بعد ثلاثة أعوام من الانقطاع.. غزة تستعيد التعليم بين الركام
1 أكتوبر 2026
انشر الخبر على منصتك المفضلة
بعد نحو ثلاثة أعوام من الحرب التي قطعت انتظام العملية التعليمية في قطاع غزة، بدأ العام الدراسي الجديد في 19 سبتمبر/أيلول 2026، لكن العودة هذه المرة لا تشبه المدرسة التي عرفها أطفال القطاع قبل الحرب؛ مدارس متضررة، وصفوف مكتظة، وخيام ومساحات تعليمية مؤقتة، ونظام دراسي مضغوط يحاول استيعاب مئات آلاف الطلبة في ما تبقى من أبنية صالحة للاستخدام.
وبحسب وزارة التربية والتعليم العالي الفلسطينية، انطلق العام الدراسي 2026/2027 بمشاركة أكثر من 420 ألف طالب وطالبة في نحو 610 مدارس ومراكز تعليمية تابعة للوزارة، إلى جانب قرابة 100 ألف طالب في نحو 100 مدرسة ومركز تابع للأونروا.
كما يتلقى نحو 20 ألف طالب موجودين خارج القطاع تعليمهم عبر المدارس الافتراضية، فيما لا يزال نحو 40 ألف طالب داخل غزة غير قادرين على الوصول إلى التعليم الوجاهي لأسباب مختلفة.
أما رقم 700 ألف طفل، فيعبّر عن عدد الأطفال في سن التعليم الذين حُرموا من التعليم الوجاهي المنتظم خلال ما يقارب ثلاثة أعوام، ولا يعني أن جميعهم عادوا إلى المدارس مع انطلاق العام الجديد.
مدارس مدمرة وصفوف بلا جدران
تبدأ السنة الدراسية بينما لا تزال غالبية البنية التعليمية في غزة متضررة أو خارج الخدمة. وتشير أحدث البيانات إلى تضرر نحو 98% من مباني المدارس، فيما تحتاج أكثر من 93% منها إلى إعادة تأهيل رئيسية أو إعادة بناء كاملة، وتعرض نحو 81% لضربات مباشرة.
وحتى يونيو/حزيران 2026، كانت 529 منشأة تعليمية قد تعرضت للاستهداف، بينها 247 منشأة دُمرت بالكامل و282 تعرضت لأضرار جزئية.
وفي المدارس التي عادت إلى العمل، لا يعني الصف الدراسي بالضرورة غرفة مكتملة بالمقاعد والسبورة. فبحسب وزارة التربية، يجري التعليم الوجاهي وفق ثلاث ورديات يوميا، ولمدة ثلاثة أيام أسبوعيا لكل طالب، بما يسمح للمبنى الواحد باستقبال ست مجموعات طلابية بالتناوب. كما جرى تجهيز 25 مدرسة مؤقتة، مع استمرار العمل على إنشاء مساحات تعليمية إضافية.
لا يخفف وجود المعلمين من ضغط الأعداد. فبعض الصفوف والخيام تستقبل 40 طالبا أو أكثر، في بيئة تعليمية تختلف جذريا عن تلك التي سبقت الحرب.
أصالة أبو طاقية، وهي أم لابنتين في الصفين السادس والثاني في مواصي خان يونس، تقول إن أبناء غزة يعودون اليوم إلى شكل مختلف تماما من التعليم؛ مدارس أعيد فتح ما أمكن منها، ومراكز ونقاط تعليمية، وخيام خُصص بعضها لاستقبال الطلبة.
ولا يخفف وجود المعلمين من ضغط الأعداد. فبعض الصفوف والخيام تستقبل 40 طالبا أو أكثر، في بيئة تعليمية تختلف جذريا عن تلك التي سبقت الحرب.
ثلاثة أيام من المدرسة بدل خمسة
لم تتغير الأبنية وحدها، بل تقلص أيضا الوقت الذي يقضيه الطفل في التعليم. فبينما كان الطالب في غزة يتلقى نحو 200 يوم دراسي سنويا قبل الحرب، انخفض عدد أيام الحضور المدرسي، وفق تقرير لوزارة التربية يغطي الفترة بين 2023 و2026، إلى نحو 60 يوما، كما تراجعت ساعات الدراسة الأسبوعية من 30 ساعة إلى 12 ساعة.
ولا تعني هذه الأرقام ساعات أقل داخل الصف فحسب، بل فجوات تعليمية تراكمت على مدار سنوات، خصوصا في القراءة والكتابة والحساب والمهارات الأساسية.
وخلال سنوات الحرب، دخل نحو 56 ألف طفل سن التعليم الأساسي من دون أن يعيشوا تجربة الصف الدراسي التقليدي بصورة منتظمة.
حتى التعليم الإلكتروني، الذي مثّل بديلا خلال فترات توقف التعليم الوجاهي، يحتاج إلى أجهزة وهواتف واتصال بالإنترنت ومصادر كهرباء للشحن، وهي احتياجات لا تتوافر بصورة مستقرة لجميع الأسر.
وتوضح أصالة أن الإمكانات تختلف من مكان إلى آخر؛ ففي حين تتوافر المقاعد والسبورات والقرطاسية في بعض المدارس والمراكز، يعمل بعضها الآخر بإمكانات محدودة، داخل خيام أو غرف مؤقتة قد لا تتوافر فيها كراسٍ، ما يضطر الأطفال إلى الجلوس على الأرض خلال الدوام.
