بؤرة على عتبة المنزل .. هكذا يحاصر الاستيطان أهالي قصرة
26 أغسطس 2026
انشر الخبر على منصتك المفضلة
على بُعد نحو 24 كيلومترًا جنوب مدينة نابلس، 6 آلاف نسمة، تتربع بلدة قصرة، إحدى البلدات الفلسطينية التي منحها موقعها الجغرافي الاستراتيجي أهمية خاصة، وجعلها في مرمى أطماع المخططات الاستيطانية المتواصلة.
تقع قصرة على مساحة تبلغ نحو 9 كيلومترات مربعة، وترتفع في بعض قممها، ولا سيما جبل رأس العين، إلى نحو 930 مترا فوق سطح البحر، ما يجعل ارتفاعها مقاربًا لجبلي عيبال وجرزيم في نابلس. ويمنح هذا الارتفاع البلدة إطلالة واسعة على غور الأردن شرقا، فضلا عن إشرافها على عدد من البلدات والقرى المحيطة بها.
ويحيط بالبلدة طوق استيطاني آخذ في الاتساع، في وقت يقطنها نحو ستة آلاف فلسطيني. فتجثم مستوطنة "مجدوليم" شمال شرق البلدة، ممتدة على آلاف الدونمات من أراضيها الزراعية، فيما تنتشر في التلال الجنوبية والجنوبية الشرقية بؤر استيطانية شديدة التطرف، أبرزها بؤرة "إيش كوديش"، التي تُعد منطلقا لهجمات المستوطنين المتكررة، إلى جانب بؤرتي "أحيا" و"كيدا".
وترتبط هذه البؤر جغرافيا بكتلة مستوطنات "شيلو الكبرى"، التي تضم مستوطنة "شيلو" ومستوطنات أخرى، من بينها "عيليه" و"معاليه ليبونا" و"شفوت راحيل".
مع كل بؤرة جديدة، لا يخسر الفلسطينيون مساحات من أراضيهم فحسب، بل يُحرمون أيضا من الوصول إلى الأراضي المحيطة بها واستغلالها، سواء في التوسع العمراني أو الزراعة أو رعي الماشية، بل وحتى الاقتراب منها، خشية تعرضهم لاعتداءات المستوطنين.
ويأتي هذا التوسع في سياق مخططات تهدف إلى ربط المستوطنات المنتشرة في وسط الضفة الغربية بالمستوطنات القائمة شرقا في عمق الأغوار، بما يعزز عزل شمال الضفة الغربية المحتلة عن جنوبها، ويهدد فرص إقامة دولة فلسطينية متصلة جغرافيا، ويدفع باتجاه تحويل التجمعات الفلسطينية إلى كانتونات معزولة.
ولا تتوقف مخاوف أهالي قصرة عند مصادرة الأراضي وإقامة البؤر الاستيطانية، إذ يخشون أن يمتد التوسع الاستيطاني تدريجيا إلى محيط منازلهم، في ظل ما يصفونه بسرطان استيطاني يتمدد بوتيرة متسارعة ودون رادع.
فمع كل بؤرة جديدة، لا يخسر الفلسطينيون مساحات من أراضيهم فحسب، بل يُحرمون أيضا من الوصول إلى الأراضي المحيطة بها واستغلالها، سواء في التوسع العمراني أو الزراعة أو رعي الماشية، بل وحتى الاقتراب منها، خشية تعرضهم لاعتداءات المستوطنين.
وتقع معظم أراضي قصرة ضمن المنطقتين "ب" و"ج" وفق تقسيمات اتفاقية أوسلو، ما يجعل أجزاء واسعة منها عرضة لمزيد من القيود والسيطرة الإسرائيلية.
حصار ثلاث عائلات
ومؤخرا، شهدت قصرة تصعيدا لافتا، بعدما اقتحم مستوطنون أطراف البلدة ونصبوا خياما تمهيدا لإقامة بؤرة رعوية جديدة بالقرب من منازل الفلسطينيين، في محاولة لفرض واقع استيطاني جديد، ضمن سياسة ممنهجة تتزامن مع دعم حكومة الاحتلال للتوسع الاستيطاني وتذليل العقبات أمامه.
ومع بداية شهر آب/أغسطس الجاري، أقام مستوطنون بؤرة استيطانية في محيط منازل الفلسطينيين على الأطراف الغربية للبلدة، وفرضوا حصارا على ثلاثة منازل، قطعوا خلاله الطريق المؤدية إليها، ومنعوا السكان من الوصول إليها أو مغادرتها، قبل أن تعلن قوات الاحتلال المنطقة ثكنة عسكرية.
وتواصل "الميدان" مع أحد السكان المحاصرين، قصي أبو ريدة، الذي تحدث عن اعتداءات يومية يتعرض لها السكان من قبل المستوطنين، مشيرا إلى أن الحصار المشدد حال دون خروجهم من منازلهم أو وصول أي جهة إليهم، حتى نفدت لديهم كميات من الطعام والماء والدواء.
وقال أبو ريدة إن المستوطنين تعمدوا قطع الماء والكهرباء عن المنازل، في محاولة للضغط على السكان ودفعهم إلى مغادرة بيوتهم، تمهيدا للاستيلاء عليها.
"شعور جدا سيئ، بيتي هناك وأنا مش قادرة أوصله. الجنود اللي ما إلهم حق يكونوا بفلسطين بأكملها، قاعدين داخل بيتي على أساس إنها ثكنة عسكرية، وعلى أساس يطردوا المستوطنين، لكن المستوطنين رايحين جايين قدام عيونهم ومش عاملينلهم أي إشي".
