الشهيد أبو رعد.. لا تمت قبل أن تكون ندا
22 أغسطس 2026
انشر الخبر على منصتك المفضلة
في مخيم جنين، حيث تختزن الأزقة حكايات أُناس جاؤوا إليها محملين بذاكرة قرى ومدن فلسطينية اقتلعوا منها، بدأت حكاية فتحي زيدان خازم، قبل أن يصبح معروفا بين الناس باسم "أبو رعد"، وقبل أن يصبح اسمه مرتبطا بالمطاردة والفقدان.
حمولة الزكارنة من قباطية والتي تعود إليها عائلة خازم، غادرت قبل أكثر من قرن ونصف، إلى شفا عمرو، واتخذتها موطنا حيث عمل أفرادها في الأرض والبناء والتجارة وأعمال أخرى. عاش الوالد زيدان خازم سنوات شبابه في شفا عمرو، وبعد احتلال فلسطين، اعتقلته سلطات الاحتلال وسحبت هويته وأبعدته إلى خان يونس التي كانت تحت الإدارة المصرية آنذاك.
أمضى زيدان خمسة أعوام قبل أن يقرر العودة إلى جنين، والاستقرار في مخيمها؛ حيث تزوج من فتاة من عائلة الفايد، وبدأ حياة جديدة. في 9 سبتمبر/أيلول 1966، وُلد الطفل البكر لزيدان خازم في مخيم جنين وقد أسماه فتحي. وكان ميلاده امتدادا لحكاية عائلية طويلة من التهجير والاقتلاع وإعادة بناء الحياة.
لكن المخيم، كما لو أنه لا يسمح لأبنائه بأن يبتعدوا كثيرا عن حكايته الأولى، كان ينتظر عودته إلى الواجهة كما كان في بداياته الأولى.
كبر الصبي في المخيم، بين ذاكرة اللجوء وواقع الاحتلال. ولم تطل إقامته في المدرسة؛ حيث اضطر إلى ترك الدراسة والعمل في البناء لمساعدة أسرته. وفي الانتفاضة الأولى- انتفاضة الحجارة، كان فتحي شابا في مقتبل العمر، تفور دماء الثورة في عروقه، فانخرط في العمل الوطني داخل مخيم جنين، قبل أن تصيبه قوات الاحتلال ويقع في الأسر، حيث أمضى قرابة أربعة أعوام خلف القضبان، في تجربة تركت أثرها في شخصيته ورافقته في المراحل اللاحقة من حياته.
لم يكن الاعتقال نهاية الطريق؛ فبعد سنوات الأسر، عاد خازم إلى الحياة العامة، وبعد تأسيس السلطة الفلسطينية، التحق خازم بالأمن الوطني، وحمل رتبة عقيد، ثم أصبح نائبا لقائد منطقة نابلس.
لعدة سنوات، بدا وكأن حياة فتحي خازم استقرت في مسار مختلف؛ وظيفة رسمية، وزوجة وأسرة كبيرة قوامها ثمانية من الأبناء.. لكن المخيم، كما لو أنه لا يسمح لأبنائه بأن يبتعدوا كثيرا عن حكايته الأولى، كان ينتظر عودته إلى الواجهة كما كان في بداياته الأولى.
ليلة تغير فيها الاسم
في مساء 7 أبريل/نيسان 2022، خرج رعد خازم من مخيم جنين إلى شارع ديزنغوف في قلب تل أبيب، وأطلق النار من مسدسه على الحشود في منطقة مكتظة بالمطاعم والمقاهي ومواقف الحافلات، ما أدى إلى مقتل ثلاثة "إسرائيليين" وإصابة نحو 16 آخرين. شوهد في الكاميرات يتجول في المكان بكل هدوء، ثم يجلس على أحد المقاعد في الشارع يرقب فرار المستوطنين وذعرهم.. وفي دقائق تحولت أكثر شوارع المدينة ازدحاما إلى مسرح لمطاردة واسعة، بعدما تمكن رعد من مغادرة المكان والاختفاء عن أنظار قوات الأمن.
لم يعد فتحي خازم آنذاك مجرد أب يعيش في مخيم جنين، بل غدا "أبو رعد"، والد الشاب الذي تحول إلى أحد أبرز المطلوبين لدى الاحتلال.. ومنذ تلك اللحظة، تغير كل شيء.
لم يعد فتحي خازم آنذاك مجرد أب يعيش في مخيم جنين، بل غدا "أبو رعد"، والد الشاب الذي تحول إلى أحد أبرز المطلوبين لدى الاحتلال.. ومنذ تلك اللحظة، تغير كل شيء.
