من الضفة إلى الجليل.. بؤر الرعي أداة لتهويد الأرض
28 سبتمبر 2026
انشر الخبر على منصتك المفضلة
لم يكن المشهد على إحدى تلال الضفة الغربية، وإن حمل تفاصيلها المألوفة: مستوطنون شبان، وخيام حديثة، وحظيرة مواش، وخزانات مياه، وعلم إسرائيلي، وأرض مهّدتها جرافة. هذه المرة، ظهر المشهد قرب بلدة مجد الكروم الفلسطينية في الجليل الغربي، داخل أراضي عام 1948، ليعيد طرح السؤال عن حدود المشروع الاستيطاني وأدوات تمدده.
ورغم نجاح التحرك الشعبي في فرض تفكيك البؤرة، فإن إعلان الصندوق القومي اليهودي عزمه إعادة إقامة مخيم رعوي أصغر في المكان أبقى المواجهة مفتوحة. فبالنسبة إلى الأهالي، لا يتعلق الأمر بخيام أُزيلت، بل بمحاولة تثبيت وجود استيطاني قد يتحول تدريجيا إلى سيطرة على أراضيهم ومصدر تهديد لبساتينهم وحقهم في الوصول إليها.
ويكشف تقرير لمجلة "+972"، يستند إليه هذا المقال، تفاصيل محاولة نقل نموذج البؤر الرعوية من الضفة إلى الجليل، في وقت يدعو فيه قادة في اليمين الإسرائيلي إلى استخدام المزارع والمواشي أداة للاستيلاء على الأرض وتعزيز تهويد المناطق الفلسطينية داخل الخط الأخضر.
تصريح للرعي.. وبنية للبقاء
بدأ اكتشاف البؤرة مع توجه مزارعين من مجد الكروم إلى بساتين الزيتون استعدادا لموسم القطاف. وبحسب رامي حيدر، عضو اللجنة الشعبية وأحد ملاك الأراضي في المنطقة، قادت خطوط المياه والكهرباء الأهالي إلى الموقع، حيث وجدوا المستوطنين يستخدمون بئرا قديمة، ويركبون مضخة عليها، ويقطعون أشجارا من المنطقة الحرجية.
أُقيم معظم البؤرة على أرض يديرها الصندوق القومي اليهودي في منطقة الروس، ضمن حدود نفوذ مجد الكروم، وتحيط بها أراض خاصة لأهالي البلدة. لكن وثائق تسجيل الأراضي أظهرت امتداد جزء من المخيم إلى ملكية فلسطينية خاصة.
الموقع الذي تقدمه الجهات الإسرائيلية باعتباره مساحة للرعي، يتعامل معه بعض الموجودين فيه بوصفه أرضا يملكون حق البقاء الدائم عليها.
أما الغطاء المعلن، فكان تصريحا منحه الصندوق لأحد السكان الإسرائيليين المحليين لرعي المواشي. غير أن الخيام والمنشآت سبقت وصول القطيع، فيما كانت تجهيزات المياه والكهرباء توحي باستعداد للبقاء,
ارتفع عدد أفراد المجموعة ارتفع من خمسة أشخاص إلى 12، ثم إلى نحو 40. وأخبر أحدهم السكان بأنه جاء من مستوطنة تقوع في الضفة الغربية، بينما أعلن آخر: "هذه أرضنا إلى الأبد".
تختصر هذه العبارة جوهر مخاوف الأهالي؛ فالموقع الذي تقدمه الجهات الإسرائيلية باعتباره مساحة للرعي، يتعامل معه بعض الموجودين فيه بوصفه أرضا يملكون حق البقاء الدائم عليها. ومن هنا، يصبح الخلاف أوسع من عدد الخيام وحدود التصريح، ليطال الغاية من الوجود نفسه.
أرض تحمل ذاكرة المصادرة
لا تبدأ حكاية الأرض في مجد الكروم مع وصول المستوطنين الجدد. فبحسب حيدر، كانت بعض الأراضي المصنفة اليوم أملاكا للدولة تعود إلى أهالي البلدة، قبل انتقالها إلى الدولة تحت تصنيف "أملاك الغائبين" عقب تهجير أصحابها في نكبة عام 1948.
تمنح هذه الخلفية المواجهة الراهنة معناها التاريخي. فالأهالي ينظرون إلى ما يجري انطلاقا من تجربة طويلة مع اقتلاع الفلسطينيين ونقل ملكية أراضيهم، ثم التعامل مع نتائج ذلك باعتبارها واقعًا قانونيا قائما.
لا تبدو البؤرة قرب مجد الكروم حادثة معزولة عن سياق سياسي أوسع. فقد دعا قادة في اليمين الإسرائيلي، يتقدمهم وزير المالية بتسلئيل سموتريتش، إلى نقل النموذج نفسه إلى الجليل والنقب.
وحين يقول مسؤول الشرطة في الموقع إن "هذه أرض دولة"، فإن هذا الوصف لا يجيب عن سؤال أصحابها السابقين، ولا يبدد الخشية من استخدام الأرض المصادرة نقطة انطلاق نحو الأراضي الخاصة المحيطة.
