عمرو سويدان...رصاص الاحتلال أقعده إلى الأبد
30 سبتمبر 2026
انشر الخبر على منصتك المفضلة
في الثالث عشر من شباط/فبراير 2024، خرج عمرو سويدان من منزل عائلته في بلدة عزون، شرق قلقيلية، كما يفعل أي فتى لقضاء حاجة عابرة. استقل دراجة كهربائية تعود لابن الجيران، وفي الطريق التقى بصديقه فأركبه خلفه، ومضيا معًا.
لم يكن عمرو ورفيقه يعلمان أن قوات الاحتلال تقتحم البلدة في تلك اللحظة، حتى وجدا نفسيهما وجهًا لوجه أمامها. استدار عمرو سريعا محاولا العودة من حيث أتى، مدركًا الخطر الذي يعنيه البقاء أمام القوات المقتحمة.
وبحسب توثيق الحركة العالمية للدفاع عن الأطفال – فلسطين، لاحقهما جيب عسكري في شوارع عزون، وحاول صدمهما أكثر من مرة، قبل أن يسقطا عن الدراجة. تمكن رفيق عمرو من الفرار، فيما نهض عمرو محاولا الابتعاد، إلا أن أحد الجنود فتح باب المركبة بقوة وضربه به، ليسقط أرضا من جديد.
عندها ترجل جندي كان يجلس إلى جانب السائق، وصوّب سلاحه نحو رقبة عمرو وأطلق النار عليه من مسافة صفر. وبعد دقائق، وضع يده فوق موضع الإصابة وقال له، بحسب شهادات وثقتها الحركة العالمية للدفاع عن الأطفال: "مُت.. مُت"
ومنعت القوات المقتحمة أي شخص من الاقتراب منه أو تقديم الإسعاف له، قبل أن تنسحب بعد دقائق، تاركة عمرو ملقى على الأرض ينزف.
خرجتُ وقلبي يتوجس شرافي الأزقة المكتظة بالمنازل وسط البلدة، شاهد بعض الأهالي ما جرى، فيما سمع آخرون تفاصيله عن قرب. وسرعان ما انتشر خبر إصابة شاب، قبل أن تتداول روايات غير مؤكدة عن استشهاده.
وقفت أم عمرو عند باب منزلها تستطلع ما يجري، وقلبها يتوجس شرا. لم تكن تعرف أن الخبر الذي تحاول التحقق منه سيحمل اسم ابنها. تقول، وهي تستعيد تلك اللحظات: "علمت بإصابة شاب في البلدة من قناة على تيليغرام، ولم يُذكر اسم المصاب. وكان بعض الشباب الذين شاهدوا الحدث قد اتصلوا بابن سلفي، فجاء راكضا إليّ ليخبرني بما سمع".
انشغل الأهالي بمحاولة التأكد من هوية المصاب، ثم جاءها السؤال الذي فتح باب الخوف على مصراعيه: "اتصل بي الشباب وسألوني: شو لون بلوزة عمرو؟ قلت لهم: سكني". وبعد لحظات جاءها الجواب الذي كانت تخشاه: "قالوا لي: نعم، هو".
قلبها ظل معلقا هناك، في المستشفى، حيث كان ابنها يصارع إصابة لا تعرف إن كان سينجو منها، فيما بقي والده إلى جانبه في العناية المكثفة.
توقفت الكلمات في حلقها. أخذت نفسا عميقا، ثم تابعت: "بمجرد ما قالوا لي، قعدت على الأرض، وما قدرت أتحرك. رنيت على أبوه، وبصعوبة قلت له: الولد... اتصاوب". أسرع الأب إلى مستشفى عزون، حيث نُقل عمرو بداية، ثم حُوّل إلى مستشفى درويش نزال في قلقيلية، قبل أن يُنقل إلى المستشفى العربي التخصصي في نابلس بسبب خطورة حالته.
أما والدته فلحقت به إلى مستشفى درويش نزال، وحين رأته تفطّر قلبها. تقول: "لحقت عليه على مستشفى درويش نزال، بس ما خلوني أركب معه في سيارة الإسعاف لما نقلوه على المستشفى العربي التخصصي". اضطرت إلى العودة إلى منزلها للاهتمام بأطفالها، فوجدته ممتلئا بالأقارب والجيران الذين حضروا لمؤازرة الأسرة. لكن قلبها ظل معلقا هناك، في المستشفى، حيث كان ابنها يصارع إصابة لا تعرف إن كان سينجو منها، فيما بقي والده إلى جانبه في العناية المكثفة.
ابنها الذي يحب الأرض
حين تتحدث أم عمرو عن ابنها، لا تبدأ من الرصاصة، بل من الفتى الذي كان قبلها. تتذكره شغوفا بالأرض والرحلات، يحب الخروج إلى الحقول، ومساعدة الجيران والأصدقاء في الأعمال الزراعية من دون أن ينتظر مقابلا. كان يكفيه ما يمنحونه له بمحبة من ثمار الأرض التي ساعد في زراعتها أو قطافها.
وكان عمرو يجد نفسه في العمل أكثر مما يجدها في مقاعد الدراسة. شغفه بكل ما يمكن إنجازه باليد دفعه إلى تعلّم إصلاح الدراجات الهوائية وصيانة الهواتف المحمولة، إلى جانب حبه للحركة والعمل وقضاء الوقت مع أصدقائه في الطبيعة، حيث يطهون الطعام على الحطب ويبتعدون لساعات عن ضجيج البلدة.