الأسرة تسد ما تستطيع من فجواتأمام النقص في الإمكانات، أصبحت الأسرة جزءا أساسيا من محاولة استمرار التعليم. وتقول أصالة إن العائلات التي تملك قدرة مادية أفضل تستطيع توفير بعض ما تفتقر إليه البيئة التعليمية، من قرطاسية ومواصلات ومتابعة إضافية أو دروس تقوية، إلا أن ذلك لا يلغي التفاوت الكبير بين الأطفال.
حتى التعليم الإلكتروني، الذي مثّل بديلا خلال فترات توقف التعليم الوجاهي، يحتاج إلى أجهزة وهواتف واتصال بالإنترنت ومصادر كهرباء للشحن، وهي احتياجات لا تتوافر بصورة مستقرة لجميع الأسر.
وتختصر أصالة واقع العائلات بالقول إنها "مدبرة حالها بالمتاح". لكن ما تستطيع الأسرة توفيره يبقى محدودا؛ يمكنها شراء حقيبة أو دفتر أو دفع كلفة المواصلات، لكنها لا تستطيع تعويض مدرسة مدمرة أو سنوات كاملة من الانقطاع.
مقاعد فارغة وكوادر غائبة
ولم تقتصر خسارة قطاع التعليم على المدارس والكتب. ففي يونيو/حزيران 2026، أعلنت وزارة التربية والتعليم العالي الفلسطينية أن 21,701 من الطلبة والعاملين في القطاع التعليمي استشهدوا في غزة والضفة الغربية منذ 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، بينهم 20,647 طالبا و1,054 معلما وعاملا في القطاع التعليمي.
كما أشارت لجنة التحقيق الدولية التابعة للأمم المتحدة إلى أن 15,613 طفلا في غزة كانوا قد قُتلوا، وفق بيانات وزارة الصحة حتى 23 مارس/آذار 2025، في وقت كان فيه أكثر من 658 ألف طفل في سن المدرسة محرومين من التعليم الرسمي.
وبالنسبة إلى المدارس، تعني هذه الخسائر أن العودة لا تقتصر على إصلاح المباني؛ فبعض المقاعد بقيت فارغة، كما فقدت المنظومة التعليمية معلمين وعاملين كانوا جزءا من مجتمعات مدرسية كاملة قبل الحرب.
أكثر من 280 ألف طفل في بيئات تعليمية مؤقتة
يواصل أكثر من 280 ألف طفل تعليمهم في خيام أو غرف صفية متضررة، فيما فقدت الأونروا القدرة على استخدام 95% من مدارسها الـ182 التي كانت مجهزة بالكامل قبل الحرب. وفي بعض أماكن التعليم لا تتوافر مقاعد كافية، فيجلس الأطفال على الأرض أو فوق البطانيات.
وفي محاولة لتعويض جزء من النقص، أُدخل إلى القطاع نحو 900 ألف حقيبة مدرسية لتوزيعها على الطلبة، لكن الفجوة ما تزال كبيرة في الكتب والقرطاسية والمقاعد وغيرها من المستلزمات.
صورة الطفل الذي يحمل حقيبته صباحا تخفي واقعا أكثر تعقيدا؛ فقد تكون مدرسته خيمة، وصفه غرفة متضررة، ودوامه ثلاثة أيام أسبوعيا فقط، فيما يحاول معلمه استيعاب عشرات الطلبة في ظروف استثنائية.
وكانت اليونيسف قد أفادت بأن نحو 420 ألف طفل لم يكن لديهم، حتى أبريل/نيسان 2026، أي وصول إلى التعليم الوجاهي. وحتى مع عودة جزء من المدارس، يظل الوصول إليها تحديا في ظل الركام ومخلفات الحرب والذخائر غير المنفجرة، فيما تقدر كمية الركام في القطاع بنحو 60 مليون طن.
وهكذا، فإن صورة الطفل الذي يحمل حقيبته صباحا تخفي واقعا أكثر تعقيدا؛ فقد تكون مدرسته خيمة، وصفه غرفة متضررة، ودوامه ثلاثة أيام أسبوعيا فقط، فيما يحاول معلمه استيعاب عشرات الطلبة في ظروف استثنائية.
عودة إلى التعليم.. لا إلى المدرسة التي عرفوهابعد ثلاثة أعوام من الانقطاع، تستعيد غزة فكرة المدرسة قبل أن تستعيد مبنى المدرسة. عاد مئات آلاف الأطفال إلى شكل من أشكال التعليم الوجاهي، لكن داخل منظومة مؤقتة ومضغوطة، تقل فيها أيام الدراسة وساعاتها، وتتفاوت فيها الإمكانات بين مدرسة وأخرى، بينما تحاول الأسر سد ما تستطيع من فجوات.
وبين نحو 700 ألف طفل حُرموا من التعليم الوجاهي المنتظم خلال سنوات الحرب، ومئات المنشآت التعليمية المدمرة أو المتضررة، وعشرات آلاف الضحايا من الطلبة والعاملين في التعليم، تبدو استعادة المدرسة في غزة أكبر بكثير من مجرد فتح أبواب الصفوف.
إنها محاولة لإعادة بناء مسار تعليمي كامل، بينما لا تزال المدرسة والطالب والمعلم يحملون آثار ثلاثة أعوام من الحرب.