أبعد من طوابير المحطات.. كيف تُحاصر الضفة بالوقود؟
11 سبتمبر 2026
انشر الخبر على منصتك المفضلة
لا تتشكل أزمة المحروقات في الضفة الغربية عند محطات التعبئة وحدها، بل عند تقاطع السيطرة الإسرائيلية على الإمدادات والحركة والأموال مع عجز مالي فلسطيني يتسع، وسوق لا تملك ما يحميها من أي انقطاع مفاجئ.
في مدن الضفة الغربية، لم يعد التزود بالوقود مهمة يومية يمكن إنجازها في طريق الذهاب إلى العمل. صار الأمر يحتاج إلى مراقبة مجموعات "واتساب"، وسؤال الأصدقاء والمعارف عن المحطات التي وصلت إليها شحنة جديدة، والاستعداد للانتظار في طابور طويل، قد ينتهي الوقود قبل أن يحين الدور لبلوغ المضخة.
وحين تنفد الكميات الرسمية، تظهر سوق أخرى في الظل. وقود أقل جودة، يباع عبر قنوات غير نظامية ويخلط أحيانا بمواد رخيصة، يجد إليه السائقون طريقهم اضطرارا. ولا تتوقف الكلفة عند سعر اللتر؛ إذ تستقبل ورش تصليح السيارات مركبات تضررت مضخاتها وبخاخاتها وشمعات احتراقها، ليضيف الوقود المغشوش فاتورة جديدة إلى أسر تواجه أصلا ارتفاع الأسعار وتراجع الدخل واتساع البطالة.
يمكن لأي ضغط أمني أو مالي محدود أن ينتقل خلال وقت قصير من معبر أو بنك أو حاجز عسكري إلى خزان سيارة فلسطينية.
قد تبدو هذه المشاهد نتيجة اضطراب مؤقت في التوريد، غير أن تكرارها وسرعة اتساعها يكشفان مشكلة أبعد من عدد الصهاريج التي تصل كل يوم. فسوق الوقود الفلسطينية تعمل داخل منظومة لا تملك فيها حرية الاستيراد، ولا احتياطيا استراتيجيا كافيا، ولا سيطرة على طرق النقل أو حركة الأموال اللازمة لتسديد أثمان الإمدادات. لذلك، يمكن لأي ضغط أمني أو مالي محدود أن ينتقل خلال وقت قصير من معبر أو بنك أو حاجز عسكري إلى خزان سيارة فلسطينية.
أكثر من طريق إلى المضخة الفارغة
تتفاوت الروايات بشأن حجم النقص. فالهيئة العامة للبترول تقول إن أكثر من ثلاثة ملايين لتر تدخل السوق الفلسطينية يوميا، وترى أن الأخبار المتداولة على منصات التواصل تدفع المواطنين إلى الشراء بكميات تفوق حاجتهم، فتفرغ بعض المحطات بوتيرة أسرع. لكن تقديرات اقتصادية تضع الاستهلاك اليومي عند نحو أربعة ملايين لتر، مقابل إمدادات رسمية تتراوح بين 2.5 وثلاثة ملايين فقط.
وبصرف النظر عن الفارق بين الأرقام، فإن سلوك المستهلك لا ينفصل عن هشاشة السوق. فالشراء بدافع الخوف يظهر عادة حين يغيب اليقين بشأن وصول الشحنة التالية. وفي الضفة، لا يوجد احتياطي استراتيجي قادر على امتصاص الصدمات؛ إذ تعتمد السوق أساسا على المخزون الموجود لدى المحطات، وتشير تقديرات إلى أنه لا يكفي سوى ثلاثة أيام من الاستهلاك المعتاد إذا توقفت التوريدات.
هذا الهامش الضيق يجعل أسباب الأزمة متعددة ومتشابكة. فقد تتعطل الإمدادات بسبب إغلاق الطرق والحواجز، أو بسبب قيود على حركة صهاريج النقل، أو نتيجة خلافات مالية مع الموزعين. وفي فترات الطوارئ الإسرائيلية، يعاد توجيه جزء من الصهاريج التي تستخدم لتزويد السوق الفلسطينية إلى خدمة الاحتياجات العسكرية، فتتناقص قدرة منظومة محدودة أصلا على تلبية الطلب.
الأزمة لا تتعلق بكمية الوقود المتاحة وحدها، بل بمن يملك الوصول إليها. فعلى التلال نفسها، تتدفق الإمدادات إلى مستوطنة إسرائيلية، بينما قد يفصل الفلسطيني عن المحطة حاجز أو بوابة أو تهديد بسحب تصريح العمل.
ولا يتساوى الفلسطينيون والمستوطنون في مواجهة هذا النقص. ففي منطقة بركان الصناعية، تلقى عمال فلسطينيون تحذيرات من التزود بالوقود من محطات داخل مستوطنة "أريئيل" أو قرب مدخلها، مع تهديدهم بالاعتقال أو التحقيق أو خسارة تصاريح العمل. كما أغلقت مستوطنات بواباتها أمام العمال بعد أحداث شهدتها قرية تل قرب نابلس، فمنعتهم من الوصول إلى محطات كانوا يستخدمونها بديلا عند نفاد الوقود في المدن الفلسطينية.
