الحرب التي أنقذت نتنياهو.. هل تتحول إلى بوابة سقوطه؟
9 سبتمبر 2026
انشر الخبر على منصتك المفضلة
بعد أسابيع قليلة من السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، بدا بنيامين نتنياهو أقرب من أي وقت مضى إلى نهاية مسيرته السياسية. فالإخفاق الأمني الذي وقع في عهده وجّه ضربة قاصمة إلى الصورة التي كرّسها طوال سنوات لنفسه بوصفه ضامنا لأمن إسرائيل، فيما أظهرت أولى استطلاعات الرأي انهيارا حادا في شعبية حزب الليكود وتراجع الائتلاف الحاكم إلى 45 مقعدا فقط.
لم يكن شعار "النصر المطلق" خطة عسكرية بقدر ما كان استراتيجية للبقاء في السلطة.
كان السؤال حينها يدور حول موعد سقوط نتنياهو، لا احتماله. لكن بعد نحو ثلاثة أعوام، لا يزال الرجل في موقعه، ولا يزال ائتلافه قادرا على تمرير الموازنات والتشريعات ومواجهة التحديات البرلمانية، بل توسع من 64 إلى 68 مقعدا بعد انضمام جدعون ساعر وأعضاء من حزبه إلى الحكومة.
لم ينجُ نتنياهو لأنه نجح في إصلاح الإخفاق أو استعادة ثقة الإسرائيليين، وإنما لأنه نجح في تأجيل لحظة الحساب. وقد فعل ذلك عبر نقل إسرائيل من صدمة السابع من أكتوبر إلى حالة حرب دائمة، يصبح معها كل سؤال عن المسؤولية مؤجلا، وكل مطالبة بالتحقيق قابلة للرد بعبارة واحدة: ليس الآن، فما زالت الحرب مستمرة.
بهذا المعنى، لم يكن شعار "النصر المطلق" خطة عسكرية بقدر ما كان استراتيجية للبقاء في السلطة. فالشعار الذي لم يحدد نتنياهو يوما معناه أو شروط تحققه، أتاح له إبقاء الحرب مفتوحة، وتأجيل نهايتها، ومعها تأجيل التحقيق في الإخفاقات التي قد تنهي مستقبله السياسي.
من إخفاق أمني إلى حرب بلا نهاية
منذ البداية، وضع نتنياهو للحرب أهدافا يصعب جمعها أو تحقيقها: القضاء على حركة حماس، استعادة الأسرى بالقوة، فرض سيطرة أمنية طويلة الأمد على غزة، منع عودة السلطة الفلسطينية إليها، وإعادة تشكيل الواقع السياسي والأمني في المنطقة.
ولم تكن استحالة هذه الأهداف عيبا في المشروع، بل تحولت إلى إحدى وظائفه. فكلما ابتعد "النصر" أمكن تبرير استمرار الحرب، وكلما اتسعت رقعة المواجهة أمكن القول إن الخطر لا يزال قائما، وإن الوقت لم يحن بعد لمحاسبة القيادة.
وسرعان ما خرجت الحرب من حدود قطاع غزة. امتدت المواجهة إلى لبنان وإيران واليمن، فيما شهدت الضفة الغربية توسعا استيطانيا متسارعا، وعمليات تهجير واستيلاء على الأراضي، وتدميرا لمخيمات اللاجئين، وخنقا متواصلا للاقتصاد الفلسطيني.
تكمن فاعلية الشعار السياسية في غموضه. فهو وعد كبير بما يكفي لإرضاء اليمين، ومطاط بما يكفي لتأجيل الاعتراف بالفشل. وكلما عجزت الحكومة عن تحقيقه، استخدمت العجز نفسه مبررا لمزيد من القوة.
لم تعد إسرائيل، في واقع الأمر، تخوض حربا واحدة، بل أعادت تنظيم حياتها السياسية والاجتماعية حول فكرة الحرب نفسها؛ بوصفها حالة مستمرة لا مرحلة استثنائية لها بداية ونهاية.
وفي كل مرة اتسعت فيها قائمة الأعداء، ابتعد خط النهاية أكثر. فكيف يمكن تحقيق "نصر مطلق" على حماس وحزب الله والحوثيين وإيران، وعلى شعب فلسطيني يواصل التشبث بأرضه وحقه في تقرير مصيره؟ وكيف يمكن قياس نصر لم تُحدّد شروطه أصلا؟
تكمن فاعلية الشعار السياسية في غموضه. فهو وعد كبير بما يكفي لإرضاء اليمين، ومطاط بما يكفي لتأجيل الاعتراف بالفشل. وكلما عجزت الحكومة عن تحقيقه، استخدمت العجز نفسه مبررا لمزيد من القوة.
