الإبادة الجماعية... فصل جديد في نكبتنا المستمرة
26 سبتمبر 2026
انشر الخبر على منصتك المفضلة
لم نكن نُدرك، ونحن نجلس أمام الشاشات نتابع أحداث "التغريبة الفلسطينية"، أننا في يوم ما لن نكتفي بالبكاء على أبطالها، بل سنصبح نحن أبطال تغريبتنا الجديدة.
كنا نرى البيوت تُترك خلف أصحابها، والعائلات تتفرق على الطرقات، والأمهات يحتضن أبناءهن خوفا من المجهول، والخيام تُنصب لتحتضن من اقتُلعوا من ديارهم. كنا نشاهد كل ذلك، ونستمع إلى حكايات آبائنا وأجدادنا عن النكبة والتهجير والفقد، دون أن نعلم أن الأيام ستدور بنا، وأننا سنجد أنفسنا نعيش تفاصيل الحكاية ذاتها.
لم نكن نعلم أننا سنغادر بيوتنا ونحن لا نعرف إن كنا سنعود إليها، وأن الطرقات التي رأيناها في المسلسل ستصبح طرق نزوحنا، وأن الخيام التي أبكتنا ستصبح بيوتنا، وأن الفقد الذي تابعناه في حكايات آبائنا وأجدادنا سيصبح أسماء نحفظها عن ظهر قلب، ووجوها نبحث عنها بين الركام.
في غزة، لم تكن الحرب يوما مجرد خبر يُذاع، ولا رقما يُكتب في شريط إخباري. كانت تدخل إلى بيوتنا، وتطرق أبوابنا، وتختار منا مَن تشاء. كانت تأخذ طفلا من حضن أمه، وأبا من بين أبنائه، وأما من قلب بيتها، ثم تترك خلفها سؤالا واحدا لا يجد جوابا: ماذا فعلنا لنستحق كل هذا الموت؟
كنا نظن أن "التغريبة الفلسطينية" مسلسل يروي ما عاشه آباؤنا، فإذا بنا نكتشف أن الحكاية لم تنتهِ بعد، وأن ما ظنناه ذاكرة بعيدة أصبح واقعًا نعيشه بكل تفاصيله. لكن الفرق هذه المرة أننا لم نكن نستمع إلى الحكاية من أفواه من عاشوها، بل كنا نعيشها بأنفسنا. لم تعد النكبة صورة قديمة في كتاب التاريخ، ولم يعد النزوح مشهدا محفوظا في مسلسل، ولم تعد الخيام ذكرى نسمع عنها كلما تحدث آباؤنا عن الماضي؛ بل أصبحت جزءا من يومنا، وأصبح لكل واحد منا حكايته الخاصة مع الرحيل، والفقد، والخوف، وانتظار المجهول.
في غزة، لم تكن الحرب يوما مجرد خبر يُذاع، ولا رقما يُكتب في شريط إخباري. كانت تدخل إلى بيوتنا، وتطرق أبوابنا، وتختار منا مَن تشاء. كانت تأخذ طفلا من حضن أمه، وأبا من بين أبنائه، وأما من قلب بيتها، ثم تترك خلفها سؤالا واحدا لا يجد جوابا: ماذا فعلنا لنستحق كل هذا الموت؟
أي كراهية تلك التي تجعل مدينة بأكملها هدفا للموت؟ وأي حقد يمكن أن يحمله الاحتلال حتى لا يكتفي بقتل الإنسان، بل يلاحق بيته، ومدرسته، ومسجده، ومستشفاه، وذكرياته، وكل تفصيل يمكن أن يربطه بالحياة؟
عاد الفلسطيني يحمل حاجاته على كتفه، ويبحث عن مكان يأويه. عادت الأم تجمع أبناءها حولها خوفا من أن يسرقهم الموت.
لم تكن المجازر التي ارتُكبت بحق أهل غزة مشاهد عابرة في حرب، بل كانت جرحا مفتوحا في قلب شعب كامل. عائلات أُبيدت، وأطفال انتشلوا من تحت الركام، وأمهات ودعن أبناءهن، وآباء وقفوا أمام بقايا بيوتهم يبحثون عن حياة كانت هنا قبل لحظات.
تحولت البيوت إلى ركام، والمدارس إلى ملاجئ، والملاجئ إلى أماكن لا تعرف الأمان، واضطر الناس إلى حمل ما خف من حاجاتهم والرحيل مرارًا، وكأن الفلسطيني كُتب عليه أن يبقى حاملًا وطنه في قلبه كلما سُلب منه مكان على الأرض.
هنا، عادت "التغريبة" إلينا بكل تفاصيلها
عاد الفلسطيني يحمل حاجاته على كتفه، ويبحث عن مكان يأويه. عادت الأم تجمع أبناءها حولها خوفا من أن يسرقهم الموت. عاد الأب يقف أمام الركام يبحث عن بيت لم يعد موجودا، أو عن وجه غاب تحت الحجارة. وعادت الخيام لتخبرنا أن الزمن، رغم مرور العقود، لم يستطع أن يُنهي حكاية شعب أراد الاحتلال أن يقتلعه من أرضه.
