كيف تدار عملية الاستيلاء على بيوت قصرة؟
20 أغسطس 2026
انشر الخبر على منصتك المفضلة
منذ التاسع من آب/أغسطس، تعيش ثلاث عائلات فلسطينية تضم نحو 15 فردا تحت حصار يفرضه مستوطنون على ثلاثة منازل عند أطراف بلدة قُصرة، جنوب شرقي نابلس. بدأت العملية بنصب خيمة قرب أحد المنازل، ثم سرعان ما تحولت المنطقة إلى طوق مغلق، قُطعت داخله أنابيب المياه وخطوط الكهرباء، وأُغلقت الطرق المؤدية إلى البيوت، فيما أخذت المؤن والأدوية تتناقص لدى العائلات المحاصرة.
لا يبدو ما يجري اعتداء عابرا أو مواجهة منفصلة يمكن اختزالها في تعبير "احتكاكاتط، بل عملية ضغط متدرجة لها هدف واضح؛ جعل البقاء في المنازل مكلفا وخطرا إلى حد يدفع أصحابها إلى المغادرة، ثم تحويل الغياب القسري إلى فرصة للاستيلاء عليها. فالخيمة هنا ليست مجرد وجود استفزازي، وإنما نقطة ارتكاز تتوسع منها السيطرة، بينما يؤدي قطع مقومات الحياة والحصار المتواصل دور السلاح المباشر في عملية التهجير.
الحصار بوصفه أداة للاستيلاء
تكمن خطورة ما يحدث في قُصرة في بساطة الأسلوب وقابليته للتكرار. يصل المستوطنون إلى أطراف القرية، ويقيمون خيمة أو بؤرة صغيرة، ثم يبدؤون بمحاصرة المنازل الأقرب إلى الأراضي المفتوحة. تُستهدف شبكات المياه والكهرباء والطرق، ويصبح خروج السكان لجلب الطعام أو الدواء مخاطرة، فيما يبقى احتمال اقتحام المنزل والاستيلاء عليه قائما إذا غادره جميع أفراده.
لهذا اضطر بعض أفراد العائلات إلى البقاء داخل منازلهم حتى في الحالات التي تطلبت خروج النساء والأطفال. وفي إحدى الوقائع، احتاجت طفلة إلى رعاية طبية عاجلة، لكن إحاطة المستوطنين بالمنزل من مختلف الجهات منعت العائلة من استخدام سيارتها. ولم تتمكن الأم وابنتاها من المغادرة إلا بعد وصول سيارة إسعاف، واجهت هي الأخرى خطر الوصول إلى المكان.
مع مرور الوقت، يتحول الخوف من هجوم ليلي، والعجز عن الوصول إلى الماء والعلاج، والقلق الدائم على الأطفال، إلى أدوات اقتلاع لا تقل تأثيرا عن الهدم المباشر.
بقي الأب داخل المنزل خوفا من احتلاله فور إخلائه، إلا أن جيش الاحتلال أمره لاحقا بالمغادرة، ثم حوّل المنزل إلى موقع عسكري. وعندما حاولت العائلة العودة بعد انتهاء العلاج، وجدت الجنود قد استقروا داخله، فاضطرت إلى الإقامة في منزل آخر داخل البلدة. هكذا لم يؤدّ التدخل العسكري إلى إعادة الأمن للعائلة، بل انتهى بإبعادها عن بيتها، بينما ظل المستوطنون يتحركون في محيطه.
تكشف هذه المفارقة وظيفة الحصار الحقيقية؛ فالمطلوب ليس بالضرورة اقتحام المنازل دفعة واحدة، وإنما خلق ظروف تجعل استمرار الحياة فيها شبه مستحيل. ومع مرور الوقت، يتحول الخوف من هجوم ليلي، والعجز عن الوصول إلى الماء والعلاج، والقلق الدائم على الأطفال، إلى أدوات اقتلاع لا تقل تأثيرا عن الهدم المباشر.
جيش حاضر لحماية المعتدين
أعلن جيش الاحتلال المنطقة عسكرية مغلقة، ودفع إليها أعدادا كبيرة من الجنود، كما زار قائد المنطقة الوسطى الموقع أكثر من مرة. ومع ذلك، لم تُترجم هذه الإجراءات إلى حماية العائلات أو إبعاد فعلي للمستوطنين. على العكس، داهم الجنود منازل الفلسطينيين وحوّلوا بعضها إلى مواقع عسكرية، بينما وثقت المقاطع المصورة لقاءات ودية بينهم وبين المستوطنين، شملت الصلاة المشتركة وتبادل المصافحات وشرب القهوة.
وفي الوقت الذي سُمح فيه للمستوطنين بالتجول على مركبات رباعية الدفع ونصب الخيام والاقتراب من المنازل، مُنع نحو مئة ناشط وصحفي من الوصول إلى العائلات المحاصرة. حمل المتضامنون الطعام والمياه والأدوية سيرا لمسافة تقارب كيلومترا، لكن الجنود أوقفوهم قرب البوابة وهددوهم بالتفريق بالقوة. وحتى عمال البلدية الذين حضروا لإصلاح أنبوب مياه أتلفه المستوطنون تعرضوا للاعتداء أمام القوات من دون حماية.
