من يسمّي المكان يوشك أن يملكه.. كيف يُعاد تعريف الأقصى؟
5 أكتوبر 2026
انشر الخبر على منصتك المفضلة
تمر على الشعوب لحظات سياسية تختصر مسارا كاملا في جملة واحدة، وقد عشنا واحدة منها صباح الاثنين 28 شتنبر 2026. ففي ثالث أيام "عيد العرش" دخل إيتمار بن غفير المسجد الأقصى في مقدمة 1271 مستوطنا وأُقيمت صلوات تلمودية في ساحته الشرقية، ثم وقف الوزير أمام الكاميرا ليعلن بالعبرية أنهم اليوم "أصحاب البيت في جبل الهيكل"، وأنهم كذلك "أصحاب البيت في السجون".
توقفت طويلا عند هذه العبارة لأنها تحمل في طياتها المشروع كله. فقوله "أصحاب البيت" يعلن ادعاء الملكية، واسم "جبل الهيكل" يزيح اسم الأقصى من اللغة قبل أن يزيحه من الأرض، ثم يأتي ذكر السجون ليكشف أن منطق السيطرة واحد يمتد من الزنزانة إلى المسجد. وحين نضع العبارة في سياقها تتضح الصورة أكثر، فقد ربط الوزير زيارته بالذكرى الثالثة للسابع من أكتوبر، وأعلن أن النصر تحقق أولا في هذا المكان ودعا إلى بسط السيادة عليه، والانتخابات الإسرائيلية على الأبواب، فالتقى في هذا المشهد الدافع العقدي بالحساب الانتخابي.
وبهذا نفهم لماذا يحظى "الوضع التاريخي والقانوني القائم" بكل هذه الحساسية، فهو الحد الفاصل بين حضور أمني تفرضه القوة وسيادة تسعى إلى انتزاع الاعتراف بها.
ومن هنا ندخل إلى قلب الصراع الحضاري على القدس. فالمدينة فضاء تتشابك فيه العقيدة والذاكرة والتاريخ والقانون، وكل تعديل في استعمال المكان يصير مع الوقت تعديلا في دلالته. وفي هذا المسار يعمل قانون خفي يمكن أن نسميه قانون التراكم، إذ يبدأ الفعل استثناء يثير الغضب، فيتكرر حتى يصير عادة، ثم تُقدَّم العادة حقا مكتسبا. وتدرك سلطة الاحتلال أن السيطرة على البوابات والطرق تمنحها القدرة على تنظيم الحركة، وأن السيطرة على إدراك المكان تحتاج نفسا أطول تصنعه رواية تتكرر وطقوس تتوسع وأجيال تعتاد شيئا فشيئا ما كانت ترفضه قبل سنوات.
وبهذا نفهم لماذا يحظى "الوضع التاريخي والقانوني القائم" بكل هذه الحساسية، فهو الحد الفاصل بين حضور أمني تفرضه القوة وسيادة تسعى إلى انتزاع الاعتراف بها. وقد أكد بيان ثماني دول عربية وإسلامية في يوليوز الماضي أن كامل مساحة الحرم مكان عبادة خالص للمسلمين تديره أوقاف القدس التابعة لوزارة الأوقاف الأردنية، في حين تواصل الأمم المتحدة التعامل مع القدس الشرقية أرضا فلسطينية محتلة.
غير أن الخطر الذي يواجهنا عربيا وإسلاميا يتجاوز ضعف الموقف السياسي ليبلغ الوعي نفسه، حين يتحول الأقصى إلى قضية موسمية نستدعيها عند كل اقتحام ثم نطويها، وحين يعرف أبناؤنا تفاصيل المنصات والنجوم أكثر مما يعرفون تاريخ مكان يقع في صميم الذاكرة الدينية الإسلامية. فالحضارات تبدأ خسارة أمكنتها الرمزية يوم تنقطع صلة أجيالها المعرفية بها.
والمشكلة أن صناعة الواقع هنا لا تتحرك بالمصادفة؛ وراءها جمعيات وشبكات تعبئة وتمويل وإنتاج متواصل للرواية الدينية والسياسية. لذلك يصعب أن تقابلها استجابات موسمية تنطفئ بانطفاء الخبر. ما يحتاجه الأقصى مشروع معرفة وقدرة يمتد في الزمن، تتضافر فيه المعرفة المنظمة في المدرسة والجامعة ومراكز البحث، والإعلام الذي يحفظ الأسماء ويصنع الدلالة، والحضور القانوني والدبلوماسي الذي يحوّل الذاكرة إلى قوة ثقافية وسياسية.
الأقصى يحتاج اليوم إلى غضب واع يعرف لماذا يغضب، وذاكرة تعرف ماذا تحمي، وعقل سياسي استراتيجي يدرك أن المقدسات تُصان بالمعرفة والمؤسسة والقدرة.
لذلك أقرأ عبارة "أصحاب البيت" إنذارا حضاريا يتجاوز صاحبها، ويضعنا أمام سؤال يتجاوز القدس نفسها، هل نمتلك من الوعي والمؤسسات ما يجعل ذاكرتنا حاضرة في صناعة الواقع، أم نكتفي بتوثيق ما يُعاد تعريفه أمام أعيننا؟
الأقصى يحتاج اليوم إلى غضب واع يعرف لماذا يغضب، وذاكرة تعرف ماذا تحمي، وعقل سياسي استراتيجي يدرك أن المقدسات تُصان بالمعرفة والمؤسسة والقدرة. وتلك هي الأمانة التي تطلبها القدس منا، أن تبقى حاضرة في مشروعنا الحضاري كله، في أيام الهدوء قبل أيام الاقتحام.