الحرب غراء الائتلاف
وجد شركاء نتنياهو في اليمين المتطرف، وعلى رأسهم بتسلئيل سموتريتش وإيتمار بن غفير، في استمرار الحرب فرصة لدفع مشروعهم السياسي إلى أقصى مداه. فقد عارضوا أي اتفاق يعيد الأسرى الإسرائيليين مقابل وقف إطلاق النار والانسحاب من غزة، وهددوا بإسقاط الحكومة إذا قبل نتنياهو تسوية من هذا النوع.
كان رئيس الوزراء يدرك أن وقف الحرب قد يعني تفكك ائتلافه، ولذلك أصبحت مصلحته السياسية مرتبطة مباشرة باستمرارها. وفي المقابل، احتاج اليمين المتطرف إلى نتنياهو بما يمتلكه من خبرة سياسية وعلاقات دولية لتوفير الغطاء اللازم لمشروع يقوم على التهجير والاستيطان وتكريس السيطرة الدائمة.
هكذا تحولت الحرب إلى نقطة التقاء بين خوف نتنياهو من المحاسبة ورغبة حلفائه في إعادة رسم الخريطة بالقوة. وبات بقاء الحكومة مرتبطا ببقاء الجبهات مفتوحة، حتى لو عجزت العمليات العسكرية عن إنتاج نتيجة سياسية قابلة للحياة.
وجد شركاء نتنياهو في اليمين المتطرف، وعلى رأسهم بتسلئيل سموتريتش وإيتمار بن غفير، في استمرار الحرب فرصة لدفع مشروعهم السياسي إلى أقصى مداه.
كما أتاحت الحرب للمؤسسة العسكرية محاولة ترميم صورتها بعد انهيار السابع من أكتوبر. فبدل مواجهة الأسئلة المتعلقة بإخفاقها، أغرقت الجمهور في أرقام القتلى والغارات والعمليات، وكأن حجم الدمار قادر على تعويض الفشل أو محو أسبابه.
غير أن ما منح هذه السياسة قدرتها على الاستمرار لم يكن الائتلاف وحده، بل تأييد قطاعات واسعة من المجتمع الإسرائيلي للحرب. فرغم تراجع شعبية نتنياهو، ظلت عملياته العسكرية في غزة ولبنان وإيران تحظى بدعم واسع، بما في ذلك داخل أوساط عارضته سابقا وشاركت في الاحتجاجات ضده.
مجتمع أعاد تعريف القوةلم يقرأ معظم اليهود الإسرائيليين السابع من أكتوبر بوصفه نتيجة لانفجار واقع صنعه الاحتلال والحصار وإنكار الحقوق الفلسطينية. على العكس، ساد الاعتقاد بأن ما حدث دليل على أن إسرائيل لم تستخدم قدرا كافيا من القوة، وأن المشكلة لم تكن في استمرار الاحتلال، بل في عدم الذهاب به إلى نهايته.
ومن هذا المناخ خرجت عبارات مثل "لا أبرياء في غزة" من هامش الخطاب اليميني لتصبح جزءا من المزاج العام. كما أعاد نتنياهو استدعاء صورة "العماليق" التوراتية، ناقلا الحرب من مستوى الأهداف السياسية التي يمكن التفاوض بشأنها إلى مواجهة وجودية يصبح فيها التفاهم مع الخصم مستحيلا، ولا يبقى سوى إخضاعه أو محوه.
وهنا بدأ التناقض الذي أخفاه دخان الحرب بالظهور: إسرائيل قادرة على تدمير مدن بأكملها، لكنها عاجزة عن تحويل الدمار إلى استقرار أو أمن أو تسوية سياسية.
جرى تطبيع الحرب داخل الحياة اليومية الإسرائيلية. أصبح مئات الأيام من الخدمة الاحتياطية أمرا متوقعا، وتضخمت ميزانية الدفاع على حساب الخدمات الاجتماعية، وتزايدت عسكرة المجال العام، فيما تحول التدمير في غزة إلى مادة للاستعراض السياسي والإعلامي.
لكن القوة التي لا تنتج أمنا تتحول مع الوقت إلى سؤال. وبعد ثلاثة أعوام من القتل والدمار، لا يشعر الإسرائيليون بأنهم أكثر أمنا مما كانوا عليه صباح السابع من أكتوبر. بقيت حماس في غزة، ولم يختف الفلسطينيون، ولا يزال حزب الله حاضرا رغم الدمار الهائل الذي لحق بجنوب لبنان، بينما كشفت الحرب الأخيرة مع إيران حدود القدرة الإسرائيلية وعمق ارتهانها للدعم الأمريكي. وهنا بدأ التناقض الذي أخفاه دخان الحرب بالظهور: إسرائيل قادرة على تدمير مدن بأكملها، لكنها عاجزة عن تحويل الدمار إلى استقرار أو أمن أو تسوية سياسية.