تكشف هذه الوقائع أن الأزمة لا تتعلق بكمية الوقود المتاحة وحدها، بل بمن يملك الوصول إليها. فعلى التلال نفسها، تتدفق الإمدادات إلى مستوطنة إسرائيلية، بينما قد يفصل الفلسطيني عن المحطة حاجز أو بوابة أو تهديد بسحب تصريح العمل.
اقتصاد لا يملك اختيار مورديهمنذ توقيع بروتوكول باريس الاقتصادي عام 1994، بقي الاقتصاد الفلسطيني داخل غلاف جمركي تتحكم إسرائيل في حدوده ومساراته. وفي قطاع المحروقات، يعني ذلك اعتمادا شبه كامل على الإمدادات الداخلة عبر قنوات إسرائيلية، من دون قدرة فلسطينية حرة على شراء الوقود من الأردن أو مصر أو بناء شبكة توريد مستقلة.
وهذه التبعية ليست تفصيلا فنيا في اتفاق اقتصادي قديم؛ فهي تحدد من يستطيع إدخال الوقود، وبأي كمية، وعبر أي طريق، وكيف تسدد أثمانه. وعندما يرتفع الطلب العسكري الإسرائيلي أو تغلق الطرق، لا تملك السوق الفلسطينية موردا آخر يمكنه سد الفجوة. وعندما تتعطل التسويات المالية مع الشركات الإسرائيلية، يصبح استمرار التوريد مرتبطا بقرار لا يصدر في رام الله.
تجمع المنظومة القائمة بين منع الفلسطينيين من تطوير مواردهم، وتقييد قدرتهم على تنويع الموردين، ثم ترك السوق مكشوفة أمام أي تغيير في الأولويات الإسرائيلية.
في المقابل، لا يستطيع الفلسطينيون استثمار موارد الطاقة الواقعة تحت أراضيهم. فحقل "مجد"، الذي يقدر أنه يحتوي على 1.5 مليار برميل من النفط و182 مليار قدم مكعبة من الغاز الطبيعي، يقع نحو 60% منه تحت الضفة الغربية، لكنه ظل مستغلا من الجانب الإسرائيلي وحده طوال عقود.
وبذلك، تجمع المنظومة القائمة بين منع الفلسطينيين من تطوير مواردهم، وتقييد قدرتهم على تنويع الموردين، ثم ترك السوق مكشوفة أمام أي تغيير في الأولويات الإسرائيلية. أزمة الوقود، بهذا المعنى، ليست خللا طارئا داخل نظام يعمل بصورة طبيعية، بل إحدى النتائج المتوقعة لنظام بني على التبعية.
المال موجود.. لكنه عالق
لا تقف السيطرة عند حركة الصهاريج. ففي الجهاز المصرفي الفلسطيني تتراكم كميات هائلة من الشيكل النقدي، في وقت تعجز فيه المصارف عن استخدام هذا الفائض لتسوية المدفوعات المستحقة في إسرائيل.
يعتمد جانب واسع من الاقتصاد الفلسطيني على النقد، فتصل كميات كبيرة من الشيكل إلى البنوك المحلية. لكن إخراج هذا الفائض من الدورة المصرفية يتطلب نقله إلى بنوك إسرائيلية مقابل أرصدة إلكترونية تتيح تنفيذ المدفوعات. ومع تشديد البنوك الإسرائيلية القيود على الكميات التي تقبلها، تجاوز النقد المتراكم داخل المصارف الفلسطينية 18 مليار شيكل.
لا تقف السيطرة عند حركة الصهاريج. ففي الجهاز المصرفي الفلسطيني تتراكم كميات هائلة من الشيكل النقدي، في وقت تعجز فيه المصارف عن استخدام هذا الفائض لتسوية المدفوعات المستحقة في إسرائيل.
تنعكس هذه المشكلة مباشرة على قطاع المحروقات. فإذا لم تستطع البنوك تحويل النقد إلى أرصدة قابلة للاستخدام، تتراجع قدرتها على تسوية أثمان الوقود للموردين الإسرائيليين. ولهذا بدأت بعض المحطات تقييد التعامل النقدي أو رفضه، وطالبت الزبائن بالدفع الإلكتروني.
وهنا تنشأ طبقة جديدة من عدم المساواة. فالوقود قد يكون موجودا في المحطة، لكن العامل الذي يتقاضى أجره نقدا، أو الأسرة التي لا تملك حسابا مصرفيا فاعلا، قد تعجز عن شرائه. وهكذا لا تعود الأزمة محصورة في توافر السلعة، بل تمتد إلى شكل المال الذي يسمح لصاحبه بالوصول إليها.
أموال المقاصة تعيد الأزمة إلى الداخليتصل الاختناق المصرفي بأزمة مالية أوسع تعيشها السلطة الفلسطينية بسبب احتجاز إسرائيل أموال المقاصة، وهي الضرائب والرسوم التي تجبيها نيابة عنها. وتمثل هذه الأموال نحو ثلثي موازنة السلطة، ولذلك أدى حجبها إلى تراجع دفع رواتب الموظفين وتراكم الالتزامات وعجز الحكومة عن تغطية نفقاتها المعتادة.