وقد عبّر سكان مجد الكروم، عن هذا القلق بوضوح، محذرين من تكرار ما حدث في الضفة، إذ يبدأ الأمر بمنع المزارعين من الوصول إلى أشجارهم، ثم يتطور إلى التمدد داخل البساتين.
نموذج الضفة يتجاوز الخط الأخضرتقوم البؤر الرعوية على معادلة تتيح لمجموعات صغيرة السيطرة على مساحات واسعة: خيام ومنشآت محدودة، تقابلها حركة قطعان ورعاة في الأراضي المحيطة، وما قد يرافق ذلك من تضييق على أصحاب الأرض وإبعادهم عنها.
وقد وثّق تحقيق نشرته "+972" و"لوكال كول" و"ذا نيشن" في آذار/مارس 2026، استنادا إلى أبحاث منظمة "كيرم نافوت"، إقامة 152 بؤرة في الضفة الغربية منذ السابع من أكتوبر. وبحسب المعطيات التي أوردها التقرير، بات مستوطنو البؤر يسيطرون على نحو مليون دونم، بما يقارب 18% من مساحة الضفة.
وكانت تصاريح الرعي إحدى الأدوات التي أتاحت لهذه المزارع فرض السيطرة على أراض تفوق بكثير المساحات التي تشغلها منشآتها. ولهذا، لا تبدو البؤرة قرب مجد الكروم حادثة معزولة عن سياق سياسي أوسع. فقد دعا قادة في اليمين الإسرائيلي، يتقدمهم وزير المالية بتسلئيل سموتريتش، إلى نقل النموذج نفسه إلى الجليل والنقب، بالتوازي مع خطاب يصور نمو البلدات العربية باعتباره "غزوا" وتهديدا أمنيا.
الحضور الشعبي يفرض التراجع
واجه أهالي مجد الكروم البؤرة بحضور ميداني متواصل، جمع بين الاحتجاج والعمل في الأرض والمبيت فيها. وتوافد مئات السكان إلى المنطقة، وانضم إليهم ناشطون يساريون وسكان من بلدات يهودية مجاورة، بالتزامن مع تحرك قانوني وإعلامي قاده المجلس المحلي واللجنة الشعبية.
حضر الشبان على الدراجات والخيول، وفرش الأهالي الحصر في المكان، وقرر بعض أصحاب الأراضي قضاء الليل قرب بساتينهم خشية الإضرار بالأشجار والمحاصيل. كان الوجود اليومي وسيلة لمنع تكريس الموقع أمرًا واقعًا، ولتأكيد أن الأرض لم تصبح متاحة لمجرد نصب خيام فيها.
في المقابل، قيّدت الشرطة الوصول إلى المنطقة، وأغلقت طريقا يستخدمه الأهالي للوصول إلى أراضيهم عبر بلدة غيلون المجاورة، ما اضطرهم إلى سلوك طرق ترابية. كما اعتقلت عددًا من المحتجين خلال التحركات.
في مجد الكروم، يتجسد الدفاع عن الأرض في الوصول إلى بستان، وحماية شجرة، والمبيت قرب محصول. وهي أفعال يومية تكتسب معناها المقاوم حين تصبح محاولة قطع صلة الفلسطيني بأرضه مشروعًا معلنًا، وحين يكون البقاء نفسه ما يسعى الاستيطان إلى تقويضه.
ومع ذلك، أتاح اختلاف الإطار القانوني عن الضفة الغربية هامشا للأهالي؛ إذ لم يكن ممكنا استخدام أوامر "المنطقة العسكرية المغلقة" لإبعادهم، وهي أداة كثيرا ما تُستخدم في الضفة لمنع الفلسطينيين من الوصول إلى أراضيهم مع بقاء المستوطنين فيها.
وبعد أيام من الضغط، أمر الصندوق القومي اليهودي بتفكيك الخيام والمنشآت، وصولا إلى إخلاء البؤرة. وقد أثبت هذا التراجع قدرة التحرك الشعبي المبكر، حين يقترن بالمتابعة القانونية والإعلامية، على عرقلة تثبيت الوجود الاستيطاني.
لقد نجح سكان مجد الكروم في إزالة البؤرة بصورتها الأولى، لكن إعلان العودة يبقي أسباب احتجاجهم قائمة. لذلك تمسك المجلس المحلي واللجنة الشعبية بدعوة الأهالي إلى مواصلة الحضور وزراعة أراضيهم، لمنع تحول الوجود المؤقت إلى واقع دائم.
في مجد الكروم، يتجسد الدفاع عن الأرض في الوصول إلى بستان، وحماية شجرة، والمبيت قرب محصول. وهي أفعال يومية تكتسب معناها المقاوم حين تصبح محاولة قطع صلة الفلسطيني بأرضه مشروعًا معلنًا، وحين يكون البقاء نفسه ما يسعى الاستيطان إلى تقويضه.