الانتخابات الفلسطينية: من يمثّل شعبا تحت الإبادة؟
11 سبتمبر 2026
انشر الخبر على منصتك المفضلة
في غزة، حيث يبحث الناس عن مأوى فوق أرض أنهكتها الإبادة، قد يبدو الحديث عن الانتخابات بعيدا عن أسئلة الحياة اليومية. فما موقع القوائم والتحالفات والمقاعد البرلمانية من واقع يتقدم فيه البحث عن الطعام والعلاج ومصير المفقودين على كل شيء؟ وأي معنى لتجديد المؤسسات إذا كان الفلسطيني لا يزال يكافح للحفاظ على حياته وبيته وأرضه؟
لكن فداحة هذا الواقع لا تلغي سؤال السياسة؛ إنها تزيد إلحاحه. ففي الوقت الذي ينشغل فيه الفلسطينيون بالنجاة، تُناقش ترتيبات حكمهم، وتُرسم حدود المشاركة في مؤسساتهم، وتتنازع أطراف إقليمية ودولية على تحديد مَن يمثلهم. ومن هنا، تكتسب الانتخابات المحتملة معناها بوصفها جزءا من معركة استعادة القرار الفلسطيني، لا مجرد استحقاق إداري مؤجل.
من يقرر من يمثل الفلسطينيين؟
ينطلق هذا السؤال من واقع تتجاوز فيه التدخلات الخارجية الضغط على القيادة الفلسطينية إلى محاولة تحديد شكل النظام السياسي نفسه: مَن يحكم غزة؟ وأي دور تؤديه السلطة الفلسطينية؟ وما القوى المسموح لها بالمشاركة، وبأي شروط؟
وحين تُحسم هذه المسائل خارج الإرادة الشعبية، يصبح التمثيل الفلسطيني وظيفة تُمنح لمن يحظى بالقبول الخارجي، بدلا من أن يكون تفويضا يمنحه المجتمع ويملك سحبه. لذلك، فإن قيمة الانتخابات ترتبط بقدرتها على إعادة هذا الحق إلى أصحابه، وفتح المجال أمامهم لتقييم القوى التي تتحدث باسمهم.
كشفت انتخابات عام 2006 التناقض بين الدعوة الدولية إلى الديمقراطية الفلسطينية والاستعداد لقبول نتائجها. فقد أفضى اقتراع تنافسي إلى فوز حماس، ثم واجهت الحكومة التي قادتها المقاطعة، واحتجزت إسرائيل الإيرادات الفلسطينية.
ولا يحتاج الفلسطينيون إلى صناديق الاقتراع لإثبات أهليتهم للحرية أمام العالم. فالحقوق الوطنية لا تُكتسب بشهادة حسن سلوك ديمقراطي، ولا يسقطها تعثر المؤسسات. لكن الانتخابات تستطيع أن تمنح المجتمع وسيلة لمواجهة احتكار تمثيله، سواء جاء هذا الاحتكار بضغط خارجي أو بقرار داخلي.
درس لم يُحسم منذ 2006
كشفت انتخابات عام 2006 التناقض بين الدعوة الدولية إلى الديمقراطية الفلسطينية والاستعداد لقبول نتائجها. فقد أفضى اقتراع تنافسي إلى فوز حماس، ثم واجهت الحكومة التي قادتها المقاطعة، واحتجزت إسرائيل الإيرادات الفلسطينية.
أظهرت التجربة أن الاعتراف بحرية الاختيار قد يتوقف عند هوية الفائز. ولهذا، لا يكفي اليوم المطالبة بإجراء الانتخابات؛ بل ينبغي السؤال عن احترام نتائجها، وعن قدرة المؤسسات المنتخبة على العمل دون حصار أو تعطيل أو إخضاع لشروط تنقض التفويض الشعبي.
ولا تعني هذه التجربة إعفاء الفصائل من مسؤولياتها. فالتدخل الخارجي لا يفسر وحده سنوات الانقسام، ولا يبرر تعطيل المساءلة. وأي مراجعة جادة يجب أن تشمل سياسات القوى الفلسطينية وقراراتها وسجلها في الحكم، بقدر ما تواجه محاولات مصادرة الإرادة الوطنية.