في المقابل، لا تتجاوز الإيرادات الضريبية المحصلة محليا ما بين 9 و12 مليون شيكل يوميا، بينما تصل النفقات التشغيلية الشهرية إلى نحو 1.3 مليار شيكل. ومع تراجع المساعدات العربية والإسلامية، أخذت الحكومة تبحث عن الأموال المفقودة داخل السوق المحلية، من خلال ملاحقة التهرب الضريبي وسرقة الموارد والأنشطة غير الرسمية.
إغلاق السوق غير الرسمية قد يعيد جزءا من الإيرادات إلى الخزينة، لكنه يقلص في الوقت نفسه مصدرا كان يسد جانبا من فجوة الإمدادات.
بعد حملات استهدفت التعديات على شبكات المياه والكهرباء، انتقلت السلطة إلى سوق الوقود. وتقدر وزارة المالية أن المحروقات الداخلة عبر قنوات غير رسمية تمثل بين ربع الاستهلاك الفلسطيني وثلثه، بما يقارب 30 مليون لتر شهريا، تزيد قيمتها على 130 مليون شيكل.
وتحول الملف إلى قضية عامة مع فتح تحقيق في شركة «الهدى للمحروقات» وإصدار مذكرة توقيف بحق مالكها طارق النتشة، على خلفية اتهامات بالتهرب الضريبي والتلاعب في السوق. وداهمت قوة مشتركة من الأجهزة الأمنية والجمارك منشآت تابعة للشركة، وصادرت مخزونا من الوقود واطلعت على سجلاتها المالية.
أثارت القضية أسئلة لا تتوقف عند الاتهامات نفسها. فالشركة، التي تملك 28 محطة وحصة مؤثرة في سوق التوزيع، ارتبطت لسنوات طويلة بعقود لتزويد مؤسسات حكومية وأجهزة أمنية. وإذا كانت المخالفات المتهم بها مالكها قد تراكمت على هذا النحو، فكيف مرت من دون تدخل مبكر من وزارة المالية وهيئة البترول والجمارك؟ ولماذا تحرك الملف حين وصلت الأزمة المالية للسلطة إلى إحدى أشد مراحلها؟
لا تلغي هذه الأسئلة ضرورة مكافحة التهريب أو تحصيل الضرائب، لكنها تكشف حدود الحملة. فإغلاق السوق غير الرسمية قد يعيد جزءا من الإيرادات إلى الخزينة، لكنه يقلص في الوقت نفسه مصدرا كان يسد جانبا من فجوة الإمدادات. ومن دون زيادة الكميات الرسمية، تصبح كلفة المواجهة جزءا من الأزمة التي يتحملها المستهلك.
ما بعد الطوابير
طرحت السلطة إنشاء شركة بترول فلسطينية مملوكة للدولة تتولى عمليات الشراء والنقل والتوزيع، مقابل إعادة الصلاحيات التنظيمية والرقابية إلى الهيئة العامة للبترول. وقد يساعد الفصل بين الوظائف التجارية والرقابية على تحسين إدارة السوق، لكنه لا يمنح الشركة الجديدة حرية اختيار مصادرها ولا يزيل القيود الإسرائيلية عن الأموال والمعابر والصهاريج.
كما أن زيادة مؤقتة في التوريد قد تنهي الطوابير لأيام، لكنها لا تمنع عودتها. فما دامت السوق بلا احتياطي كاف، وتدفع أثمان وقودها عبر نظام مصرفي مقيد، وتعتمد على موردين ومسارات تتحكم فيها إسرائيل، ستظل كل أزمة سياسية أو أمنية قابلة للتحول إلى نقص جديد.
على المدى الأبعد، يظل تفكيك الغلاف الجمركي الذي فرضه بروتوكول باريس، واستعادة الحق في تطوير الموارد الطبيعية، شرطين لأي سيادة فعلية على الطاقة.
يتطلب الخروج من هذه الدائرة أكثر من إدارة الندرة: احتياطيا استراتيجيا يحمي السوق، ورقابة شفافة على التوزيع والضرائب، وحرية في تنويع مصادر الاستيراد، وإنهاء القيود على المعاملات المصرفية وأموال المقاصة. وعلى المدى الأبعد، يظل تفكيك الغلاف الجمركي الذي فرضه بروتوكول باريس، واستعادة الحق في تطوير الموارد الطبيعية، شرطين لأي سيادة فعلية على الطاقة.
حتى ذلك الحين، لن يكون السؤال الذي يتبادله الفلسطينيون صباحا: كم أصبح سعر الوقود؟ بل أين يمكن العثور عليه، وهل الطريق إلى المحطة مفتوحة، وهل تقبل المحطة ما في جيوبهم من نقود؟ عند هذه النقطة، لا يعود الوقود مجرد سلعة ناقصة؛ يصبح مقياسا يوميا لاتساع المسافة بين حياة الناس والقرار الذي يتحكم بها.