كلفة "النصر" المستحيل
كلما طال أمد الحرب، ازدادت كلفتها داخل إسرائيل. فقد أدت إلى استنزاف القوات، وتعميق أزمة جنود الاحتياط، وفتح مواجهة سياسية حادة بشأن تجنيد الحريديم. وإذا كانت إسرائيل تتجه فعلًا إلى حروب دائمة ومتعددة الجبهات، فإن بنيتها البشرية والعسكرية لن تكون قادرة على مواصلة هذا المسار بلا حدود.
كما امتدت الكلفة إلى الاقتصاد والخدمات الاجتماعية والمكانة الدولية. فالإسرائيلي الذي أيد الحرب أو تعامل معها بوصفها ضرورة، بدأ يلمس آثارها في دخله وسفره وصورة دولته في الخارج. وبات بعض الإسرائيليين يترددون في الكشف عن هويتهم أثناء السفر، ويختارون وجهاتهم وفق مستوى التضامن مع فلسطين، في وقت تتسع فيه الانتقادات لإسرائيل حتى داخل الولايات المتحدة وبين أوساط كانت تقليديا من أشد الداعمين لها.
قد تكون الحرب التي انتشلت نتنياهو من هاوية السابع من أكتوبر هي نفسها ما يمنعه من الفوز في انتخابات أكتوبر/تشرين الأول 2026.
قد تفسر قطاعات إسرائيلية هذه التحولات باعتبارها مظهرا من مظاهر معاداة السامية، لكنها لا تستطيع تجاهل النتيجة: حكومة نتنياهو دفعت إسرائيل إلى عزلة غير مسبوقة، من دون أن تقدم في المقابل الأمن الذي وعدت به.
أما في الضفة الغربية، فقد بدأ اليمين يواجه نتائج ما يمكن وصفه بـ"نجاحه المفرط". فالتوسع الاستيطاني، وإقامة البؤر الرعوية، وتسليح المستوطنين، وتحويلهم إلى قوة تمارس العنف تحت حماية الجيش، لم يرسخ السيطرة فقط، بل أظهر الدولة أحيانا عاجزة أمام الميليشيات التي صنعتها.
هل يسقط نتنياهو ويبقى نهجه؟
قد تكون الحرب التي انتشلت نتنياهو من هاوية السابع من أكتوبر هي نفسها ما يمنعه من الفوز في انتخابات أكتوبر/تشرين الأول 2026. فالوعد الذي حماه من المحاسبة بدأ يفقد فاعليته كلما اتضحت استحالة تحقيقه، وكلما اتسعت الفجوة بين الخطاب المنتصر والواقع الذي لا ينتج سوى مزيد من الجبهات والخسائر.
ومع ذلك، لا يعني سقوط نتنياهو بالضرورة سقوط النموذج الذي حكم إسرائيل في عهده. فمعظم أحزاب المعارضة اليهودية لا تتحدى فكرة الحرب الدائمة أو استخدام القوة باعتباره الخيار الأول، وبعض قادتها، مثل نفتالي بينيت وأفيغدور ليبرمان، يهاجمونه من اليمين ويتهمونه بعدم الذهاب بعيدا بما يكفي.
لقد منح نتنياهو وقتا سياسيا، لكنه لم يمنح إسرائيل مخرجا. وحين تتحول الحرب من وسيلة لتأجيل الحساب إلى الدليل الأوضح على فشل صاحبها، قد يصبح الشعار الذي أنقذ حكمه عنوانا لنهايته.
حتى غادي آيزنكوت، الذي يتقدم في سباق رئاسة الوزراء، لم يقدم حتى الآن تصورا واضحا يقطع مع النهج الذي رسخه نتنياهو. ولذلك قد يتغير رئيس الحكومة من دون أن تتغير العقيدة التي قادت إسرائيل إلى هذا المأزق.
المسألة، إذن، لا تتعلق بمستقبل نتنياهو وحده، بل بمستقبل الفكرة التي حكمت إسرائيل منذ السابع من أكتوبر: أن مزيدا من القوة قادر على حل كل تناقض، وأن تدمير الفلسطينيين يمكن أن يحل محل الاعتراف بحقوقهم، وأن الحروب المتعاقبة تستطيع إنتاج شرق أوسط خالٍ من الخصوم.
ما قد يهزم نتنياهو ليس صحوة أخلاقية مفاجئة داخل المجتمع الإسرائيلي، بل انهيار الوعد تحت ثقل الواقع. فـالنصر المطلق الذي أبقاه في السلطة لم يحقق أمنا، ولم يستعد الأسرى، ولم يُنه المقاومة، ولم يمحُ الفلسطينيين، ولم يفرض شرق أوسط جديدا.
لقد منح نتنياهو وقتا سياسيا، لكنه لم يمنح إسرائيل مخرجا. وحين تتحول الحرب من وسيلة لتأجيل الحساب إلى الدليل الأوضح على فشل صاحبها، قد يصبح الشعار الذي أنقذ حكمه عنوانا لنهايته.