مع انحسار التغطية، يصبح من الأسهل إعادة نصب الخيام وتشديد الحصار ودفع العائلات إلى المغادرة بعيدا عن الكاميرات.
لا يمكن تفسير هذا السلوك بالعجز الميداني. فالمجموعة المهاجمة تتألف من عشرات المستوطنين، بينهم مسلحون يساندهم أفراد من ما يسمى بوحدات "الدفاع الإقليمي"، في مقابل انتشار عسكري كثيف قادر على إنهاء الحصار خلال دقائق. المشكلة إذن ليست في قدرة الجيش على التدخل، بل في غياب الإرادة، وفي توزيع واضح للأدوار؛ تُستخدم القوة لمنع الفلسطينيين والمتضامنين من الحركة، بينما يُمنح المستوطنون الوقت والمساحة اللازمان لتثبيت وجودهم.
ويبدو أن الرهان يقوم على إطالة الأزمة حتى يتراجع الاهتمام الإعلامي والدولي. فمع انحسار التغطية، يصبح من الأسهل إعادة نصب الخيام وتشديد الحصار ودفع العائلات إلى المغادرة بعيدا عن الكاميرات. لذلك لا تمثل الإجراءات العسكرية المعلنة محاولة جادة لوقف الاعتداء، بقدر ما توفر غطاء يوحي بوجود إنفاذ للقانون، في حين تستمر الوقائع على الأرض في الاتجاه المعاكس.
قُصرة حلقة في مشروع تهجير أوسع
لا تنفصل قُصرة عن التحول الذي تشهده المنطقة الممتدة بين جالود وقريوت وجوريش وقبلان. فمنذ إقامة بؤرة "تل تلبيوت" على جبل عين عينا، توسعت تحركات المستوطنين في الأراضي الزراعية المحيطة بست قرى فلسطينية تقع في المنطقة (ب). ويتيح الموقع الاستراتيجي للبؤرة فرض السيطرة على مساحات واسعة، وحصر التجمعات الفلسطينية داخل مناطقها المبنية، وربط البؤر الجديدة بالمستوطنات القائمة.
سبق أن طُبقت الطريقة نفسها في جالود؛ حيث حوصرت عائلة أكثر من أسبوعين، وقُطعت عنها المياه والكهرباء ومُنعت من جلب احتياجاتها. ثم وصل مستوطنون مسلحون وأمهلوها ساعة واحدة لمغادرة منزلها تحت تهديد القتل. اضطرت الأسرة، المكونة من زوجين وطفليهما، إلى الرحيل، ليستولي المستوطنون على المنزل.
سبق أن طُبقت الطريقة نفسها في جالود؛ حيث حوصرت عائلة أكثر من أسبوعين، وقُطعت عنها المياه والكهرباء ومُنعت من جلب احتياجاتها.
وفي حالة أخرى، أمضى صاحب منزل أكثر من عشرين عاما في بنائه، لكنه لم يسكنه سوى عام واحد قبل أن تدفعه الاعتداءات المتواصلة إلى مغادرته. واقتحم المستوطنون المنزل ليلا ورشوا الغاز على العائلة، بينما اعتُقل الابن لاحقا خلال محاولته الدفاع عنه.
تكشف هذه الوقائع أن الحصار ليس نتيجة انفلات مجموعات هامشية، بل جزء من منظومة تتكامل فيها البؤر الاستيطانية مع الحماية العسكرية. فالمستوطن يتمتع بحرية دخول الأراضي الفلسطينية وتنفيذ الاعتداء ثم الانسحاب، بينما يُمنع أصحاب الأرض من الدفاع عن منازلهم، وقد يواجهون الاعتقال إذا حاولوا ذلك.
تشكل قُصرة اختبارا واضحا لما إذا كان الحصار سيتحول إلى نموذج جديد للتهجير، أم أن إبقاء الضوء مسلطا عليه سيمنع تكرار مصير المنازل التي سُلبت في القرى المجاورة.
ويعزز التوجه نحو نقل مسؤولية إنفاذ القانون في الضفة الغربية من الجيش إلى الشرطة الإسرائيلية هذا المسار، إذ يُقدَّم باعتباره خطوة نحو فرض السيادة الإسرائيلية، لا وسيلة لحماية الفلسطينيين. وبذلك يصبح التعامل مع عنف المستوطنين مدخلا إضافيا لترسيخ الضم، بدل أن يكون مسألة قانونية تستوجب المحاسبة.
في قُصرة، لا يقف الجيش بين المعتدي والضحية، بل يعيد تنظيم المكان لمصلحة المعتدي؛ يحاصر الفلسطينيين، ويقيّد حركة المتضامنين، ويحوّل المنازل إلى مواقع عسكرية، فيما يترك المستوطنين يختبرون قدرتهم على التقدم نحو قلب القرية.
وما يمنع اكتمال الاستيلاء حتى الآن ليس تطبيق القانون، بل استمرار وجود العائلات والاهتمام المحيط بها. لذلك تشكل قُصرة اختبارا واضحا لما إذا كان الحصار سيتحول إلى نموذج جديد للتهجير، أم أن إبقاء الضوء مسلطا عليه سيمنع تكرار مصير المنازل التي سُلبت في القرى المجاورة.