المدرسة في معركة الذاكرة.. كيف نحمي قضية الأسرى من النسيان؟
4 أكتوبر 2026
انشر الخبر على منصتك المفضلة
ليست قضية الأسرى الفلسطينيين قضية أرقام تتغير كل يوم، ولا أسماء تُتلى في البيانات، ولا أخبارا عابرة تظهر على شاشات الهواتف ثم تختفي. إنها قضية وطن وذاكرة وكرامة وحرية، وقضية آلاف العائلات التي تعيش الاعتقال كل يوم، حتى وإن كان السجن خلف الجدران والأسلاك.
ومن هنا، فإن مسؤولية الحفاظ على قضية الأسرى وإبقائها حاضرة في الوعي الفلسطيني لا تقع على عاتق المؤسسات السياسية والحقوقية والإعلامية وحدها، بل إن التربية والتعليم يمتلكان واحدة من أهم أدوات حماية القضية من النسيان؛ لأن المدرسة والجامعة لا تصنعان المعرفة فقط، وإنما تصنعان الإنسان، وتشكلان وعي الأجيال، وتحددان إلى حد كبير ما الذي سيبقى حاضرًا في الذاكرة وما الذي سيصبح مجرد صفحة من الماضي.
المدرسة.. أكثر من كتاب وامتحان
حين يدخل الطالب إلى مدرسته، فإنه لا يتعلم القراءة والكتابة والعلوم والرياضيات فقط، بل يتعلم أيضًا معنى الانتماء، وقيمة الإنسان، وأهمية الحرية، واحترام الكرامة، والقدرة على التمييز بين الحق والظلم. ولهذا ينبغي أن تكون قضية الأسرى جزءا من التربية الوطنية والإنسانية للطلبة، لا أن تُحصر في يوم الأسير الفلسطيني أو في فعالية موسمية تنتهي بانتهاء المناسبة.
يمكن للمدارس أن تقدم قضية الأسرى للطلبة بطريقة تربوية مناسبة لأعمارهم، من خلال قصص الأسرى المحررين، وسيرهم وتجاربهم، وإبداعاتهم داخل السجون، والكتب والرسائل التي كتبوها، واللوحات التي رسموها، والعلوم والمعارف التي تعلموها وعلموها لرفاقهم خلف القضبان. فالأسير ليس مجرد شخص خلف القضبان؛ إنه إنسان له قصة، وأسرة، وأبناء، وأحلام، وتجربة تستحق أن تُروى وتحفظها الأجيال.
من الاستماع إلى التوثيق
ومن أهم الأدوار التي يمكن أن تقوم بها المؤسسات التعليمية توثيق الذاكرة الفلسطينية المرتبطة بالأسرى. كم من قصة أسير لم تُكتب؟ وكم من شهادة بقيت في ذاكرة أم أو أب أو زوجة أو طفل؟ وكم من تفاصيل عاشها الأسرى داخل السجون قد تضيع مع مرور السنوات إذا لم تُوثق؟
هنا يمكن للمدرسة أن تتحول إلى مساحة لحفظ الذاكرة. يمكن للطلبة إجراء مقابلات مع الأسرى المحررين، أو مع عائلات الأسرى، وإعداد ملفات بحثية، وتسجيل شهادات بالصوت والصورة، وإنشاء أرشيف مدرسي لقضايا الأسرى، وإعداد مجلات حائطية ومعارض توثيقية. وهذا العمل لا يخدم قضية الأسرى فقط، بل يعلم الطالب مهارات البحث والتحقق والتوثيق والكتابة والمقابلة واستخدام التكنولوجيا في خدمة قضية إنسانية ووطنية.
المعلم.. صانع الوعييبقى المعلم أحد أهم مفاتيح هذه العملية. فالمعلم يستطيع أن يجعل من حصة اللغة العربية مساحة لقراءة رسالة كتبها أسير، ومن حصة التاريخ نافذة على تاريخ الحركة الأسيرة، ومن التربية الوطنية مجالا للحديث عن الحرية والكرامة وحقوق الإنسان، ومن الفن فرصة لرسم لوحات تعبر عن الحرية، ومن التكنولوجيا مشروعًا رقميًا يوثق شهادات الأسرى وتجاربهم.
المطلوب ليس أن يضيف المعلم عبئًا جديدًا إلى المنهاج، وإنما أن يجد مساحات تربوية يستطيع من خلالها ربط المعرفة بالواقع. فحين يقرأ الطالب عن الحرية، ثم يسمع قصة إنسان حُرم منها، يصبح مفهوم الحرية أكثر عمقًا في ذهنه. وحين يتعلم عن حقوق الإنسان، ثم يدرس واقع الأسر والاعتقال، يصبح قادرًا على التفكير والنقاش وربط المعرفة بالحياة.
الطالب ليس متلقيا.. بل شريك
ومن الخطأ أن نتعامل مع الطالب باعتباره مستمعا فقط. يمكن للطلبة أن يكونوا شركاء حقيقيين في خدمة قضية الأسرى من خلال الكتابة والرسم والتصوير وإنتاج الأفلام القصيرة وتصميم الإنفوغرافيك وإعداد البحوث والمقابلات والبرامج الإذاعية المدرسية والمسابقات الثقافية.