من الحركة إلى السريربعد إصابته، أمضى عمرو شهرا كاملا في العناية المكثفة. تسببت الرصاصة بكسور في فقرات الرقبة وقطع في الحبل الشوكي، ما أدى إلى إصابته بشلل رباعي أفقده القدرة على تحريك جسده باستثناء رأسه، كما أصبح يعتمد على فتحة دائمة في الرقبة متصلة بالقصبة الهوائية لمساعدته على التنفس.
لكن كلمة "شلل" بالنسبة إلى والدته لا تختصر ما حدث. فالفتى الذي كان يخرج إلى الحقول، ويركب الدراجة ويصلحها، ويحمل حاجيات المنزل، صار يقضي معظم يومه بين السرير والكرسي المتحرك. والذي اعتاد مساعدة الآخرين، أصبح هو من يحتاج إلى المساعدة. والذي كانت حركته تمتد بين البيت والحارة والحقول، بات عالمه محصورًا في المسافة التي يستطيع كرسيه المتحرك أن يقطعها.
سبعة أشهر لم تكن بالنسبة إليها مجرد مدة للعلاج، بل أشهرًا من التنقل المستمر والانتظار والقلق، ومن العودة إلى المنزل مساءً وهي لا تعرف ما الذي سيحمله اليوم التالي.
ومن مستشفى إلى آخر، بدأت رحلة طويلة من العلاج والتأهيل. بعد خروجه من المستشفى العربي التخصصي، أمضى عمرو سبعة أشهر في مركز ابن سينا في جنين للعلاج الطبيعي والتأهيل.
وفي موازاة رحلة علاجه، كانت والدته تخوض رحلة أخرى. كانت تتنقل من عزون إلى المستشفيات ومراكز العلاج وسط إغلاقات الطرق والحواجز، وتضطر في أوقات كثيرة إلى سلوك طرق أطول وأكثر وعورة، بتكاليف إضافية أثقلت كاهل الأسرة.
سبعة أشهر لم تكن بالنسبة إليها مجرد مدة للعلاج، بل أشهرًا من التنقل المستمر والانتظار والقلق، ومن العودة إلى المنزل مساءً وهي لا تعرف ما الذي سيحمله اليوم التالي.
كان جسد عمرو يخوض معركة العلاج، فيما كانت أسرته تخوض معركة أخرى لتأمين المال والوصول إلى المستشفى والاستمرار في رعايته.
كان يعمل كل شيء وحدهتقول الأم إن إصابة عمرو لم تغيّر حياته وحده، بل غيّرت شكل الحياة داخل البيت كله. الأب والإخوة، الذين كانت لكل منهم حياته خارج المنزل بين العمل والمدرسة، أصبحوا أكثر ارتباطًا به، يتناوبون على رعايته ومساعدته. وصارت تفاصيل اليوم تُبنى حول احتياجات عمرو من الدواء والطعام والعلاج والتنقل والمساعدة في أبسط شؤون حياته.
أما حالته النفسية، فتضيف عبئا آخر إلى المشهد. تقول والدته إن عمرو أصبح كثير الصمت والشرود، وفي بعض الأيام لا يرغب في رؤية أحد، حتى هي. وهذا من أشد ما يؤلمها؛ أن ترى ابنها أمامها، من دون أن يعود ذلك الفتى الذي تعرفه، المفعم بالحركة والحيوية. وتقول: "كان يحب الناس ويعمل كل شيء وحده، وما يهدأ طول النهار. أما الآن، فيختار الصمت، وأبسط حركة منه تحتاج إلى مساعدة".
أمنيات صغيرة بحجم الحياة
لا تتحدث والدته عن أحلام بعيدة. كل ما تتمناه أن يحصل ابنها على الرعاية الطبية التي يحتاج إليها، وأن تتوافر أدويته وعلاجاته بصورة منتظمة، وأن يتمكن من مواصلة برنامج التأهيل الضروري له، على أمل أن يتحسن شيء من حالته، في وقت تعجز فيه الأسرة عن تحمل تكاليف العلاج وحدها.
ثم تأتي أمنيات تبدو عادية في حياة أي فتى، لكنها لم تعد كذلك في حياة عمرو. تريد والدته أن تشتري له هاتفًا محمولًا؛ رغبة بسيطة لفتى في السابعة عشرة، لكنها تحولت إلى أمنية مؤجلة أمام ضيق الحال وتكاليف العلاج المتواصلة.
في حياة عمرو الجديدة، حتى الأشياء الصغيرة أصبحت تحتاج إلى حساب. الهاتف يحتاج إلى مال، والدواء يحتاج إلى مال، والطريق إلى المستشفى يحتاج إلى مال، والرعاية اليومية تحتاج إلى أسرة قادرة على الاستمرار في الوقوف إلى جانبه.
ابنها ما يزال حيًا، ولهذا لا تتحدث عنه بوصفه نهاية للقصة، بل بوصفه فتى ما تزال تنتظر له فرصة أخرى.
الرصاصة لم تقتل عمرو، لكنها سلبت أطرافه القدرة على الحركة، وغيّرت شكل الحياة داخل منزل عائلته. ومنذ ذلك اليوم، لم يعد الزمن في بيت سويدان يُقاس كما كان؛ صار يُقاس بمواعيد الدواء، وجلسات العلاج، والطرق المغلقة، والحواجز، والرحلات إلى المستشفى، وباللحظات التي تراقب فيها الأم وجه ابنها بحثًا عن إشارة صغيرة تقول إن شيئًا قد يتحسن.
ومع ذلك، تتمسك بما بقي. ابنها ما يزال حيًا، ولهذا لا تتحدث عنه بوصفه نهاية للقصة، بل بوصفه فتى ما تزال تنتظر له فرصة أخرى.