كيف يتسلى الجنود بتعذيب الأسرى داخل السجون؟
3 أكتوبر 2026
انشر الخبر على منصتك المفضلة
في الحافلة التي نقلتنا إلى مسلخ سدي تيمان كنت معصوب العينين ومقيّد اليدين والقدمين، سمعت جنديا يصرخ في أسير قريب مني، يأمره بتقليد أصوات الحيوانات، صوت كلب وبعدها صوت حمار ثم صوت بقرة وخروف، وبعد كل صوت كان الجنود يضحكون ويطلبون صوتا جديدا، لم أرَ الأسير ولم أعرف اسمه، لكن صوته بقي عالقا في رأسي، صوت رجل مقهور يحاول أن ينجو من غضب الجندي، فيجد نفسه مطالبا بإضحاك كتيبة من الجنود.
حسبت في بادئ الأمر أن هذا الشذوذ والاختلال العقلي مرتبط بجندي واحد، لكن ما أن حطت قدماي داخل معتقل سدي تيمان وفي اليوم الأول لإقامته فيه، جاء جندي يسمّي نفسه "الشيطان" وبدّد هذا الظن، أخرج عددا من الأسرى، وأمرهم بالوقوف على قدم واحدة ورفع أيديهم دون الاستناد إلى الجدار، ثم أخذ يتراهن مع زملائه على أول من سيسقط، كان الأسرى يُجاهدون للبقاء واقفين، وكانت أعين الجنود تنتظر اللحظة التي تخونهم فيها أرجلهم، وكلما سقط أحدهم ارتفعت ضحكات الجنود، في حين لم يكن السقوط مفاجأة لأحد، فهذا ما صُمّمت الوقفة من أجله.
عرفت هناك معنى أن يتحول جسد الأسير إلى وسيلة لتمضية وقت سجانه، فالجندي يعطي الأمر وزملاؤه يشاهدون، والأسير يحاول تأخير النهاية التي ينتظرونها، فكان يكفي رعشة في ساق الأسير ليبدأ الرهان، لا يكون هناك سبب للعقوبة ولا يُراعي الجنود مرض الأسير أو كبر سنه أو ألم القيود في يديه، ولا عن قدرته على الوقوف أصلا، المطلوب منه أن يمنحهم لحظة يتسلّون بها.
حين يتحول ألم الأسير إلى وسيلة للتسلية
وفي سجن عوفر وأثناء نقلنا إلى أحد الأقسام، كان جندي يدوس كل بضع خطوات على السلسلة التي تربط قيود أقدامنا ببعضهما، فتتوقف السلسلة فجأة وتواصل أجسادنا الحركة فنتعثر ونسقط على جروحنا وعظامنا المتكسرة، وفي كل مرة كان الجندي يضحك مع زملائه من عجزنا عن المشي، حتى صار تعثرنا في القيود نكتتهم، كنا ننهض ونتابع السير، وننتظر الدوسة التالية من دون أن نعرف متى تأتي.
وأذكر أن أسيرا روى لي عن جلسة تحقيق جُلد فيها طويلا وصُعق بالكهرباء مرارا ومع ذلك حاول ألا يصرخ، لكن الجنود انتبه لجَلده وصبره، فتراهنا اثنين منهم على قدرة أحدهما على انتزاع صرخة منه رغم كل هذا الصبر الذي يتمتع به الأسير، قال لي إن أحدهما وفي سبيل كسب هذا الرهان سكب ماء مغليا على أعضائه التناسلية، فصرخ صرخة شديدة وعندها انفجر الجنديان ضحكا، ويصعب عليّ نسيان هذا المشهد كما رواه صاحبه، فقد بلغ الألم حدّا لا يستطيع الجسد احتماله، وفي اللحظة نفسها عُدّت صرخة صاحبه فوزا في رهان، وانطلاقا للمتعة والتسلية.
إن أحدهما وفي سبيل كسب هذا الرهان سكب ماء مغليا على أعضائه التناسلية، فصرخ صرخة شديدة وعندها انفجر الجنديان ضحكا.
وبالنسبة للقارئ فمن السهل أن تمرّ الضحكة في رواية التعذيب كتفصيل صغير بجانب ما يعانيه الأسرى من الجروح والحروق والتكسير والاغتصاب داخل الأسر، لكنها ذات واقع نفسي كبير، وتحمل تهديدا قائما بذاته، في حين يسمع الأسير أن ما أصابه أعجب سجانه، وأنه قد يكرره طلبا للمزيد، وعندها يكتشف أن صراخه قد يصير هدفا للتسلية وتمضية الوقت.
