حياة في غرفة الانتظار.. كيف سُلب الغزيون ملكية وقتهم؟
3 سبتمبر 2026
انشر الخبر على منصتك المفضلة
لم تكن الساعة قد تجاوزت السادسة صباحا، لكن النوم لم يعد سببا كافيا للبقاء في الفراش، وصل إلى الحي خبر بأن صهريجا للمياه قد يأتي اليوم، لا أحد يعرف متى سيصل بالتحديد ولا كمية الماء التي يحملها، ولا إن كان سيصل أصلا، ومع ذلك كان على كل عائلة أن تتصرف كما لو أن الموعد مؤكد وتخرج أحد أفرادها مبكرا، يحمل الأوعية والقالونات الفارغة إلى المكان المتوقع ويرصّها في الطابور ثم يبدأ الانتظار.
في البيت يبقى شخص آخر قريبا من الهاتف، يراقب شاشته كل بضع دقائق تحسبا لوصول رسالة تخبره بموعد توزيع المساعدات الغذائية، وثالث يمضي إلى مكان بعيد بحثا عن نقطة كهرباء، آملا أن يعود بهاتف مشحون وبطارية صغيرة تكفي لإنارة خيمة العائلة لساعات فقط، قد يمر الصباح كله قبل أن يصل الماء، وقد لا تصل المساعدات، وقد يعود الهاتف مشحونا بينما تنفد البطارية قبل المساء.
لم تعد الحرب في غزة تقتصر على أخذ البيوت والأمان وأسباب العيش، لقد امتدت إلى شيء أكثر خفاء والتصاقا بالإنسان وهو حقه في امتلاك وقته.
في اليوم التالي تتبدل الأدوار، وتتغير الوجهات وتبدأ خطة جديدة لا تشبه سابقتها، لا مواعيد ثابتة، ولا برنامج يمكن الوثوق به، ولا إجابة واضحة عن السؤال الأبسط الذي كان الناس يطرحونه يوما من دون تفكير: ماذا سنفعل غدا؟
هكذا لم تعد الحرب في غزة تقتصر على أخذ البيوت والأمان وأسباب العيش، لقد امتدت إلى شيء أكثر خفاء والتصاقا بالإنسان وهو حقه في امتلاك وقته، فاليوم في غزة نرتّب يومنا وفق ما قد يصل وما قد ينقطع، ما يُفتح وما يُغلق، وما تسمح به الحرب في تلك الساعات، تحولّت حياتنا مع الحرب إلى سلسلة من الانتظارات، وصار المستقبل أقصر من أن يُخطّط له، حتى بدت حياة كاملة وكأنها عالقة في غرفة انتظار لا يعرف أحد متى يُنادى اسمه للخروج منها.
أن تمتلك وقتك..
في دراسة منشورة في مجلة Subjectivity في 26 أغسطس 2026، أجرى باحثون مقابلات مع ثلاثين نازحا في غزة حول علاقتهم بالوقت خلال الحرب، ووجدوا أن الزمن لدى المشاركين لم يعد يُعاش بصورة خطية تتجه إلى الأمام، إنما أصبح متقطعا ومعلقا ومنفصلا تدريجيا عن فكرة المستقبل، وأن المستقبل ينهار داخل حاضر طويل لا ينتهي.
والحقيقة أن الإنسان نادرا ما يفكر في الوقت بوصفه شيئا يملكه، نحن نشعر بملكيته فقط حين نفقده، فقبل الحرب بالتأكيد لم تكن الحياة في غزة سهلة، ولم يكن الغزيون يعيشون خارج الحصار أو الظروف الصعبة، لكن الإنسان كان لا يزال يحتفظ بهامش يستطيع داخله أن يرتب حياته، فمثلا يستيقظ في موعد عمله، يحدد ساعة محاضرته في الجامعة، يرتب زيارة عائلية مساء الخميس، يحجز موعدا عند طبيب، يؤجل مهمة إلى الغد، ويجدول لقاءا مع صديقه بعد أسبوع مثلا.
كل الناس ينتظرون في حياتهم، الفرق أن الانتظار الطبيعي له حدود تقريبية، تنتظر حافلة تعرف مسارها، أو موعدا تعرف ساعته، أو نتيجة تعرف متى تصدر، أما الانتظار في غزة فغالبا بلا سقف.
كانت هناك رغم كل شيء علاقة مفهومة بين الوقت والفعل، الساعة الثامنة تعني المدرسة أو العمل، الظهر موعد للعودة إلى المنزل، الجمعة لها إيقاع مختلف، العام الدراسي له بداية ونهاية، الراتب يأتي في وقت معروف ويُجدول صرفه وفق لأولويات الحياة، والامتحان له تاريخ، الزواج يسبقه استعداد، مشروع صغير يمكن أن يُبنى على خطة تمتد أشهرا.
هذه التفاصيل التي تبدو شديدة العادية هي في الحقيقة جزء أساسي من معنى الاستقرار، أن يستطيع الإنسان أن يفترض أن المستقبل القريب موجود، وأن يتصرف اليوم بناء على هذا الافتراض، لكن في الحقيقة الحرب في غزة ضربت هذه الفكرة تماما، وهكذا فقد كثيرون تلك الملكية غير المرئية التي كان الغزي يمارسها كل يوم دون أن يسميها أو يشعر بها.