بعد نحو 8 ساعات من بدء العملية، استطاعت قوات الاحتلال تحديد مكان رعد، حيث حضرت تعزيزات ضخمة للمكان، ودار اشتباك مسلح بين قوات اليمام الخاصة المدججة بالسلاح وبين هذا الثائر، انتهى باستشهاده الذي غدا بداية فصل جديد في حياة والده فتحي خازم. ومع ساعات الصباح الأولى تلقى فتحي اتصالا من ضابط مخابرات "إسرائيلي" يبلغه بمقتل ابنه ويطالبه بتسليم نفسه وأفراد أسرته.
بعد استشهاد رعد مباشرة، تحولت صورة فتحي خازم إلى واحدة من أكثر صور تلك المرحلة رسوخا. فبعد انتشار خبر استشهاد رعد وتوافد حشود من أبناء المخيم إلى البيت، خرج إليهم أبو رعد متماسكا، يحاول منح الجمع حوله معنى للصبر والثبات. تحدث عن ابنه باعتزاز، وأعلن رضاه عنه، واستحضر آيات من القرآن، وأكد أن المقاومة ستستمر ما دام الاحتلال قائما.
استشهاد رعد لم يكن خاتمة الحكاية بالنسبة إلى والده، بل كان بداية فصلها الأشد قسوة. فمنذ ذلك الصباح، انتقلت المطاردة من الابن إلى الأب، وأصبح فتحي خازم نفسه على قائمة المطلوبين للاحتلال.
لم يعد هذا الرجل مجرد والد شاب استشهد في عملية ديزنغوف، بل أصبح أحد الوجوه التي ارتبطت بالمخيم وبخطاب الصمود والمقاومة. وأصبح رمزا للتحدي في جنين والضفة الغربية.
استشهاد رعد لم يكن خاتمة الحكاية بالنسبة إلى والده، بل كان بداية فصلها الأشد قسوة. فمنذ ذلك الصباح، انتقلت المطاردة من الابن إلى الأب، وأصبح فتحي خازم نفسه على قائمة المطلوبين للاحتلال. ومع ذلك، لم يختر الاختباء؛ ظل يظهر علنا في مخيم جنين، محاطا بأبناء المخيم ومختلف الفصائل، ويتحدث عن المقاومة وضرورة رصّ الصفوف وتجاوز الانقسامات. وبينما كانت قوات الاحتلال تطارده وتضيق الخناق على عائلته، أخذ حضوره يتسع، من أب لشهيد إلى شخصية وطنية اجتمع حولها الناس.
ولم تلبث المطاردة أن امتدت إلى عائلته أيضا؛ فبعد يومين فقط من استشهاد رعد، كمنت قوة خاصة "إسرائيلية" لسيارة العائلة في المنطقة الصناعية بمدينة جنين، وأطلقت نحوها عشرات الأعيرة النارية، في محاولة كادت تودي بحياة اثنين من أبنائه وزوجته. وبعد نحو شهر ونصف، واصلت قوات الاحتلال الضغط على الأسرة، فاعتقلت نجله همام على حاجز عسكري بين نابلس وجنين، لتتحول المطاردة من ملاحقة الأب وحده إلى استهداف دائرة عائلته بأكملها.
أبٌ تتوالى عليه الغيابات
بعد أشهر من فقدان فتحي خازم لابنه رعد، فقد ابنه الثاني عبد الرحمن الذي استشهد بعد اشتباك عنيف مع قوة خاصة حاصرت منزلاً تحصن فيه مع رفيقه، قبل أن تدخل عشرات الدبابات لتساند القوة الخاصة ويندلع اشتباكا مسلحا لأكثر من ثلاث ساعات.
وبقي الابن الثالث همام خلف القضبان. وقام الاحتلال بتدمير منزل العائلة أيضا. وبين عشية وضحاها، تغيرت صورة الأسرة كلية.. كان أبو رعد أبا لثمانية أبناء، فإذا به يصبح أبو الشهداء والأسرى، ويقف في كل مرة متحدثا أمام الناس بوجه رجل يحاول أن يخفي وراء تماسكه مقدار ما يمكن أن يحمله قلب أب مكلوم.
ولم تكن عائلة أبو رعد بعيدة عن ذاكرة النضال والفقدان؛ إذ كان خالا رعد عثمان السعدي، المعروف بأبو العواصف والذي استشهد في معارك لبنان عام 1982، ومحمد السعدي، أحد قادة مجموعة الفهد الأسود في الانتفاضة الأولى، والذي استشهد في اشتباك مع قوات الاحتلال في جنين عام 1992. وبعد عقود، حمل رعد اسم العائلة من جديد إلى واجهة المشهد، في عملية ديزنغوف عام 2022.
بين عشية وضحاها، تغيرت صورة الأسرة كلية.. كان أبو رعد أبا لثمانية أبناء، فإذا به يصبح أبو الشهداء والأسرى، ويقف في كل مرة متحدثا أمام الناس بوجه رجل يحاول أن يخفي وراء تماسكه مقدار ما يمكن أن يحمله قلب أب مكلوم.
