عقاب المستوطنات.. حصانة لدولة الاستيطان
30 سبتمبر 2026
انشر الخبر على منصتك المفضلة
حين تُقتلع شجرة زيتون من أرض فلسطينية، يظهر في الصورة سائق الجرافة، وربما مستوطن مسلح وجندي يحرس المكان. أما القرار الذي أتاح اقتلاعها، والمؤسسات التي تدير الاستيلاء على الأرض، فتظل خارج الإطار. وفي هذا الاختزال تكمن مشكلة التعامل الدولي مع الاستيطان: ملاحقة بعض الوجوه الظاهرة، مع إبقاء السلطة التي تمنحها القدرة على الفعل بمنأى عن كلفة حقيقية.
من هنا، تكتسب مقاطعة المستوطنات أهميتها وحدودها معا. فهي خطوة ضرورية لرفض الانتفاع من الأرض المحتلة، لكنها تصبح قاصرة حين تنتهي عند منتجات المستوطنة، ولا تصل إلى المؤسسات التي تخطط لها وتمولها وتحمي استمرارها. والسؤال الذي ينبغي أن يرافق كل إجراء ضد الاستيطان هو: إلى أي مدى يمسّ قدرة الدولة الإسرائيلية على مواصلة إنتاجه؟
يتيح حصر العقاب في المستوطنين للدولة الإسرائيلية التنصل من مسؤوليتها عن مشروع تقوده مؤسساتها، ويختزل سياسة الاستيلاء على الأرض في اعتداءات أفراد. وتقتضي المحاسبة أن تشمل من يرتكب الجريمة ومن يهيّئ شروطها ويموّلها ويوفّر لها الحماية؛ فمسؤولية المستوطن عن اعتدائه لا تُعفي الدولة التي تمنحه القدرة على مواصلته.
الدولة داخل المستوطنة
لا تُفهم المستوطنة بالنظر إلى البيوت المقامة على التلال وحدها. وراءها قرارات تخص الأرض والتخطيط والبنية التحتية، وترتيبات أمنية وإدارية تجعل وجودها قابلا للاستمرار والتوسع. ولهذا فإن تصوير الاستيطان بوصفه اندفاعا عقائديا لمجموعات متطرفة يحجب دوره في سياسة السيطرة على الأرض.
وقد وثّقت لجنة التحقيق الدولية المستقلة التابعة للأمم المتحدة، دور شعبة الاستيطان التابعة للمنظمة الصهيونية العالمية، والمموّلة من الحكومة الإسرائيلية، في دعم البؤر الاستيطانية وتمويلها. هذه الصلة المؤسسية تكشف كيف يتحول التوسع من رغبة لدى جماعات استيطانية إلى مشروع تتوافر له موارد الدولة وإمكاناتها.
الاعتداء على التجمع الفلسطيني يمكن أن يؤدي وظيفة تتجاوز الأذى المباشر: تضييق شروط البقاء، ودفع السكان إلى الرحيل، وفتح المجال أمام السيطرة على الأرض.
وتتجلى العلاقة أيضا في تزامن الاعتداءات مع الإجراءات الرسمية. ففي بيان صدر في يوليو/تموز 2024، ربطت مفوضية الأمم المتحدة لحقوق الإنسان بين موجة اعتداءات على تجمعات رعوية فلسطينية وبين خطوات حكومية شملت إعلان مساحات واسعة "أراضي دولة"، وتسوية أوضاع بؤر استيطانية بأثر رجعي، ودفع البناء الاستيطاني، ونقل صلاحيات إدارية إلى مكاتب حكومية إسرائيلية.
عند قراءة هذه الوقائع معا، يتضح أن الاعتداء على التجمع الفلسطيني يمكن أن يؤدي وظيفة تتجاوز الأذى المباشر: تضييق شروط البقاء، ودفع السكان إلى الرحيل، وفتح المجال أمام السيطرة على الأرض. وهنا تتكامل آثار العنف الميداني مع قرارات المكاتب، حتى عندما تختلف أدواتهما.
من إدانة الاستيطان إلى مساءلة راعيه
لا يعاني الموقف القانوني الدولي من غموض بشأن المستوطنات. فقد أكد مجلس الأمن في قراره 2334 الصادر عام 2016 افتقارها إلى الشرعية القانونية، وطالب إسرائيل بوقف الأنشطة الاستيطانية. كما دعا الدول إلى التمييز في تعاملاتها بين أراضي دولة إسرائيل والأراضي المحتلة منذ عام 1967.
لهذا التمييز وظيفة أساسية: منع التعامل مع الأرض المحتلة بوصفها جزءا من إسرائيل. لكنه لا يمنح المؤسسات الإسرائيلية حصانة من المساءلة عن أفعالها في تلك الأرض.