تجديد السياسة يبدأ بالمحاسبة
بعد سنوات طويلة من غياب الانتخابات، لا يكمن المأزق في تقادم الوجوه وحده. ثمة مؤسسات فقدت فاعليتها، وقيادات ابتعدت عن المحاسبة، وجيل كامل لم يختبر قدرته على التأثير في القرار الوطني عبر الاقتراع.
ولا يكفي ظهور أسماء أو قوائم جديدة لتجاوز ذلك. فالتجديد يتطلب تغييرا في آليات اتخاذ القرار، وتداول القيادة، وإدارة الخلاف، وربط المسؤولية بالمحاسبة. وقد تحمل قائمة جديدة الممارسات القديمة نفسها، بينما يفقد شعار الإصلاح معناه إذا ظل الوصول إلى القرار محكوما بالولاء والاحتكار.
الانتخابات التي تُضبط نتائجها مسبقا بإقصاء المنافسين وتقييد المجال العام، فلا تعالج أزمة الشرعية؛ بل تعيد إنتاجها.
الاختبار الحقيقي هو أن تكون الخسارة ممكنة: أن يستطيع الناخب إزاحة قيادة أخفقت، وأن تتمكن قوة ناشئة من المنافسة، وأن يُتاح نقد الخيارات السياسية دون قمع أو تخوين. أما الانتخابات التي تُضبط نتائجها مسبقا بإقصاء المنافسين وتقييد المجال العام، فلا تعالج أزمة الشرعية؛ بل تعيد إنتاجها.
المجتمع صاحب الحكم على الفصائل
تضع مسألة مشاركة حماس هذا المبدأ أمام اختبار مباشر. فللفلسطينيين حق مساءلة الحركة عن استراتيجيتها وقراراتها وتجربتها في الحكم، كما لهم حق محاسبة فتح والسلطة وسائر القوى. وقد يفضي هذا التقييم إلى تراجع التأييد لفصيل، أو صعود آخر، أو منح المستقلين مساحة أكبر.
لكن الحكم على الوزن الشعبي لأي قوة يجب أن يصدر عن المجتمع. فالنتيجة العسكرية التي تفرضها إسرائيل لا تمنحها حق تحديد الخريطة السياسية الفلسطينية، ولا ينبغي أن تتحول إلى أساس دائم لاستبعاد طرف من التمثيل.
وفي المقابل، لا يمنح التاريخ النضالي أي فصيل حصانة من النقد أو حقا مكتسبا في القيادة. فالتمثيل مسؤولية قابلة للمراجعة، وقيمته مستمدة من استمرار ثقة الناس، لا من ادعاء امتلاكها إلى الأبد.
السياسة جزء من البقاءلن تنهي الانتخابات الاحتلال، ولن تعيد وحدها بناء غزة، ولن تمحو إخفاقات عقود. كما أن قيمتها تظل مرهونة بشروط فعلية للمشاركة والحرية والتنافس، وبمؤسسات تستطيع تحويل أصوات الناس إلى أثر في القرار.
ومع ذلك، فإن تأجيل السياسة إلى ما بعد انتهاء العنف يترك فراغا تتقدم قوى أخرى لملئه. فترتيبات ما بعد الحرب تبدأ أثناءها، ومن يغيب عن صياغتها قد يجد نفسه أمام مستقبل أُعدّ له دون مشاركته.
بهذا المعنى، يتصل الدفاع عن الحياة السياسية بالدفاع عن الوجود الفلسطيني نفسه. فالشعب الذي يقاوم اقتلاعه يحتاج أيضا إلى حماية حقه في تسمية ممثليه ومحاسبتهم وتغييرهم. وتستمد الانتخابات أهميتها من هذا الحق: أن يبقى الفلسطينيون أصحاب القرار في مستقبلهم، مهما اتسعت محاولات تقريره نيابة عنهم.