لم يتوقف الأمر على ذلك، فلقد سمعت من أسرى شهادات عن إذلال تجاوز انتظار صرخة تحت التعذيب، وأخبرني أحدهم أن الجنود أجبروه مع مجموعة من الأسرى على التعرّي للتفتيش بحضور مجندات، وقفوا مكشوفي الأجساد، فيما أخذ الجنود والمجندات يسخرون من أشكال أعضائهم التناسلية وأحجامها، وأخرج بعضهم هواتفهم وألتقط صورا لهم مع ضحكات لم تتوقف، وترافق ذلك مع تحرّش تعرّض له بعض الأسرى.
من الجسد إلى العائلة.. الإذلال بلا حدود
وجدت لاحقا في شهادات أسرى آخرين ما أعادني إلى صوت الرجل في الحافلة، فالمحامي ساري حرية روى لمنظمة "بتسيلم" أنه سمع في سجن مجدو حراسا يأمرون أسرى بالنباح كالكلاب، ثم يضحكون بعدما يفعلون ذلك تحت الضرب، سمعتُ هذا الأمر في حافلة متجهة إلى سدي تيمان، وسمعه المحامي في مجدو، اختلف المكان لكنه العقلية هي ذاتها في كانت كل السجون.
لم يكتفِ بعض الجنود بالسخرية من أجساد الأسرى، وجدوا متعة في رسم صور فجة لأعضاء تناسلية ذكورية وأنثوية لإذلالهم، وأذكر أن أسيرا حلق الجندي شعره وسط ضحك زملائه، ولم يعرف ما فعلوا برأسه إلا حين عادة إلى زنزانته مجددا، كانوا قد حلقوا شعره على شكل نجمة داود.
ومن أقسى ما شهدته في السجن هو تحويل الخوف على الأهل إلى وسيلة لتسلية السجان، كان جندي أو ضابط من الشاباك يأتي إلى أسير ويخبره أن أفرادا من عائلته استشهدوا، وأن الجيش قصف بيتهم وقتلهم، ويسرد الأسماء والأعمار واحدا واحدا، ويراقب وجهه وهو يسمع، في الغالب كان الأسرى ينهارون، فيضحك الجنود من حزن الأسير أو بكاءه، وفي إحدى المرات قال جندي لأحد الأسرى بعد أن عدّد له من زعم أنهم قُتلوا من أهله: "يا حرام.. صرت لحالك".
والحقيقة أن هذه المشاهد تدلل على حجم العقد النفسية التي يحاول الجنود تعويضها في تعذيبنا، فالأسير المقيد كان يمنحهم فرصة سهلة للشعور بالقوة، لذلك كانوا يفرضون عليه أمرا مهينا، ويراقبون عجزه عن الرفض، ثم يضحكون أمامه، في كل رهان على سقوط أسير، أو في محاولة لانتزاع صرخته، كانت عقدة النقص تبحث عن انتصار لا يتحقق إلا على جسد إنسان منزوع الحماية، ثم يخرجون من المشهد ضاحكين، ويتركوا الأسير يحمل ألما صنعوه كي يشعروا أنهم أقوياء، ومطمأنين من عدم الملاحقة أو العقوبة.
وصلت به الحال إلى تفاخره العلني بأوضاع احتجاز الأسرى والتنكيل فيهم وتجويعهم، وهكذا تصبح معاناة إنسان تحت القيد أمرا يمكن للجندي أن يفتتح به نوبة عمله، وأن يدعو الآخرين إلى مشاهدته.
وهذا الاطمئنان لم ينشأ عبثا فالوزير المتطرف إيتمار بن غفير يتولى بصفته وزير الأمن القومي المسؤولية عن مصلحة السجون الإسرائيلية، والذي أعطى للعاملين فيها كل الغطاء للتنكيل بالأسرى بكل الوسائل، بل وصلت به الحال إلى تفاخره العلني بأوضاع احتجاز الأسرى والتنكيل فيهم وتجويعهم، وهكذا تصبح معاناة إنسان تحت القيد أمرا يمكن للجندي أن يفتتح به نوبة عمله، وأن يدعو الآخرين إلى مشاهدته.
تنقّلت خلال اعتقالي بين سدي تيمان وعوفر والنقب، تغيّرت الزنازين والوجوه، وبقي صوت ذلك الأسير في الحافلة معي، لم أرَه ولم أعرف اسمه، سمعته ينفّذ أمرا بعد آخر، وسمعت الجنود يضحكون، فكّرت في صوته قبل الأسر كيف كان ينادي أهله، وكيف كانوا يعرفون أنه هو من أول كلمة، وفي تلك الحافلة أُجبر على استعمال الصوت نفسه لإمتاع من قيّدوه. وما زلت أجهل أين انتهت رحلته، لكني بقيت أسمع ما جرى له في ضحكات الجنود، وفي صمته الذي أعقبها، لهذا أكتب عنه الآن، ليصل صوته الحقيقي وليس الصوت الذي أخرجه الجنود من حلقه للمتعة والتسلية، وليُعرف الجميع أنه كان إنسانا أُكره على ما فعل.