حين تُختزل خطورة الاستيطان في أنه يهدد "حل الدولتين"، يتراجع الإنسان الفلسطيني خلف مستقبل تفاوضي مؤجل.
وفي رأيها الاستشاري الصادر في 19 يوليو/تموز 2024، خلصت محكمة العدل الدولية إلى عدم قانونية استمرار الوجود الإسرائيلي في الأرض الفلسطينية المحتلة. وأكدت التزام الدول بعدم الاعتراف بشرعية الوضع الناشئ عنه، وعدم تقديم العون أو المساعدة في استمراره. بذلك، يمتد السؤال من منشأ البضاعة إلى طبيعة العلاقة التي قد تساعد على إبقاء الاحتلال.
هذه نقطة جوهرية في تقييم أي سياسة للمقاطعة. فاستبعاد سلعة منتجة في مستوطنة إجراء له قيمة، لكن اكتمال أثره يتطلب فحص التمويل والاستثمار والتعاون الذي تستفيد منه المؤسسات المنخرطة في الاحتلال. وقد دعت لجنة التحقيق الدولية، في ورقة موقف بشأن تنفيذ رأي المحكمة، الدول إلى مراجعة اتفاقاتها التجارية والاقتصادية مع إسرائيل، بما يمنع الأنشطة والدعم المالي اللذين يسهمان في إدامة الاحتلال غير القانوني.
حق الفلسطيني في الأرض يتقدم على راحة الدبلوماسية
حين تُختزل خطورة الاستيطان في أنه يهدد "حل الدولتين"، يتراجع الإنسان الفلسطيني خلف مستقبل تفاوضي مؤجل. لكن خسارة الأرض تحدث الآن، وحرمان المزارع من مصدر رزقه يقع الآن، وانقطاع صلة القرية بمحيطها يغيّر حياة سكانها قبل أن يُرسم أي اتفاق.
قيمة الأرض لا تستمد مشروعيتها من صلاحيتها لإقامة دولة في المستقبل. إنها موطن أصحابها، ومصدر عيشهم، وحيز ذاكرتهم وحياتهم المشتركة. ومن هذا الحق تنطلق مقاومة الاقتلاع، ويتأسس رفض تحويل الفلسطيني إلى شخص ينتظر الإذن بالبقاء فوق أرضه.
ولهذا، فإن دعم الفلسطينيين يقتضي الاعتراف بقدرتهم على الفعل: تنظيم الدفاع عن أراضيهم، وتوثيق الاعتداءات، وملاحقة المسؤولين عنها، وبناء حملات المقاطعة، وممارسة حقهم في تقرير المصير. اختزالهم في صورة الضحايا المحتاجين إلى الإغاثة يترك علاقة السيطرة نفسها خارج النقاش.
أما محاسبة المستوطنين المسؤولين عن الاعتداءات، فهي ضرورة قائمة بذاتها. ولا يجوز استخدام مسؤولية الدولة لتذويب مسؤولية الفرد، كما لا يجوز استخدام معاقبة الفرد لإغلاق ملف الدولة. المساءلة الجدية تصل بين من ينفذ الاعتداء ومن يسهّله ويموّله ويحمي استمراره.
ما دامت الدولة قادرة على إنشاء مزيد من المستوطنات وتعويض خسائرها وحماية توسعها، ستبقى العقوبات المحصورة عند أطراف المشروع أقل من المطلوب.
بناءً على ذلك، ينبغي أن تكون مقاطعة المستوطنات مدخلا إلى ضغط أوسع على المؤسسات المتورطة في الاحتلال، وأن تقترن بمطالب واضحة لوقف الدعم الذي يتيح استمرار الانتهاكات. وهنا تبرز ضرورة الدفع نحو مقاطعة أشمل للدولة الإسرائيلية بوصفها وسيلة ضغط سلمية، من دون الادعاء أن أثرها مضمون أو أنها تغني عن بقية أدوات النضال.
المعيار في النهاية هو ما يتغير في حياة الفلسطيني: هل يستطيع الوصول إلى أرضه؟ هل يأمن البقاء في بيته؟ وهل يصبح الاعتداء عليه مكلفا لمن يرتكبه ولمن يرعاه؟
ما دامت الدولة قادرة على إنشاء مزيد من المستوطنات وتعويض خسائرها وحماية توسعها، ستبقى العقوبات المحصورة عند أطراف المشروع أقل من المطلوب. فالعدالة تقتضي أن تصل المحاسبة إلى المكان الذي يُتخذ فيه قرار سلب الأرض، وأن تنتهي باستعادة أصحابها القدرة على العيش فيها بحرية.