العيش في طوابير..يمكن النظر الآن إلى اليوم في غزة بوصفه سلسلة من الانتظارات والطوابير، انتظار الماء، انتظار الخبز، انتظار التكية، انتظار شحن الهاتف، انتظار وسيلة مواصلات، انتظار طابور طويل على دور تحويلة العلاج، انتظار أسير مظلوم أو مفقود غائب، وانتظار ذلك الشيء الأكبر الذي يعلّق في عقولنا جميعا متى تنتهي الحرب فعلا، ومتى تصبح الحياة قابلة لأن تبدأ من جديد؟
ليست المشكلة في أن هذه الأشياء تستغرق وقتا فحسب، كل الناس ينتظرون في حياتهم، الفرق أن الانتظار الطبيعي له حدود تقريبية، تنتظر حافلة تعرف مسارها، أو موعدا تعرف ساعته، أو نتيجة تعرف متى تصدر، أما الانتظار في غزة فغالبا بلا سقف.
الفقر في الوقت..
كشفت الحرب على غزة عن شكل آخر من الفقر لا يظهر في قوائم المساعدات وهو فقر الوقت، أن تكون فقيرا في الوقت يعني ألا تملك ساعات حرة تستطيع تحويلها إلى تعليم أو عمل أو راحة أو علاقة اجتماعية أو حتى نوم.
فالمرأة التي تقضي جزءا كبيرا من نهارها في تدبير الماء والطعام وغسل الملابس بوسائل بدائية ليست أمامها الساعات نفسها التي كانت تملكها حين كانت هذه الخدمات تصل إلى منزلها، والشاب الذي يمشي مسافة طويلة لشحن هاتفه ثم ينتظر دوره، لا يخسر فقط ثمن الشحن، يخسر ساعات كان يستطيع أن يتعلم أو يعمل خلالها.
هناك فرق جلي بين الخوف من المستقبل وفقدان القدرة على استخدامه، فالإنسان قد يخاف من امتحان الأسبوع المقبل، لكنه مع ذلك يدرس له، وقد يقلق من مشروعه المقبل لكنه يخطط له أي أن المستقبل رغم القلق يظل مساحة للفعل.
فكلما كان الإنسان أكثر هشاشة، ابتلع تدبير البقاء نسبة أكبر من يومه، من لديه مال قد يشتري خدمة توفر عليه شيئا من الانتظار، ومن يملك بطارية أو لوحا شمسيا صغيرا لا يبحث عن الشحن بالطريقة نفسها، ومن يستطيع دفع أجرة نقل يوفر مسافة من المشي، أما الأكثر فقرا فيدفعون ثمن ندرة الموارد من عملة إضافية لا يلتفت إليها أحد وهي أعمارهم نفسها على شكل ساعات مهدورة بشكل يومي، بحيث يصبح الفقر بهذا المعنى أن تنفق يومك كاملا من أجل الوصول إلى الأشياء الضرورية كي تعيش يوما آخر.
الغد المجهول..
من المهم الانتباه إلى أنه هناك فرق جلي بين الخوف من المستقبل وفقدان القدرة على استخدامه، فالإنسان قد يخاف من امتحان الأسبوع المقبل، لكنه مع ذلك يدرس له، وقد يقلق من مشروعه المقبل لكنه يخطط له أي أن المستقبل رغم القلق يظل مساحة للفعل.
في حين أن الأمر مختلف تماما في غزة، فقد تقلصت هذه المساحة بصورة جذرية، مثلا لو نظرنا في اللغة اليومية التي صنعتها الحرب.. "إذا لقينا مواصلات"، "إذا اشتغلت الشبكة"، "إذا ما صار إخلاء" ، "إذا كانت الدنيا رايقة"، ولو تأملنا هذه الجمل، سنجد أن الفعل نفسه لم يعد ممكنًا إلا بعد اجتياز سلسلة من الشروط، وهذا يكشف أن الإنسان لم يعد يرى المستقبل امتدادا طبيعيا للحاضر.
من أكثر جرائم الحرب خفاء: أن يبقى الإنسان حيا، بينما يُسرق عمره كله.
والحقيقة أن المسألة هنا أعمق بكثير من الشعور بالملل أو تباطئ الحياة، فالمستقبل جزء من البنية النفسية للحياة، نحتمل تعب اليوم لأن لدينا صورة ما عن الغد، يدرس الطالب لأنه يتخيل الوظيفة والمشاريع التي سترافقها وتتبعها، يتحمل العامل سنوات من الجهد لأنه يربطها بسعادة أطفاله وأسرته، لكن حين يصبح المستقبل غير مضمون إلى هذا الحد، يتعطل جزء من المنطق الذي يربط التضحية بالنتيجة.
هناك مقياس خفي للحرب لا يأخذه الناس في عين الاعتبار وهو عدد الحيوات التي توقفت وأصحابها ما زالوا أحياء، ففي غزة مرّت سنوات كاملة والناس معلّقة فيها بالانتظار، وصار الوقت عبئا يستهلكها يوما بعد يوم وليس مساحة يعيش فيها الإنسان حياته.
في النهاية ستُبنى البيوت، وستفتح المدارس أبوابها، وستعود المياه إلى الصنابير، وسيبدأ الناس من جديد، لكن شيئا واحدا لن يعود، السنوات التي مرّت والناس تؤجل حياتها، والأعمار الكاملة التي استُنزفت ببطء يوما بعد يوم، في انتظار أن يسمح لهم العالم بأن يعيشوا، وهذه واحدة من أكثر جرائم الحرب خفاء: أن يبقى الإنسان حيا، بينما يُسرق عمره كله.