التجنيد المستدام...حين يُنجب الجندي القتيل في إسرائيل
11 سبتمبر 2026
انشر الخبر على منصتك المفضلة
لم تكتفِ نيتسا شموئيلي بالاحتفاظ بصور ابنها الجندي الإسرائيلي بارئيل ومتعلقاته بعد مقتله؛ أرادت طفلا يحمل امتداده البيولوجي. وعلى فيسبوك، نشرت إعلانا تبحث فيه عن امرأة تنجب من حيواناته المنوية المجمدة، وتصبح جزءا من عائلته.
كان بارئيل، وهو قناص في وحدة مستعربين تابعة لحرس الحدود، قد أُصيب خلال تظاهرة فلسطينية قرب السياج الفاصل شرقي مدينة غزة في أغسطس/آب 2021، وتوفي بعد تسعة أيام. وبعد وفاته، حصلت والدته على موافقة قضائية لاستخراج حيواناته المنوية وتجميدها، ثم خاضت معركة قانونية استمرت سنوات للحصول على إذن باستخدامها.
قبل أكتوبر/تشرين الأول 2023، كانت طلبات استخراج الحيوانات المنوية بعد الوفاة قليلة في إسرائيل، وتخضع لنقاشات طبية وقانونية وأخلاقية.
تختزل هذه القصة تحولا أوسع يتناوله تقرير لـ"+972 Magazine": انتقال استخراج الحيوانات المنوية من الجنود الإسرائيليين القتلى من ممارسة استثنائية ومثار خلاف أخلاقي، إلى إجراء مؤسسي تموله الدولة وتيسّره، وتلتقي فيه رغبات عائلات القتلى مع سياسات تشجيع الإنجاب، وتعظيم الاستمرارية اليهودية، وإدامة المجتمع المعسكر.
وفي مقابل الاستثمار في إمكان إنجاب أطفال من جنود قتلى، يضع التقرير واقع الفلسطينيين تحت المجهر: تدمير مرافق الولادة والإخصاب في غزة، وتقويض الرعاية الإنجابية، وحرمان النساء من شروط الحمل والولادة الآمنين.
من طلب استثنائي إلى إجراء تدعمه الدولة
قبل أكتوبر/تشرين الأول 2023، كانت طلبات استخراج الحيوانات المنوية بعد الوفاة قليلة في إسرائيل، وتخضع لنقاشات طبية وقانونية وأخلاقية. لكن هجمات السابع من أكتوبر وحرب الإبادة الإسرائيلية اللاحقة على غزة دفعتا نحو تغيير سريع في التعامل معها.
ففي الأيام التالية للهجمات، أقرت وزارتا الصحة والعدل إجراء مؤقتا يسمح لوالدي القتيل بالموافقة على استخراج حيواناته المنوية دون الرجوع مسبقا إلى المحكمة. وبحسب التقرير، استمر تجديد هذا الإجراء، وأصبح الضباط الذين يبلغون العائلات بمقتل أبنائها يبادرون إلى طرح خيار الاستخراج.
وتفرض الطبيعة العاجلة للعملية على العائلات اتخاذ القرار في الساعات الأولى للفقد، بينما تكون تحت وطأة الصدمة. وتصف عالمة الاجتماع ياعيل هشيلوني دوليف، الأستاذة في جامعة بن غوريون، المنطق الجديد بعبارة: "استخرجوا أولا، واطرحوا الأسئلة القانونية لاحقا".
رافق هذا التحول ظهور تعبير "إنقاذ الحيوانات المنوية" في الخطاب الإسرائيلي. ويرى أستاذ القانون تسفي تريغر أن العبارة تمنح الحيوانات المنوية منزلة أخلاقية تشبه منزلة الحياة البشرية أو المقدرات الوطنية التي يتعين حمايتها.
وباتت العملية تُجرى بتمويل حكومي وإشراف وزارة الصحة في أربعة مستشفيات إسرائيلية كبرى، تتولى أيضا تجميد الحيوانات المنوية وتخزينها. ووفق الدكتور عيران ألتمان، مدير بنك الحيوانات المنوية في مركز رابين الطبي، خضع نحو 250 جنديا وعنصر أمن لهذا الإجراء حتى مطلع عام 2026؛ وهو ما يعادل، بحسب التقرير، ربع الجنود الذكور الذين قُتلوا منذ السابع من أكتوبر.
ورافق هذا التحول ظهور تعبير "إنقاذ الحيوانات المنوية" في الخطاب الإسرائيلي. ويرى أستاذ القانون تسفي تريغر أن العبارة تمنح الحيوانات المنوية منزلة أخلاقية تشبه منزلة الحياة البشرية أو المقدرات الوطنية التي يتعين حمايتها.
لكن استخراج الحيوانات المنوية وتجميدها لا يعني السماح باستخدامها. فلا تزال عملية الإنجاب تتطلب موافقة قضائية، وغالبا ما تستلزم إثبات أن المتوفى كان يرغب في أن يكون له أطفال.
