غزة تخسر أرضها.. و"الخط الأصفر" يقضم سلتها الغذائية
9 سبتمبر 2026
انشر الخبر على منصتك المفضلة
قبل عدوان الاحتلال "الإسرائيلي"، كانت الزراعة جزءا أساسيا من منظومة الغذاء في غزة، إذ أنتجت الأراضي الممتدة شرق القطاع الخضروات والفواكه والحبوب، ودعمت الثروة الحيوانية والسمكية، ووفرت مصدر دخل لآلاف العائلات، فيما حقق القطاع اكتفاء ذاتيا مرتفعا في عدد من السلع الأساسية.
السلة الغذائية تتآكل
لكن الحرب قلبت هذه المعادلة؛ إذ امتد التدمير إلى مختلف مقومات الإنتاج الزراعي، من تجريف الأراضي وتدمير الآبار والبرك وشبكات الري، إلى تضرر البيوت البلاستيكية والمنشآت الزراعية، فيما حُرم المزارعون من الوصول إلى مساحات واسعة من أراضيهم.
ومع تمدد ما يُعرف بـ "الخط الأصفر"، تتركز الخسارة بصورة خاصة في المناطق الزراعية الواقعة شرق قطاع غزة، وهي المناطق التي شكّلت قبل الحرب جزءًا رئيسيًا من السلة الغذائية المحلية، بما تنتجه من خضروات وفواكه ومحاصيل مختلفة.
وتكمن خطورة "الخط الأصفر" هنا في أنه لا يرسم حدودًا جغرافية جديدة فحسب، بل يعزل مساحات واسعة من الأراضي التي كانت تمثل مصدرًا أساسيًا للغذاء والدخل؛ فكل مساحة زراعية تصبح خلف الخط وخارج متناول المزارعين تعني تراجعًا في الإنتاج المحلي، ونقصًا في المحاصيل التي تصل إلى الأسواق، وزيادة في اعتماد غزة على الأغذية المستوردة والمساعدات.
3٪ فقط من الأراضي صالحة للزراعة
وتكشف أحدث بيانات منظمة الأغذية والزراعة "الفاو" حجم هذا التراجع؛ إذ لم تعد سوى ٣٪ من الأراضي الزراعية في غزة متاحة وغير متضررة وقابلة للزراعة.
وبحسب التقييم، كانت ٤٠.٩١ كم²، أي نحو ٢٧٪ من الأراضي الزراعية، متاحة للوصول حتى ٢٤ حزيران/يونيو ٢٠٢٦، لكن ٤.٤٨ كم² فقط منها بقيت متاحة وغير متضررة، كما تراجعت هذه المساحة من ٦.٠١ كم² إلى ٤.٤٨ كم² منذ تشرين الأول/أكتوبر ٢٠٢٥، بانخفاض بلغ ٢٥.٥٪.
وتعزو "الفاو" هذا التراجع، من بين عوامل أخرى، إلى تقلص إمكانية الوصول إلى الأراضي مع تمدد "الخط الأصفر"، بالتزامن مع نقص البذور والأسمدة والوقود ومعدات الري.
خسارة مستمرة.. الأرض خارج الإنتاج
ولا تعكس هذه الأرقام خسارة في المساحة فقط، بل تكشف تآكل القدرة الإنتاجية لغزة؛ فالأرض الزراعية تحتاج إلى حراثة وري وزراعة ومتابعة مستمرة، فيما تتطلب الأشجار والمحاصيل المعمرة رعاية دورية للحفاظ على إنتاجيتها، وعندما تنقطع هذه الدورة بفعل منع الوصول أو تدمير مقومات الزراعة، تصبح إعادة الأرض إلى الإنتاج أكثر كلفة وتعقيدًا، حتى بعد استعادة إمكانية الوصول إليها.
ويقدم المزارعون صورة مباشرة لهذا التحول، فالمزارع هاني المقيد، من المناطق الشرقية لمدينة غزة، يقول لـ "الميدان" إنّ أرضه التي كان يصل إليها يوميًا أصبحت خلف منطقة لا يستطيع الاقتراب منها.
لا تعكس هذه الأرقام خسارة في المساحة فقط، بل تكشف تآكل القدرة الإنتاجية لغزة؛ فالأرض الزراعية تحتاج إلى حراثة وري وزراعة ومتابعة مستمرة، فيما تتطلب الأشجار والمحاصيل المعمرة رعاية دورية للحفاظ على إنتاجيتها.
ويضيف في حديثه: "قبل الحرب، كنت أذهب إلى أرضي بشكل يومي، أزرعها وأروي المحاصيل وأتابع الأشجار وأجني ما تنتجه، أما اليوم فأصبحت الأرض خلف منطقة لا نستطيع الوصول إليها، وأي محاولة للاقتراب منها تعني تعريض حياتنا للخطر".
وكانت الأرض توفر للمقيد جزءًا كبيرًا من احتياجات أسرته، فيما يبيع الفائض في السوق. لكن خسارته اليوم لا تقتصر على الأرض، بل تشمل المحاصيل والأشجار ومعدات الزراعة التي تركها خلفه.
