غزة في حسابات الاحتلال: إبادة تحت بند " أضرار جانبية"
22 سبتمبر 2026
انشر الخبر على منصتك المفضلة
في البيت أشياء لم تُنجز بعد. ثياب تنتظر أن تجف، ودواء ينبغي تناوله بعد الطعام، وهاتف موصول بالشاحن. ربما ترك أحدهم نصف كوبه ليعود إليه، وربما انتهى حديث بين شخصين بعبارة "بنكمل بكرا". تفاصيل صغيرة لا ينتبه إليها أحد، لأنها تنتمي إلى ذلك الاطمئنان البسيط الذي تقوم عليه الحياة: أن هناك وقتا آخر.
ثم يسقط الصاروخ، وتصبح هذه التفاصيل كلها جزءا من مكان يُشار إليه في الأخبار بكلمة واحدة: "المنزل المستهدف".
يصعب التفكير في المسافة بين العبارتين؛ البيت كما يعرفه أهله، والمنزل كما يظهر في بيان عسكري. في الأولى، يعرف الناس أي نافذة يدخل منها ضوء الصباح، وأين يجلس والدهم، وأي باب يحتاج إلى دفعة إضافية كي يُغلق. في الثانية، يكفي تحديد الموقع، والإشارة إلى هدف، وإلحاق القتلى بتفسير جاهز.
ما يشغلني هو تلك اللحظة التي تسبق الخبر. حين يكون الناس ما يزالون أحياء، يتحركون داخل بيوتهم، ويختلفون على أمور عادية، فيما تُناقش حياتهم في مكان آخر باعتبارها كلفة يمكن تحملها. هناك، قد يُتخذ قرار بموت أشخاص لم يتوقفوا بعد عن ترتيب يومهم.
ما يشغلني هو تلك اللحظة التي تسبق الخبر. حين يكون الناس ما يزالون أحياء، يتحركون داخل بيوتهم، ويختلفون على أمور عادية، فيما تُناقش حياتهم في مكان آخر باعتبارها كلفة يمكن تحملها. هناك، قد يُتخذ قرار بموت أشخاص لم يتوقفوا بعد عن ترتيب يومهم.
كيف تصبح إبادة عائلة أمرا مقبولا في حسابات الاحتلال، وتُختزل حياة أطفالها في عبارة "أضرار جانبية"؟ وكيف تتحول ذريعة "استهداف مقاوم" إلى تبرير لمحو بيت بأهله، وكأن حق الفلسطيني في مقاومة الاحتلال يمنح قاتله رخصة لقتل الجميع؟
تبدو عبارة "أضرار جانبية" قادرة على المرور بسهولة في الكلام. قصيرة ومحايدة ظاهريا، لا يتعثر اللسان أثناء نطقها. لكنها تحتاج إلى إخفاء الكثير حتى تؤدي وظيفتها. تحتاج إلى حجب الأجساد، وما كان أصحابها يفعلونه، ومن ينتظرهم، وما سيحدث لمن يحبونهم حين يتأكد الخبر.
في حسابات الاحتلال، تتحول حياة المدنيين إلى كلفة يقرر هو قبولها.
وحين تتكرر، يصبح النقاش حول عدد من يمكن قتلهم، وتضيق المساحة المتاحة للسؤال عما إذا كان يحق لأحد قتلهم أصلا.
في غزة، يُطلب من الفلسطيني أن يثبت، حتى بعد موته، أنه كان يستحق الحياة. تُفتش سيرته، وعلاقاته، ومكان وجوده، بحثا عما يبرر وجوده. يتحول البيت الذي احتمى به إلى سؤال، والطريق الذي سلكه إلى شبهة، ووجوده إلى جوار آخرين إلى ذريعة.
وفي حسابات الاحتلال، تتحول حياة المدنيين إلى كلفة يقرر هو قبولها. قد يعرف أن في البيت عائلات وأطفالا، ومع ذلك يمضي في قصفه، مدرجا قتلهم ضمن "الخسائر المقبولة". هكذا تصبح معرفة وجودهم جزءا من التخطيط لقتلهم، وتُستخدم ذريعة "الهدف العسكري" لتسويغ قرار اتُّخذ مع العلم بمن سيدفعون ثمنه.