تحويل الحداد إلى قضية عائلية
لا يقتصر النقاش، وفق الخبراء الذين تحدثوا إلى المجلة، على تلبية رغبة عائلة في إنجاب حفيد؛ إذ يحمل تشجيع هذه الممارسة وظيفة سياسية تتصل بكيفية التعامل مع خسائر الحرب.
ترى دافنا هاكر، أستاذة القانون ودراسات النوع الاجتماعي في جامعة تل أبيب، أن توفير إمكانية الإنجاب من الجندي القتيل يمنح العائلة متنفسا، لكنه قد يوجّه حزنها نحو مشروع شخصي، بدلا من تحوله إلى اعتراض على الحرب التي أودت بحياة ابنها.
وتقول إن ذلك يمثل "طريقة أخرى لتوفير متنفس، وتوجيه الحداد نحو حكاية خاصة، بدلا من تحوله إلى صرخة احتجاج عامة على إرسال الأبناء إلى الحرب".
يتداخل التعويض عن الفقد مع خطاب وطني يجعل استمرار نسل القتيل صورة من صور الانتصار على موته.
وتوضح هشيلوني دوليف أن الممارسة تُقدَّم إعلاميا بوصفها مساعدة لعائلات القتلى ومنحا للأمل، لكنها طُرحت في نقاشات الكنيست أيضا بمفردات "الانتقام" و"البعث". وهكذا، يتداخل التعويض عن الفقد مع خطاب وطني يجعل استمرار نسل القتيل صورة من صور الانتصار على موته.
وفي هذا السياق، تصبح معارك العائلات القضائية وحملات البحث عن نساء لإنجاب أطفال من الجنود القتلى أحداثا عامة. وقد استعرض التقرير حالة شارون آيزنكوت، التي حصلت على موافقة لاستخدام الحيوانات المنوية لابنها ماؤور، بعدما قُتل في خان يونس في ديسمبر/كانون الأول 2023.
وتعاونت آيزنكوت مع منصة إسرائيلية للتوفيق بين الراغبين في تكوين أسر، بحثا عن أم محتملة. وقدمت الحملة الطفل المنتظر بوصفه حاملا لذكرى ماؤور، وسط إقبال استدعى تخصيص ثلاثة موظفين للرد على استفسارات النساء الراغبات في المشاركة.
الاستمرارية اليهودية وتقويض الحياة الفلسطينية
يربط التقرير هذا التوسع بمكانة الإنجاب في المشروع الوطني الإسرائيلي، حيث لا يُنظر إليه بوصفه خيارا شخصيا فحسب، بل شأنًا يتعلق باستمرارية الجماعة.
وقد ارتبط هذا التصور طويلا بالقلق الديموغرافي على الأغلبية اليهودية، وتصوير معدلات الإنجاب الفلسطينية باعتبارها تهديدا استراتيجيا. وفي المقابل، تُقدَّم زيادة المواليد اليهود بوصفها إنجازا وطنيا، وتدعم الدولة علاجات الخصوبة والإخصاب خارج الجسم على نطاق واسع.
لكن هذا الاستثمار في الإنجاب يقابله تقويض متواصل لشروط الحياة الإنجابية الفلسطينية. ففي غزة، قصفت إسرائيل أقسام الولادة وعيادات الإخصاب، بينما أدى الحصار ونقص الغذاء والمستلزمات الطبية وتدهور الظروف الصحية إلى تعريض الحوامل والأجنة لمخاطر متزايدة.
ويشير التقرير إلى ارتفاع حالات الإجهاض إلى أكثر من ثلاثة أمثالها في النصف الأول من عام 2026، بالتزامن مع تراجع القدرة على الحصول على الرعاية الأساسية خلال الحمل.
لا ينتهي توظيف الجنود في الحرب بموتهم؛ إذ يصبح نسلهم المحتمل وعدا يخفف وطأة غيابهم، ويمنح عائلاتهم أملا بالاستمرار.
وفي الضفة الغربية، تفرض الحواجز والتهجير والاعتداءات على المرافق الصحية عقبات أمام وصول النساء إلى الرعاية الإنجابية. ويورد التقرير واقعة امرأة فلسطينية وضعت مولودا ميتا، وكادت تفقد حياتها بسبب النزيف، بعدما أوقف جنود إسرائيليون سيارة الإسعاف التي كانت تنقلها إلى مستشفى في نابلس.
ضمن هذه المقارنة، يقرأ التقرير استخراج الحيوانات المنوية بعد الوفاة باعتباره جزءا من سياسة تمنح الاستمرارية البيولوجية اليهودية دعما مؤسسيا، بينما تقوّض فرص الفلسطينيين في الإنجاب والبقاء.
لا ينتهي توظيف الجنود في الحرب بموتهم؛ إذ يصبح نسلهم المحتمل وعدا يخفف وطأة غيابهم، ويمنح عائلاتهم أملا بالاستمرار. لكن هذا الوعد، حين تتبناه الدولة، قد يحوّل الحزن من دافع لمساءلة الحرب إلى انشغال بتعويض خسائرها. هكذا، يغدو وهم تجاوز الموت إلى وسيلة لتبرير حرب لا تنتهي.