ولكن الأقسى من كل ذلك، أن العالم كان يشاهد. كان يشاهد الأطفال وهم يُقتلون، والبيوت وهي تُدمر، والعائلات وهي تُهجر، والناس وهم يبحثون عن الماء والطعام والدواء ومكان آمن، ثم يكتفي بالتصريحات، والقلق، والدعوات إلى ضبط النفس. كأن دم الفلسطيني أقل قيمة، وكأن صرخته تحتاج إلى ترجمة كي يفهمها العالم، وكأن عليه أن يموت بطريقة أكثر إقناعا حتى يستحق أن يُنقذ.
أين كانت الدول التي لا تتوقف عن الحديث عن حقوق الإنسان؟ أين كانت القوانين التي وُضعت لحماية المدنيين؟ أين كانت الإنسانية حين أصبح الموت رفيقا يوميًا لأهل غزة؟
أين كانت الدول التي لا تتوقف عن الحديث عن حقوق الإنسان؟ أين كانت القوانين التي وُضعت لحماية المدنيين؟ أين كانت الإنسانية حين أصبح الموت رفيقا يوميًا لأهل غزة؟
لقد وقف العالم طويلا أمام المأساة متفرجا، وكأن ما يحدث لا يعنيه. تُعقد الاجتماعات، وتُلقى الخطب، وتصدر البيانات، بينما يستمرّ الفلسطيني في دفع الثمن من دمه وبيته وعمره. ولم يكن الصمت أقل وجعا من القصف؛ فالقصف يقتل الجسد، أما الصمت فيقتل ما تبقى من الإيمان بأن هذا العالم يمكن أن ينصف المظلوم.
ووسط هذا كله، لم يكن الفلسطيني أمام الاحتلال والقتل والتهجير وحده فقط، بل كان أمام سؤال أكبر: ماذا يفعل الإنسان حين تُغلق في وجهه كل الأبواب؟ حين يُقتل أهله، ويُهجر من بيته، ويُحاصر في أرضه، ثم يُطلب منه أن يصمت؟
من رحم الاحتلال، ومن سنوات القهر والقتل والتهجير، وُلدت المقاومة. لم تكن فكرة جاءت من فراغ، ولا خيارا وُلِد في زمن من الراحة، بل كانت نتيجة لواقع طويل من الظلم. فالشعب الذي تُسلب أرضه، وتُقتل عائلاته، ويُهجر من بيته، ثم يُترك وحيدا أمام كل ذلك، لا يمكن أن يُطلب منه أن يعيش مستسلمًا لظلمه.
وحين تُغلق كل الأبواب أمام شعب يبحث عن حقه، وحين تصبح القوانين الدولية مجرد كلمات لا تحمي طفلا ولا توقف مجزرة، وحين يصمت العالم أمام الدم، فإن المقاومة لا تأتي من فراغ، بل تنشأ من شعور الإنسان بأن عليه أن يتمسك بحقه، وألا يسمح للظلم بأن يصبح قدرا.
كم مرة يجب أن يُهجر الفلسطيني حتى يقتنع العالم أن هذه ليست "تغريبة" نشاهدها على الشاشة، بل جريمة ما زالت تحدث أمام أعيننا؟
ربما كنا نظن، ونحن نشاهد "التغريبة الفلسطينية"، أن أكثر ما يؤلم فيها هو أنها حكاية حدثت وانتهت. لكننا اليوم نعرف الحقيقة؛ الحكاية لم تنتهِ، والشخصيات لم تغادر، والمشهد لم يُغلق.
نحن امتداد أولئك الذين ساروا على الطرقات قبلنا، وحملوا مفاتيح بيوتهم، وانتظروا العودة. نحن أبناء الحكاية التي حاول كثيرون أن يجعلوها ذكرى، فإذا بها تعود في كل جيل بثوب جديد، ووجع جديد، ودماء جديدة.
كنا نشاهد "التغريبة الفلسطينية" ونبكي على ما عاشه آباؤنا وأجدادنا، ولم نكن نعلم أن يوما سيأتي نُغلق فيه الشاشة، لنجد أن التغريبة لم تكن هناك. بل كانت تنتظرنا هنا، في بيوتنا التي هُدمت، وفي طرقات نزوحنا، وفي خيامنا، وفي وجوه أطفالنا، وفي الأسماء التي فقدناها، وفي المدن التي ما زالت، رغم كل شيء، تحاول أن تعيش.
فلسطين لم تكن يومًا حكايةً انتهت، وغزة لم تكن فصلا عابرا فيها، إنها الحكاية ذاتها، تُروى منذ عقود، بوجوه جديدة ودماء جديدة، لكنها تحمل السؤال نفسه: كم مرة يجب أن يُهجر الفلسطيني حتى يقتنع العالم أن هذه ليست "تغريبة" نشاهدها على الشاشة، بل جريمة ما زالت تحدث أمام أعيننا؟ وكم مرة يجب أن يُعاد المشهد، حتى يفهم العالم أن الفلسطيني لم يختر يوما أن يكون بطلا لهذه الحكاية، لكنه أُجبر في كل مرة على أن يعيشها بكل ما فيها من موت وفقد وتهجير؟ وكم مرة عليه أن يخرج من تحت الركام، حاملا ما تبقى من حياته، ليبدأ من جديد، ثم يجد نفسه أمام المشهد ذاته مرة أخرى؟