلة أو إفراج. لذلك لم يعد السؤال المطروح فلسطينيًا هو: هل يجب الاستمرار في الحديث عن الأسرى؟ بل كيف يمكن تحويل هذا الحديث إلى فعل سياسي وقانوني ودبلوماسي قادر على إحداث أثر؟
يمثل المسار القانوني إحدى أهم الأدوات التي يمكن البناء عليها. فالتوثيق الحقوقي لا ينبغي أن يبقى أرشيفًا للانتهاكات، بل أن يتحول إلى ملفات قانونية منظمة، تشمل أسماء الضحايا، وتواريخ الاعتقال، والجهات المسؤولة، والشهادات، والتقارير الطبية، والقرائن القانونية.
الدول والمنظمات الدولية تمتلك أدوات تتجاوز ذلك، من الضغط السياسي والاتصالات الثنائية، إلى آليات حقوق الإنسان واللجان الدولية وربط الانتهاكات بالعلاقات والالتزامات القانونية للدول.
وفي حالة الطبيب حسام أبو صفية، على سبيل المثال، دعت لجنة التحقيق الدولية المستقلة التابعة للأمم المتحدة في يوليو/تموز 2026 إلى الإفراج الفوري وغير المشروط والآمن عنه وعن العاملين الطبيين المحتجزين تعسفيًا، وأشارت إلى استمرار التحقيق في الانتهاكات المزعومة وإمكان مشاركة المعلومات مع الجهات القضائية المختصة.
كما دعا خبراء أمميون في مارس/آذار 2026 إسرائيل إلى الإفراج عنه، مشيرين إلى تقارير عن تعرضه للتعذيب وسوء المعاملة واحتجازه في ظروف تتعارض مع المعايير الدولية الخاصة بمعاملة السجناء.
وتكشف مثل هذه الحالات أهمية نقل قضية الأسير من مستوى التعاطف إلى مستوى المسؤولية القانونية: من ارتكب الانتهاك؟ من أصدر الأمر؟ من سمح باستمراره؟ وما الآليات القانونية التي يمكن استخدامها لمساءلة المسؤولين عنه؟
الأمر نفسه ينطبق على المسار الدبلوماسي. فالدبلوماسية لا ينبغي أن تقتصر على بيانات القلق والإدانة. الدول والمنظمات الدولية تمتلك أدوات تتجاوز ذلك، من الضغط السياسي والاتصالات الثنائية، إلى آليات حقوق الإنسان واللجان الدولية وربط الانتهاكات بالعلاقات والالتزامات القانونية للدول.
لكن فاعلية هذه الأدوات تبقى مرتبطة بوجود استراتيجية متكاملة، تحول الانتهاكات الموثقة إلى ملفات حاضرة باستمرار في المحافل الدولية، بدل أن تختفي بانتهاء دورة الأخبار. كما تحتاج قضية الأسرى إلى خطاب حقوقي واضح يضع حق المحتجزين في الحماية والمعاملة الإنسانية والمحاكمة العادلة في صلب النقاش، بعيدًا عن الاكتفاء بالتنافس السياسي على الروايات.
من رد الفعل إلى استراتيجية مستمرة
لا يعني ذلك التقليل من أهمية الإعلام، بل إعادة تعريف وظيفته. فالصحافة لا ينبغي أن تكتفي بإخبار الجمهور بأن أسيرًا يعاني، بل يمكنها متابعة مسار قضيته، وتوثيق التغيرات في ظروف احتجازه، ومساءلة المسؤولين عن الانتهاكات، وشرح الأدوات القانونية المتاحة، وبناء ملفات تستمر بعد انطفاء الاهتمام بالخبر العاجل.
ويمكن للإعلام أيضًا أن يربط قضية الأسير بعائلته ومجتمعه، بحيث لا يظهر الاعتقال كواقعة منفصلة، بل كحدث يمتد أثره إلى الحياة الاجتماعية والنفسية والاقتصادية لعائلة كاملة. المشكلة، إذن، ليست نقص المعلومات وحده، بل الفجوة بين المعرفة والفعل.
أهمية واقعة حسن سلامة لا تكمن في تفاصيلها وحدها، بل في أنها تكشف مجددًا مأزقًا أوسع: إلى أي مدى تستطيع أدوات المناصرة التقليدية أن تحدث تغييرًا ملموسًا في حياة الأسرى؟
فالتوثيق ضروري، والإعلام ضروري، والمحامون والمؤسسات الحقوقية ضروريون، والدبلوماسية ضرورية، لكن أثر هذه الأدوات يصبح أكبر عندما تعمل ضمن مسار واحد: توثيق دقيق يقود إلى ملف قانوني، وتغطية إعلامية مستمرة تحافظ على حضور القضية، وضغط دبلوماسي ينقلها إلى دوائر القرار، ومساءلة لا تنتهي بانتهاء الاهتمام الإعلامي.
وتظهر قضية أبو صفية، كما أظهرت واقعة حسن سلامة الأخيرة، أن ملف الأسرى يحتاج إلى أكثر من التعاطف الدولي. المطلوب أن يصبح كل انتهاك موثقًا، وكل شهادة جزءًا من ملف، وكل ملف قابلًا للتحرك القانوني، وكل تحرك قانوني مدعومًا بضغط سياسي ودبلوماسي وإعلامي مستمر.
فالمعيار في النهاية ليس عدد البيانات التي صدرت، ولا عدد المرات التي ظهر فيها اسم الأسير في الأخبار، وإنما مقدار ما تستطيع هذه الأدوات أن تفعله فعليًا لحماية إنسان ما زال خلف القضبان، وضمان حقوقه، ومحاسبة من ينتهكها، ومنع تحويل الزمن نفسه إلى أداة أخرى لإدامة الاعتقال والانتهاك.