ولم تتوقف دائرة الاستهداف عند الأبناء الذين فقدهم فتحي خازم، بل امتدت إلى ابنته شيماء. ففي 3 أغسطس/آب 2025، اقتحمت قوات الاحتلال منزل العائلة في مخيم جنين، وفتشته وحطمت محتوياته قبل أن تعتقل شيماء، التي أُخضعت للاعتقال الإداري، وجُدد اعتقالها مرات متتالية. وهكذا، تواصلت حكاية العائلة بين شهيد وأسير ومطارد، حتى صار الفقد جزءا متكررا من تفاصيل حياة هذا الرجل. ومع كل خسارة، كان اسم فتحي خازم يزداد حضورًا.
لم يظهر الرجل في المشهد العام بوصفه والد شهيدين وأسرى، بل كأحد الوجوه التي ارتبطت بمخيم جنين في مرحلة صعود المقاومة المسلحة مجددًا. كان يتحدث عن الوحدة الوطنية، ويظهر بين أبناء المخيم، فيما تحولت صورته إلى رمز للأب الفلسطيني الذي صار الفقد جزءًا من يومياته.
المطاردة الأخيرة
فجر يوم 21 آب/أغسطس 2026 اقتحمت قوات الاحتلال منزله في حي المصاروة وسط جنين. هذه المرة لم يكن أبو رعد في شارع أو زقاق أو خلف جدار من جدران المخيم؛ كان في بيته، بين عائلته.
وبحسب الروايات عن اللحظات الأخيرة، حاول الجنود اعتقاله وإخضاعه وإجباره على الانحناء. لكنه رفض.. وحين طُلب منه ذلك، واجه أحد الجنود بكلمات بقيت عالقة في رواية اللحظة: "من أنت لتطلب مني الانحناء؟"
كان يتحدث عن الوحدة الوطنية، ويظهر بين أبناء المخيم، فيما تحولت صورته إلى رمز للأب الفلسطيني الذي صار الفقد جزءًا من يومياته.
تصاعد التوتر داخل المنزل وتحول إلى عراك بالأيدي، فما كان من الجنود إلا أن أطلقوا عليه سبع رصاصات ليرتقي شهيدًا. ثم حملوا جثمانه وغادروا به.
وبقيت آثار اللحظة الأخيرة شاهدة على أن المطاردة التي بدأت في شوارع جنين، وانطلقت من تداعيات عملية تل أبيب، انتهت في بيت خازم، وفي مشهد جمد تفاصيل الحياة اليومية في لحظة واحدة؛ بقايا طعام وخضار في المكان، ودماء مسفوحة ترسم على الأرض ملامح النهاية، وكأن البيت احتفظ بمعالم شهادته على اللحظات الأخيرة من حياة أبو رعد.
من قباطية إلى المخيمعندما يُستعاد اسم فتحي خازم اليوم، تبدو حياته كأنها سلسلة طويلة من الطرق التي قطعتها عائلته قبل أن تصل إليه: من قباطية إلى شفا عمرو، ومن شفا عمرو إلى خان يونس، ثم إلى مخيم جنين.
وفي المخيم ولد، وكبر، وخرج إلى السجن والعمل، ثم عاد إليه في سنوات المطاردة، وفيه عاش سنواته الأخيرة محاطًا بأبنائه وذاكرته وفقده.
رحل أبو رعد، وبقيت صورته في ذاكرة من عرفوه.. رجل حاول أن يجعل من وحدته مع الناس قوة، ومن اختلافاتهم مساحة للالتقاء، وأن يترك خلفه مخيما أكثر تماسكا في مواجهة ما يحاك ضده.
كان يمكن أن تكون حكايته سيرة رجل واحد، لكنها اتسعت حتى صارت سيرة عائلة كاملة. من والده الذي خرج من قباطية إلى ابنه رعد الذي خرج إلى تل أبيب. ومنه هو، الذي خرج من بيته للمرة الأخيرة، محمولًا إلى مجهول لا عودة منه.
أكثر ما ميز فتحي خازم أنه رأى في المخيم بيتًا واحدًا تتسع ساحته للجميع. كان يميل إلى جمع الناس أكثر من تفريقهم، وإلى تخفيف الخلافات حين تتسع، مؤمنًا بأن ما يجمع الفلسطينيين أكبر من عناوين الانقسام. كانت المقاومة بالنسبة إليه قضية فلسطينية محضة تتجاوز التنظيمات، فيما ظل حريصا على إبقاء جسورها مفتوحة بين أبنائها. رحل أبو رعد، وبقيت صورته في ذاكرة من عرفوه.. رجل حاول أن يجعل من وحدته مع الناس قوة، ومن اختلافاتهم مساحة للالتقاء، وأن يترك خلفه مخيما أكثر تماسكا في مواجهة ما يحاك ضده.