هذا ما يجعل المسألة أشد قسوة: أن يُرى الإنسان، ثم يُتجاوز وجوده
كلما دخلت الخوارزميات وأنظمة المراقبة إلى هذه العملية، اتسعت المسافة بين حياة الشخص والصورة التي تُصنع عنه. حركة تتحول إلى إشارة، واتصال إلى علاقة، وموقع إلى احتمال. تتراكم البيانات، ويبدو المشهد لمن يراقبه أكثر وضوحا، مع أن ما يغيب عنه قد يكون جوهر الحكاية كلها.
قد يعرف النظام أين يوجد شخص، لكنه لا يعرف لماذا تأخر في المغادرة. ربما لم يستطع حمل أمه، أو لم يجد وسيلة نقل، أو عاد ليحضر دواء. وقد يسجل اجتماعا لأفراد عائلة في مكان واحد، من دون أن تتسع خاناته لحقيقة أنهم اجتمعوا لأن البيت الآخر هُدم، ولأن البقاء معا كان آخر ما استطاعوا فعله في مواجهة الخوف.
المشكلة تبدأ حين تُمنح هذه المعرفة الناقصة سلطة تقرير مصير كامل. وحين يُعامل ما يظهر على الشاشة باعتباره كافيا، تصبح حياة الناس الفعلية تفصيلا لا يحتاج صاحب القرار إلى معرفته.
ثم تتوزع المسؤولية بين من جمع المعلومات، ومن صنفها، ومن وافق، ومن نفذ. لكل واحد مهمة محددة، ولكل خطوة اسم إجرائي. لكن العائلة في نهاية هذه الخطوات لا تفقد أباها على مراحل. يصلها الموت دفعة واحدة، وتبقى هي أمام ما فعلته بها سلسلة يستطيع كل مشارك فيها أن يصف دوره بأنه صغير.
يحتاج الإنسان إلى سبب، إلى شيء يستطيع تكراره كي يطمئن إلى أنه سينجو مرة أخرى. لكن كيف يمكن بناء هذا الاطمئنان حين يكون مصيره معلقا بحساب لا يراه، وقرار لا يملك الاعتراض عليه؟
لهذا، لا ينبغي أن تحجب كلمة "منظومة" الأشخاص الذين يشغلونها. ثمة من يضع قواعدها، ومن يقبل نتائجها، ومن يملك أن يعترض ثم يواصل. التعقيد التقني لا يلغي القرار البشري، كما أن تعدد المسؤولين لا يجعل المسؤولية بلا صاحب.
أما الذين ينجون، فيحاولون أن يفهموا ما الذي أبقاهم أحياء. يتمسكون بقرار اتخذوه، أو طريق تجنبوه، أو دقائق تأخروا فيها. يحتاج الإنسان إلى سبب، إلى شيء يستطيع تكراره كي يطمئن إلى أنه سينجو مرة أخرى. لكن كيف يمكن بناء هذا الاطمئنان حين يكون مصيره معلقا بحساب لا يراه، وقرار لا يملك الاعتراض عليه؟
يتجاوز أثر ذلك الخوف من القصف. إنه يصل إلى العلاقة بأبسط أفعال الحياة: هل تجتمع العائلة أم تتفرق؟ هل يبقى الهاتف مفتوحا؟ هل العودة إلى البيت ممكنة؟ تصبح الخيارات اليومية أسئلة عن النجاة، من دون إجابة يمكن الوثوق بها.
كان يكفي أنهم أحياء. وأن في بيوتهم ثيابا تنتظر أن تجف، وأكوابا لم تُغسل بعد، وحديثا ظن أصحابه أنهم سيكملونه غدا.
وحين يصل خبر القتل، نحاول استعادة الأشخاص من العدد. نبحث عن أسمائهم وصورهم، وعن شيء قالوه قبل ساعات. نحاول أن نمنح القارئ فرصة لمعرفة من رحل، ولو متأخرا. لكن حقهم في الحياة لم يكن يحتاج إلى قصة مؤثرة، ولا إلى صورة طفل تبتسم للكاميرا، ولا إلى شهادة تثبت أنهم كانوا محبوبين.
كان يكفي أنهم أحياء. وأن في بيوتهم ثيابا تنتظر أن تجف، وأكوابا لم تُغسل بعد، وحديثا ظن أصحابه أنهم سيكملونه غدا.