بين الركام والخيام.. مدارس غزة تبدأ عاما جديدا
28 أغسطس 2026
انشر الخبر على منصتك المفضلة
مع اقتراب بدء العام الدراسي الجديد في قطاع غزة، تبدو العودة إلى مقاعد الدراسة مختلفة هذه المرة؛ فالمدارس التي كانت تستقبل آلاف الطلبة تحولت إلى مبانٍ مدمرة، وأخرى إلى مراكز إيواء، فيما يحاول القائمون على العملية التعليمية توفير بدائل مؤقتة لاستيعاب مئات آلاف الطلبة في ظل واقع استثنائي فرضته حرب الإبادة. ولا تتوقف تداعيات الدمار عند حدود المباني والمنشآت، إذ خلف توقف التعليم وتقلص عدد الحصص الدراسية فجوة تعليمية متراكمة، فيما يواجه الطلبة آثارًا نفسية وأكاديمية عميقة، ويجد الأهالي أنفسهم أمام أعباء جديدة لتوفير القرطاسية والملابس والأجهزة والإنترنت، إلى جانب مخاوف تتعلق بسلامة أبنائهم داخل المدارس.
دمار واسع وبدائل قاسية تضاعف الفاقد التعليمي
يكشف حجم الأضرار التي لحقت بالمنظومة التعليمية عن واحدة من أكبر الأزمات التي تواجهها غزة مع بداية العام الدراسي. ويقول الدكتور عائد الربعي، مدير الإدارات المدرسية في وزارة التربية والتعليم بغزة، إن "أكثر من 85% من المباني التعليمية دُمرت بشكل كامل، والباقي تعرض لأذى بليغ"، مشيرًا إلى أن الدمار طال كذلك مبنى الوزارة الرئيسي والمباني الإدارية التابعة لها وللمديريات. ولم تسلم المباني المتبقية من آثار الحرب، إذ استُخدم جزء منها كمراكز لإيواء النازحين، ما جعل قدرة الوزارة على استيعاب الطلبة أكثر صعوبة.
وأمام خروج هذا العدد الكبير من المدارس عن الخدمة، اضطرت الوزارة إلى البحث عن بدائل مؤقتة شملت الخيام والمنشآت الخشبية والسيكوريت، إلى جانب اعتماد نظام التدوير للمدارس بما يسمح باستخدام المساحات التعليمية المتاحة لأكبر عدد ممكن من الطلبة. لكن هذه البدائل انعكست بصورة مباشرة على عدد الساعات الدراسية التي يحصل عليها الطالب؛ حيث يوضح الربعي: "الطالب في الوضع الاعتيادي كان يدرس من 30 إلى 33 حصة أسبوعيًا، أما الآن فيدرس فقط 12 حصة، ويدرس المواد الأساسية فقط." هذا الانخفاض الحاد أدى إلى تراكم الفاقد التعليمي، في وقت يحتاج فيه الطلبة أصلًا إلى برامج مكثفة لتعويض ما فاتهم خلال سنوات الحرب والانقطاع.
"بيئة الخيام صعبة كبيئة تعليمية، فهي حر شديد في الصيف وبرد قارص في الشتاء، ولا بد من استبدال تلك الخيام ببدائل ملائمة".
ولا تقتصر المشكلة على الكم، بل تمتد إلى البيئة التي يتلقى فيها الطلبة تعليمهم؛ فالخيام التي تحولت إلى صفوف دراسية لا توفر ظروفًا استقرارية. ويصف الربعي هذه البيئة بالقول: "بيئة الخيام صعبة كبيئة تعليمية، فهي حر شديد في الصيف وبرد قارص في الشتاء، ولا بد من استبدال تلك الخيام ببدائل ملائمة". وتصرح الوزارة بأنها بحاجة ماسة لإدخال مواد البناء لإعادة إعمار المدارس المدمرة، أو في الحد الأدنى استبدال الخيام بمنشآت خشبية أكثر ملاءمة للبيئة التعليمية.