والحال نفسه يعيشه المزارع محمود ورش آغا، الذي يقول لـ "الميدان" إنّ الحرب حرمته من الوصول إلى مصدر دخله الوحيد، موضحًا أنّ "الأرض موجودة أمام أعيننا، لكننا لا نستطيع زراعتها؛ كانت مصدر قوتنا، وأصبحت اليوم مصدر خوف، وكل موسم يمر دون زراعتها يعني خسارة جديدة لنا ولأسرنا".
تراجع الاكتفاء الذاتيوتتجاوز آثار هذه الخسارة حدود المزارعين إلى السوق، فمسؤول الدعم والمناصرة في اتحاد لجان العمل الزراعي، المهندس حسام أبو عبدو، يؤكد إلى "الميدان" أنّ المناطق الشرقية لمحافظات القطاع كانت "العمود الفقري" للزراعة، وخصوصًا في إنتاج الخضروات المكشوفة والدفيئات، قبل أن تتعرض أجزاء واسعة منها للتدمير أو تصبح خارج نطاق الوصول.
في عام 2025، لم تتجاوز المساحة المتاحة للزراعة، بحسب أبو عبدو، 1.5% من إجمالي الأراضي، ما جعل الإنتاج المحلي يغطي نحو 5 إلى 10% فقط من الاحتياجات الغذائية، وقد يقترب من الصفر في بعض الفترات.
ووفق أبو عبدو، فإنّ أكثر من 50% من الأراضي الزراعية كانت مخصصة لإنتاج الخضروات والفواكه، وهي التي كانت توفر الجزء الأكبر من الإنتاج الطازج اليومي.
ويشير إلى أنّ غزة كانت قبل الحرب تحقق اكتفاءً ذاتيًا يقدّر بنحو 90% في عدد من السلع، بينها الخضروات والبيض والدواجن والمواشي، بينما باتت تعتمد بعد الحرب على الاستيراد بنسبة تقارب 90% أو أكثر.
وفي عام 2025، لم تتجاوز المساحة المتاحة للزراعة، بحسب أبو عبدو، 1.5% من إجمالي الأراضي، ما جعل الإنتاج المحلي يغطي نحو 5 إلى 10% فقط من الاحتياجات الغذائية، وقد يقترب من الصفر في بعض الفترات.
خسائر فادحة وأزمة الغذاء تتعمقلكن تراجع الوصول إلى الأرض ليس سوى جزء من الانهيار، إذ أعلنت وزارة الزراعة الفلسطينية في غزة أنّ الأضرار طالت أكثر من ٨٥٪ من القطاعات الزراعية الحيوية، وقدرت الخسائر التراكمية بنحو ٣.٤٩ مليارات دولار.
كما تضرر ١٥٨,٩٠٩ دونمات من أصل ١٨٢,٢٤٧ دونمًا من الأراضي الصالحة للزراعة، وخرج نحو ٨,٧٠٠ بئر زراعي عن الخدمة، إلى جانب تضرر ٣,٨٢٨ بركة مياه وتدمير ١,٣٧١ كيلومترًا من شبكات نقل المياه الزراعية.
من إنتاج الغذاء إلى استيرادهبذلك، لا تبدو أزمة الغذاء في غزة منفصلة عن تدمير الزراعة، بل هي نتيجة مباشرة له، فحين تتراجع مساحة الأرض القابلة للوصول، وتتوقف مصادر المياه، وترتفع تكلفة الإنتاج، يصبح إنتاج الغذاء المحلي أكثر صعوبة، بينما تصبح الأسواق أكثر اعتمادًا على الاستيراد والمساعدات.
وهذا هو البعد الأعمق لـ "الخط الأصفر": أنه لا يقتطع من مساحة غزة فحسب، بل يقتطع من قدرتها على إنتاج غذائها. وكلما اتسعت المساحات الخارجة عن متناول المزارعين، تقلصت "السلة الغذائية" المحلية، وتعمق الاعتماد على الخارج.
من دون استعادة قدرة الفلسطينيين على الوصول إلى أراضيهم وإنتاج غذائهم، ستتجاوز أزمة الغذاء في غزة مجرد نقص المواد الغذائية، لتتحول إلى أزمة أعمق تتمثل في فقدان القدرة على إنتاج الغذاء نفسه.
قبل الحرب، كان القطاع الزراعي يمثل نحو 10% من اقتصاد غزة ويعيل أكثر من 560 ألف نسمة. أما اليوم، فإن الخطر لا يتمثل فقط في خسارة موسم زراعي أو مصدر دخل، بل في فقدان القدرة على استعادة منظومة غذائية كاملة.
لذلك، فإن استعادة الزراعة في غزة لا تتطلب فقط إعادة تأهيل الأرض، وإنما إعادة بناء سلسلة الإنتاج بأكملها: من الأرض والمياه والبذور، إلى المزارع والسوق.
ومن دون استعادة قدرة الفلسطينيين على الوصول إلى أراضيهم وإنتاج غذائهم، ستتجاوز أزمة الغذاء في غزة مجرد نقص المواد الغذائية، لتتحول إلى أزمة أعمق تتمثل في فقدان القدرة على إنتاج الغذاء نفسه.