سليمان منصور.. الفنان الذي رسم فلسطين في وجدان أبنائها
9 سبتمبر 2026
انشر الخبر على منصتك المفضلة
في بيوت فلسطينية كثيرة، عُلّقت صورة رجل مسنّ يمضي حافي القدمين، محنيّ الظهر، حاملا مدينة القدس فوق كتفيه. لم يكن الأطفال الذين كبروا أمام الصورة يعرفون دائما اسم الفنان أو عنوان اللوحة؛ بعضهم ظنّ أن الرجل جده، وبعضهم رأى فيه واحدًا من أقاربه الذين أنهكتهم الأرض والمنفى والعمل الشاق. كان مألوفا إلى حد القرابة، فلسطيني الملامح بما يكفي ليحمل سيرة شعب كامل، وإنسانيا بما يكفي ليرى كل بيت حكايته الخاصة فيه.
ذلك الرجل هو بطل لوحة "جمل المحامل"، وصانعه الفنان التشكيلي الفلسطيني سليمان منصور، الذي رحل مساء الإثنين عن 79 عاما، بعد مسيرة امتدت نحو خمسة عقود. لكن رحيله لا يعني غياب صوره؛ فقد تجاوزت أعماله حدود المتاحف وصالات العرض، ودخلت البيوت والذاكرة الشعبية، وأسهمت في تشكيل الطريقة التي تخيّل بها الفلسطينيون أرضهم وتاريخهم وأنفسهم.
تكوّن وعيه الفني في زمن لم يكن فيه الفلسطيني يحاول الدفاع عن أرضه وحدها، بل عن صورته وذاكرته وحقه في رواية حكايته.
لم يرسم فلسطين بوصفها مكانا فحسب، بل صاغ لها لغة بصرية جمعت الذاكرة الفردية بالحكاية الوطنية، وحوّلت الأرض والقدس والمرأة وشجرة الزيتون، إلى علامات راسخة في الوعي الفلسطيني.
من الفقد الشخصي إلى ذاكرة شعب
وُلد منصور عام 1947 في بيرزيت، قبل النكبة بعام واحد، وكأن حياته بدأت على عتبة التحول الأكبر في التاريخ الفلسطيني الحديث. فقد والده وهو في الرابعة، فعاش طفولته بين بيرزيت وبيت جالا، والتحق بمدرسة داخلية تابعة للكنيسة اللوثرية. وقبيل حرب حزيران عام 1967، انتقل إلى القدس، ثم درس في أكاديمية بتسلئيل للفنون والحرف بين عامي 1967 و1970.
تكوّن وعيه الفني في زمن لم يكن فيه الفلسطيني يحاول الدفاع عن أرضه وحدها، بل عن صورته وذاكرته وحقه في رواية حكايته. وبعد النكبة والنكسة، لم تعد اللوحة ترفا جماليا؛ أصبحت مساحة لمقاومة المحو، واستعادة ما حاول الاستعمار تفكيكه بين الإنسان والمكان.
في لوحاته، لا يظهر الفلسطيني مجرد ضحية أو رقم في خبر، بل إنسانا يحمل ذاكرته وأرضه وألمه، ويحتفظ، رغم كل شيء، بقدرته على الصمود والحلم.
انتمى منصور إلى جيل أدرك أن الهوية الفلسطينية تحتاج أيضا إلى لغة بصرية تحميها. لذلك عادت في أعماله شجرة الزيتون والبرتقالة والقرية والتطريز والمرأة الفلسطينية والبيوت الحجرية وملامح الفلاحين. لم يتعامل مع هذه العناصر بوصفها زينة تراثية، بل باعتبارها مستودعات للذاكرة وشواهد على علاقة متجذرة بين الناس وأرضهم.
وعلى امتداد مسيرته، أنجز مئات اللوحات والأعمال الزيتية والطينية، ودرّس الفنون، ورسم الكاريكاتير السياسي لصحيفة "الفجر" المقدسية ومجلة "العودة"، وأسهم في تأسيس أطر فنية فلسطينية. كما أقام معارض في رام الله ونيويورك والشارقة والنرويج والقاهرة، وظل حاضرا في المشهد الثقافي حتى أشهره الأخيرة.
كان مشروعه أوسع من إنتاج أعمال جميلة عن فلسطين؛ لقد حاول أن يمنح الفلسطينيين أدوات يرون بها أنفسهم خارج الصورة التي صنعها لهم المحتل. ففي لوحاته، لا يظهر الفلسطيني مجرد ضحية أو رقم في خبر، بل إنسانا يحمل ذاكرته وأرضه وألمه، ويحتفظ، رغم كل شيء، بقدرته على الصمود والحلم.
الرجل الذي حمل القدس
عام 1973، رسم منصور النسخة الأولى من "جمل المحامل": رجل فلسطيني مسنّ، يرتدي لباسا تقليديا، يسير حافيا تحت ثقل القدس التي يحملها على ظهره. كان جسده منحنيا، ووجهه مرهقا، وخطواته تبدو شديدة الألم، لكنه لم يلقِ المدينة عن كتفيه ولم يتوقف عن السير.