خطط الاستيعاب وشروط ضبط المراكز التعليمية
رغم حجم الدمار، تعمل وزارة التربية والتعليم على توسيع قدرتها الاستيعابية مع بداية العام الدراسي في سبتمبر/أيلول 2026. ويشير الربعي إلى أن الوزارة استحدثت 33 مدرسة حكومية جديدة تضم 60 إدارة مدرسية، ليرتفع إجمالي المدارس الحكومية إلى 207 مدارس تضم نحو 400 إدارة مدرسية، ومن المتوقع أن تستقبل نحو 337 ألف طالب في جميع الصفوف من المرحلة التمهيدية وحتى الصف الثاني عشر. كما منحت الوزارة تراخيص لـ 65 مدرسة تتبع لمؤسسات تعليمية، يُتوقع أن تستقبل نحو 65 ألف طالب بصورة وجاهية.
وتعتمد الوزارة كذلك على منصات إلكترونية، من بينها "Eschool" و"وايز سكول"، لتسجيل الطلبة ومتابعة العملية التعليمية. لكن التعليم الإلكتروني لن يكون البديل الرئيسي؛ إذ تؤكد الوزارة أن الغالبية العظمى من الطلبة ستعود إلى التعليم الحضوري، بينما سيبقى التعليم الإلكتروني خيارًا مكملًا للطلبة الذين لا يستطيعون الوصول إلى المدارس، وبحسب الربعي فإن نسبة الملتحقين بالتعليم الإلكتروني تقل عن 8% من الطلبة.
دعت الوزارة المدارس الخاصة إلى مراعاة الظروف الاقتصادية الصعبة للأهالي وتقليص الرسوم قدر الإمكان، مؤكدة أن التعليم الحكومي الوجاهي متاح مجانًا دون رسوم.
ومع اتساع دور المراكز التعليمية المؤقتة والمدارس الخاصة كحلول لسد الفجوة، وضعت الوزارة معايير لضبط عملها؛ حيث عممت قائمة تشمل صلاحية المنشآت، والمساحات التعليمية والحرة، إلى جانب المتابعة الفنية والإشرافية من المديريات عبر نظام إلكتروني موحد. كما دعت الوزارة المدارس الخاصة إلى مراعاة الظروف الاقتصادية الصعبة للأهالي وتقليص الرسوم قدر الإمكان، مؤكدة أن التعليم الحكومي الوجاهي متاح مجانًا دون رسوم.
المراكز التعليمية: شريان حياة مؤقت لمواجهة الفجوة الأكاديمية والنفسيةمن داخل مركز " Full Mark" التعليمي، تلاحظ المعلمة إسلام الطويل أن آثار الحرب امتدت إلى القدرات الأكاديمية والحالة النفسية للطلبة، موضحة أن الطلاب يعيشون "حالة من الانقسام الحاد" بين رغبتهم في العودة للدراسة واستعادة حياتهم الطبيعية، وبين حملهم لآثار نفسية تراكمية انعكست على تركيزهم واستقرارهم الدراسي. وتضيف أن الفجوة تظهر خاصة في المهارات التأسيسية كمادتي الرياضيات واللغات العربية والإنجليزية، مع ضعف واضح في الحساب والقراءة والكتابة والإملاء حتى لدى طلبة المراحل المتوسطة، وتتسع الفجوة أكثر في المواد التراكمية كالعلوم.
ورغم صعوبة الظروف، ترى الطويل أن المراكز التعليمية تُعد "شريان حياة مؤقت يمنع التجهيل ويحافظ على الحد الأدنى من الاستمرارية"، رغم ما تواجهه هذه المراكز من نقص الكتب والقرطاسية والمستلزمات، وتذبذب الكهرباء والإنترنت، والاكتظاظ. وتؤكد الطويل أن المرحلة الحالية تحتاج إلى خطة تعليم طوارئ تركز على ترميم الفاقد التعليمي والمهارات الأساسية، وتوفير حلول مؤقتة أكثر ملاءمة.