وتعيش العائلات الثلاث حالة من القلق والتوتر، في ظل استمرار وجود المستوطنين في محيط منازلها، ومخاوف متزايدة على سلامتها ومصيرها بعد أيام من الحصار.
ويقول أبو ريدة: "على مدار ثلاثة ليال، اقتحم المستوطنون ساحة منزلي ومنزل جاري، وبدأوا برمي الحجارة علينا. كان الوضع مرعبا جدا، خصوصا في الليل، وما بنقدر ننام، فنضطر نظل صاحيين وعلى أعصابنا. كنت أنا وابني نتناوب على المراقبة خوفا من هجوم مفاجئ".
ويضيف: "الاحتلال طلب مني ومن جاري يوسف مغادرة منازلنا، بحجة وجود أمر عسكري بإخلاء المنازل وتحويلها إلى ثكنات عسكرية. وضعنا الفراش أمام المنازل ورفضنا الخروج من المنطقة، وبعدها عدت إلى المنزل".
ورغم الحصار والتهديد، يؤكد أبو ريدة تمسكه بمنزله، قائلا: "إحنا صامدين في بيوتنا مهما عملوا. هاي بيوتنا، بنيناها بعرق جبينا، ما بنطلع منها لو كلفنا ذلك الشهادة".
وفي المقابل، منعت قوات الاحتلال زوجة يوسف وابنتيه من العودة إلى المنزل، بعدما خرجن بوساطة سيارة إسعاف لنقل إحدى بناته للعلاج. ومنذ ذلك الوقت، تحاول الزوجة جاهدة الوصول
إلى منزلها والاطمئنان على زوجها المحاصر، في ظل إغلاق الطريق ومنع الوصول إلى المنطقة من قبل المستوطنين والقوات الإسرائيلية.
وتقول رقية حسان، زوجة المحاصر يوسف: "شعور جدا سيئ، بيتي هناك وأنا مش قادرة أوصله. الجنود اللي ما إلهم حق يكونوا بفلسطين بأكملها، قاعدين داخل بيتي على أساس إنها ثكنة عسكرية، وعلى أساس يطردوا المستوطنين، لكن المستوطنين رايحين جايين قدام عيونهم ومش عاملينلهم أي إشي".
حصار تحت غطاء عسكري
وتعالت المطالبات بضرورة فك الحصار عن العائلات الثلاث وإزالة البؤرة الرعوية، فيما حاول أهالي البلدة الوصول إلى العائلات المحاصرة، إلا أن محاولاتهم باءت بالفشل بسبب منعهم من قبل المستوطنين وقوات الاحتلال.
كما منعت قوات الاحتلال متضامنين وصحفيين من الوصول إلى العائلات، في محاولات لإيصال الماء والطعام والأدوية إليها وكسر الحصار المفروض عليها.
ويصف رئيس بلدية قصرة، عبد العظيم الوادي، ما جرى بأنه "مسرحية هزلية"، مشيرا إلى أن قوات الاحتلال أزالت الخيمة التي نصبها المستوطنون، قبل أن يعيدوا إقامتها بعد ساعات.
ويقول الوادي إن قوات كبيرة من جيش الاحتلال اقتحمت البلدة واتخذت منزلين ثكنة عسكرية، مضيفا: "كان بإمكانهم حسم الأمر خلال دقائق باعتقال المستوطنين، لكنها ما هي إلا أدوار متبادلة كوسيلة للضغط على السكان لترحيلهم".
اعتداءات متواصلة
ولا تُعد الاعتداءات الأخيرة حادثة منفصلة في قصرة، التي سبق أن تعرضت لسلسلة من اعتداءات المستوطنين، شملت منع المزارعين من الوصول إلى أراضيهم وحراثتها، والاعتداء عليهم، ومصادرة الأراضي وسرقة المواشي.
كما تعرض مسجدان في البلدة للاعتداء والحرق؛ مسجد النورين عام 2011، ومسجد الرحمة قبل نحو شهر.
وأمام هذا الإرهاب الاستيطاني المتصاعد، يصر الفلسطينيون في قصرة على البقاء في أرضهم والتشبث بمنازلهم، رغم ما يحيط بهم من تهديدات وضغوط، مؤكدين أن الأرض ليست مجرد مساحة للسكن، بل ذاكرة وهوية وحق لا يتنازلون عنه.
شهدت الأراضي الفلسطينية منذ تشرين الأول/أكتوبر 2023 إقامة نحو 200 بؤرة استيطانية جديدة، في مؤشر على حجم التوسع الاستيطاني المتسارع الذي يطال الأراضي الفلسطينية ويعيد تشكيل واقعها الجغرافي والديمغرافي.
ففي قصرة، كما في كثير من بلدات الضفة الغربية، تبدو معركة البقاء يومية؛ تبدأ بالأرض ولا تنتهي عند عتبة المنزل، فيما يردد أهلها لسان حال الفلسطيني المتشبث بأرضه: "إنا باقون ما بقي الزعتر والزيتون".
ووفقا لبيانات هيئة مقاومة الجدار والاستيطان، شهدت الأراضي الفلسطينية منذ تشرين الأول/أكتوبر 2023 إقامة نحو 200 بؤرة استيطانية جديدة، في مؤشر على حجم التوسع الاستيطاني المتسارع الذي يطال الأراضي الفلسطينية ويعيد تشكيل واقعها الجغرافي والديمغرافي.