لم تحتج اللوحة إلى شرح سياسي طويل. اختزلت في مشهد واحد علاقة الفلسطيني بالقدس، وعبء التاريخ، وقسوة الاقتلاع، والإصرار على حمل ما لا يمكن التخلي عنه. لم يكن الرجل منتصرا بالمعنى البطولي الصاخب، ولم يكن مهزوما أيضا؛ كان متعبا، لكنه مستمر. وفي هذه المسافة بين الإنهاك وعدم الاستسلام، عثر الفلسطينيون على صورتهم.
خاض الفنان تجارب متعددة في الخامة والأسلوب، ولجأ خلال الانتفاضة الأولى إلى مواد محلية، من بينها الطين، في سياق البحث عن فن متحرر من التبعية للاحتلال.
انتشرت "جمل المحامل" في المنازل والمكاتب والمخيمات والشتات، حتى انفصلت، في الوعي الشعبي، عن إطارها الفني الضيق. صارت أشبه بمرآة جماعية؛ رأى كثيرون في الرجل جدّا أو أبا أو فلاحا عرفوه. وهكذا وحّدت اللوحة ذكريات أشخاص لم يلتقوا، ومنحت تجاربهم العائلية المتفرقة حكاية مشتركة.
لوقت طويل، ساد الاعتقاد بأن النسخة الأصلية من اللوحة فُقدت، قبل أن تكشف دار "كريستيز" عام 2015 وجودها لدى مقتن في لندن، بعد التحقق من أنها النسخة التي أنجزها منصور عام 1973. أما النسخة الثانية، التي رسمها عام 1976، فاقتُنيت للسفير الليبي في لندن وأُهديت إلى معمر القذافي، ثم تردد أنها دُمّرت خلال القصف الأميركي على طرابلس عام 1986. وفي عام 2005، أنجز منصور نسخة ثالثة دخلت ضمن مجموعة رمزي دلول في بيروت.
غير أن شهرة "جمل المحامل" حملت مفارقة قاسية؛ فاللوحة التي خلدت اسم منصور حجبت أحيانا تنوع تجربته. لقد خاض الفنان تجارب متعددة في الخامة والأسلوب، ولجأ خلال الانتفاضة الأولى إلى مواد محلية، من بينها الطين، في سياق البحث عن فن متحرر من التبعية للاحتلال. كانت المادة نفسها جزءا من المعنى: الأرض لا تظهر في العمل موضوعا فقط، بل تدخل في تكوينه.
الفن بوصفه مقاومة للمحو
لم يفصل منصور بين الفن والذاكرة. شارك في تأليف كتب عن الأزياء الشعبية والتطريز الفلسطيني، وتعامل مع حفظ التراث بوصفه فعلا حيا، لا محاولة لتجميد الماضي. فالثوب والقرية وشجرة الزيتون لم تكن لديه بقايا عالم مضى، بل عناصر تواصل حضورها في مواجهة من يسعى إلى مصادرتها أو نزعها من سياقها الفلسطيني.
وحصد خلال مسيرته جوائز عديدة، منها جائزة فلسطين للفنون التشكيلية عام 1998، والجائزة الكبرى في بينالي القاهرة التاسع، وجائزة اليونسكو-الشارقة للثقافة العربية عام 2019، وجائزة النيل للمبدعين العرب عام 2025. كما وثّق كتاب "على درب الغول: سيرة غيرية–مذكرات سليمان منصور"، الذي أعدته الباحثة رنا عناني، جانبا واسعا من حياته ورؤيته لدور الفنان.
رحل سليمان منصور، لكن الرجل الحافي ما زال يمشي. ما زال ظهره منحنيا تحت ثقل القدس، وما زالت خطوته مؤلمة، لكنه لا يضع المدينة أرضا.
تشبه مسيرة منصور استعارة "درب الغول" التي حملها الكتاب: طريق طويل وشاق، لا يخلو من الخسارات والانكسارات، لكن قيمته تكمن في مواصلة السير. وربما لهذا بقي رجل "جمل المحامل" أكثر شخصياته رسوخا؛ لا لأنه يمجّد الألم الفلسطيني، بل لأنه يرفض أن يجعل الألم خاتمة الحكاية.
رحل سليمان منصور، لكن الرجل الحافي ما زال يمشي. ما زال ظهره منحنيا تحت ثقل القدس، وما زالت خطوته مؤلمة، لكنه لا يضع المدينة أرضا. وفي زمن الإبادة والتهجير والاستيطان ومحاولات المحو، تستعيد اللوحة قوتها الأولى: تذكّر الفلسطينيين بأن ما يحملونه ثقيل إلى حد يفوق الاحتمال، لكنه أثمن من أن يُترك.