أعباء اقتصادية ومخاوف أمنية تلاحق الأهالي
لا تتوقف الاحتياجات عند المبنى المدرسي؛ فالوزارة تواجه نقصًا حادًا في الأثاث والسبورات، ويقول الربعي: "الكثير من طلبتنا ما زالوا يجلسون على الأرض، في ظل انعدام الكراسي والطاولات." كما تحتاج الوزارة لتوفير الزي المدرسي والمعاطف والأحذية الشتوية لأكثر من 620 ألف طالب في مراحل التعليم الإلزامي ونحو 58 ألف طفل في التمهيدي.
وفي البيوت، تواجه الأسر عبئًا اقتصاديًا آخر؛ فتقول مروة خضر، وهي أم لثلاثة أطفال، إن الاستعداد للعام الجديد يأتي مصحوبًا "بالتوتر والقلق والخوف"، في ظل انعدام مصدر الدخل وتكلفة القرطاسية الباهظة، حيث قد تكلف الدفاتر وحدها نحو 50 شيكلًا لأحد أطفالها لشهر ونصف فقط، ما دفع الكثيرين للاعتماد على المساعدات. وتضيف خضر أن التعليم الإلكتروني يشكل عبئًا إضافيًا يتطلب توفير الكهرباء والإنترنت والأجهزة التي اضطرت بعض العائلات لبيعها لتوفير أساسيات الحياة.
ولا تقتصر مخاوف الأهالي على الشق المالي، بل بسلامة الأطفال؛ حيث تقول خضر بوضوح: "أنا كأم غير مستعدة حتى الآن لإرسال أطفالي للمدرسة، لأنها حتى الآن غير مهيأة بالشكل الجيد لاستقبال الأطفال." فالمخاوف من القصف لا تزال حاضرة وتنعكس على الأطفال بكوابيس وفزع أثناء النوم، ليختصر أحد أطفالها المشهد بسؤال مؤلم: "لو رحت ع المدرسة وانقصفت؟!"، وهو سؤال يكشف حجم الأثر النفسي الذي جعل المدرسة ترتبط بالخوف بدلاً من الأمان.
عام دراسي جديد: هل تكون العودة بداية للتعافي؟مع بداية العام الدراسي الجديد، تقف غزة أمام مهمة تتجاوز إعادة فتح أبواب المدارس. فالوزارة تحاول توسيع القدرة الاستيعابية وتوفير بدائل للمدارس المدمرة، والمراكز التعليمية تسعى إلى ترميم فجوات أكاديمية ونفسية متراكمة، فيما يواجه الأهالي تكاليف تعليمية متزايدة ومخاوف تتعلق بسلامة أطفالهم.
بين الركام والفجوات التعليمية، تبدو معركة العام الدراسي الجديد في غزة معركة من أجل أكثر من مجرد الدروس والحصص؛ إنها محاولة لاستعادة سنوات تعليمية فقدها الأطفال، وإبقاء حقهم في التعلم حاضرًا رغم كل ما أصاب منظومتهم التعليمية من دمار.
وبينما تؤكد وزارة التربية والتعليم أن التعليم الوجاهي سيكون المسار الأساسي خلال العام الجديد، تبقى البيئة التي سيجري فيها هذا التعليم أحد أكبر التحديات، في ظل استمرار الاعتماد على الخيام والمنشآت المؤقتة ونقص الأثاث والمستلزمات. أما بالنسبة للأهالي، فالمطلب يبدو أكثر بساطة: مدرسة آمنة، بيئة مناسبة، ومستلزمات أساسية يستطيع أطفالهم من خلالها استعادة حقهم في التعليم. وبين الركام والفجوات التعليمية، تبدو معركة العام الدراسي الجديد في غزة معركة من أجل أكثر من مجرد الدروس والحصص؛ إنها محاولة لاستعادة سنوات تعليمية فقدها الأطفال، وإبقاء حقهم في التعلم حاضرًا رغم كل ما أصاب منظومتهم التعليمية من دمار.