ويمكن للمدارس أن تطلق مبادرات مثل: "أسير في ذاكرتنا"، "رسالة إلى أسير"، "شاهد على الذاكرة"، "مدرستي توثق"، "حكاية أسير"، و"الحرية حق"، بحيث تتحول القضية إلى مشاريع تربوية مستمرة.
كما يمكن إنشاء زاوية دائمة في كل مدرسة تحمل أسماء الأسرى المحررين أو الذين أمضوا سنوات طويلة في السجون، وتعرض كتبهم ورسائلهم وصورهم وإبداعاتهم، لتكون شاهدًا حيًا على أن خلف كل اسم إنسانًا وحكاية.
الجامعة ودورها في إنتاج المعرفة
أما الجامعات، فمسؤوليتها أكبر في مجال البحث العلمي. فمن الضروري تشجيع الطلبة والباحثين على دراسة مختلف جوانب قضية الأسرى: الآثار الاجتماعية والنفسية للاعتقال على الأسرة، تجربة التعليم داخل السجون، أثر الاعتقال على الأطفال، التجربة الثقافية للأسير، الحركة الأسيرة وتاريخها، شهادات الأسرى المحررين، والقضايا القانونية والحقوقية المرتبطة بالاعتقال.
نحن بحاجة إلى أن تصبح قضية الأسرى موضوعًا أكاديميًا يُدرس ويُوثق ويُناقش وينتج حوله الباحثون معرفة فلسطينية يمكن أن تصل إلى الجامعات والمؤسسات الحقوقية والإعلامية في العالم.
ومن المهم التأكيد أن تعليم قضية الأسرى لا يعني تعليم الكراهية أو الانتقام، بل يعني تعليم الإنسانية والعدالة والحرية. فالطالب الذي يتعلم قصة الأسير يجب أن يتعلم في الوقت ذاته احترام الإنسان، ورفض التعذيب والإذلال، والدفاع عن الحق، والاحتكام إلى القانون، ورفض الظلم أيًا كان مصدره. وهنا تكمن قوة التربية؛ فهي قادرة على تحويل الألم إلى وعي، والذاكرة إلى معرفة، والمعرفة إلى مسؤولية.
إن أخطر ما يمكن أن تواجهه قضية الأسرى، إلى جانب استمرار الاعتقال والمعاناة، هو أن تصبح القضية مجرد ذكرى بعيدة في وجدان الأجيال القادمة. ولهذا فإن المدرسة مطالبة بأن تحفظ أسماءهم، والجامعة مطالبة بأن تدرس تجربتهم، والمعلم مطالب بأن يشرح قضيتهم، والطالب مطالب بأن يتعلم ويوثق، والأسرة مطالبة بأن تنقل الحكاية.
الحرية تبدأ أحيانا من كلمة تُقال في صف، وقصة تُروى، وشهادة تُوثق، وذاكرة يرفض جيل كامل أن يسمح لها بالنسيان.
إننا لا نريد جيلا يعرف أسماء الأسرى فقط، بل نريد جيلا يفهم معنى الحرية التي حُرم منها الأسير، ويدرك قيمة الكرامة التي دفع الأسرى ثمنًا باهظًا للحفاظ عليها، ويعرف أن الذاكرة مسؤولية وليست ترفا.
فحين تدخل قضية الأسرى إلى الصفوف الدراسية، وتتحول إلى بحث جامعي، ومشروع طلابي، وشهادة موثقة، ولوحة فنية، وفيلم قصير، وكتاب، وذاكرة محفوظة، فإن الأسير يصبح حاضرًا رغم غياب جسده.
وقد تكون هذه من أهم الرسائل التي تستطيع التربية والتعليم تقديمها للأسرى: أنكم لستم خلف القضبان وحدكم، وأن أسماءكم لن تُترك للنسيان، وأن قصصكم ستبقى تُروى، وأن الأجيال التي تتعلم اليوم ستواصل حمل ذاكرتكم وغرسها في ذاكرة من يأتي بعدها.
إن خدمة قضية الأسرى تبدأ من الوعي، والوعي يبدأ من التعليم؛ ولذلك فإن المدرسة ليست خارج معركة الذاكرة، بل هي واحدة من أهم ساحاتها، والمعلم ليس مجرد ناقل للمعرفة، بل حارس للذاكرة، والطالب ليس مجرد متعلم، بل مشروع إنسان قادر على حمل القضية إلى المستقبل.
فإذا كان السجن يحاول أن يحجب الأسير عن العالم، فإن التربية والتعليم يستطيعان أن يفتحا له ألف نافذة نحو الذاكرة والوعي والحضور. والحرية تبدأ أحيانا من كلمة تُقال في صف، وقصة تُروى، وشهادة تُوثق، وذاكرة يرفض جيل كامل أن يسمح لها بالنسيان.