كيف تحاصر حواجز الاحتلال مركبات الإسعاف في الضفة؟
20 أغسطس 2026
انشر الخبر على منصتك المفضلة
نصف ساعة فقط فصلت بين سجود فقها وبين الحياة، نصف ساعة أمضتها عالقة عند بوابة حديدية مغلقة، بينما كان قلبها يتوقف ويد المسعفين لا تكف عن محاولة إنقاذها. فالشابة الثلاثينية ، التي تعرضت لتوقف قلبي مفاجئ، كانت في طريقها إلى المستشفى في رام الله حين توقفت سيارة الإسعاف عند حاجز إسرائيلي مغلق، لتتحول المركبة التي من المفترض أن تكون جسرا نحو النجاة إلى قفص من الانتظار. لأكثر من ثلاثين دقيقة، تكرر صوت رجل عند البوابة يصرخ "هذه المرأة تحتضر"، بلا جدوى.
حين وصلت سجود أخيرا إلى المستشفى، لم يكن هناك ما يمكن للأطباء فعله سوى إعلان ما كان قد وقع بالفعل عند تلك البوابة. وفاتها، على مأساويتها، ليست استثناء، بل واحدة من سلسلة متصاعدة تكشف كيف باتت الحواجز والإغلاقات في الضفة الغربية جدارا يقف بين آلاف الفلسطينيين وبين أبسط حقوقهم: أن تصل سيارة الإسعاف في الوقت المناسب.
شبكة من الإغلاقات تقطع الطريق إلى العلاج
منذ تشرين الأول/أكتوبر 2023، توسعت منظومة الحواجز والبوابات والإغلاقات الإسرائيلية في الضفة الغربية، لتعيد تشكيل حركة الفلسطينيين بين المدن والبلدات والقرى. ويزيد عدد البوابات والحواجز وقيود الحركة عن 930 موقعا، بما يقسم الطرق ويعزل تجمعات سكانية ويصعّب الوصول إلى المراكز الطبية الرئيسية.
ولا تتوقف آثار هذه المنظومة عند تعطيل حركة السكان اليومية؛ إذ تمتد إلى أكثر القطاعات حساسية، وهو قطاع الطوارئ الطبية. فسيارات الإسعاف تتعرض بصورة متزايدة للتأخير أو تضطر إلى سلوك طرق التفافية طويلة للوصول إلى المرضى، ما ينعكس مباشرة على سرعة الاستجابة. ووثّقت منظمة الصحة العالمية، خلال الأشهر الستة الأولى من العام الجاري، 50 حالة تأخير في تقديم الرعاية الطبية للفلسطينيين في الضفة الغربية.
الحاجز لا يوقف السيارة فقط.. بل يوقف العلاجيتجاوز التغير الذي طرأ على عمل المسعفين منذ بدء الحرب مجرد زيادة عدد الحواجز؛ فالمشكلة تكمن في طبيعة القيود التي تجعل الوصول إلى المريض أو نقله إلى المستشفى أمرا غير مضمون. رحلة كانت تستغرق 20 دقيقة تحوّلت إلى ساعة كاملة أحيانا بسبب الإغلاقات والطرق الالتفافية. وحتى عند الوصول إلى الحواجز، لا يعني ذلك بالضرورة السماح لسيارة الإسعاف بالمرور، إذ يُطلب من الطاقم أحيانا التوقف وتقديم الهويات وفحص بيانات المريض والمرافقين وتفتيش المركبة، ضمن إجراءات تتحول إلى وقت لا يمكن تعويضه، في حالة مريض يعاني أزمة قلبية أو نزيفا حادا أو مضاعفات ولادة.
والأخطر أن بعض البوابات تكون مغلقة دون وجود جنود أو جهة يمكن التواصل معها، ما يترك سيارة الإسعاف أمام حاجز صامت لا يتيح حتى إمكانية التنسيق. وهنا يتضح البعد الأعمق للمشكلة: القيود المفروضة على الحركة لا تؤخر سيارة الإسعاف فحسب، بل تعيد تعريف إمكانية الوصول إلى العلاج باعتبارها امتيازا مشروطا بفتح الطريق.
الولادة عند الحاجز
ربما تكشف حالات الولادة الطارئة بصورة أكثر وضوحا عن الكلفة الإنسانية لهذه القيود. ففي 27 تموز/يوليو، كانت امرأة فلسطينية في الثامنة والعشرين من عمرها، حاملا في الشهر السادس وتعاني نزيفا، تُنقل من قريوت إلى مستشفى رفيديا في نابلس. وعند حاجز عورتا، أوقف الجنود سيارة الإسعاف، وطُلب من الطاقم إطفاء المحرك والمعدات الكهربائية رغم إبلاغ الجنود بحالة المريضة.
بعض النساء أصبحن ينتظرن حتى يتأكدن تماما من بدء المخاض قبل مغادرة المنزل، وهو سلوك قد يزيد المخاطر الصحية بدل تقليلها.
ومع استمرار الانتظار وتدهور وضع الأم، اضطرت ممرضة إلى إجراء الولادة داخل سيارة الإسعاف. وُلد الطفل ميتا، فيما نُقلت الأم إلى المستشفى وخضعت لعملية جراحية طارئة.
تكشف هذه الحادثة عن هشاشة منظومة الطوارئ حين تصبح الحركة الطبية رهينة للحواجز. فالمراكز الصحية المحلية في القرى لا تملك بالضرورة بنك دم أو غرف عمليات أو تجهيزات للتعامل مع الولادات المعقدة، ما يجعل الوصول إلى المستشفى جزءا أساسيا من العلاج نفسه. وفي عقربا، جنوب نابلس، دفع إغلاق مداخل البلدة أطباء النساء أحيانا إلى زيارة الحوامل في منازلهن، تجنبا لتعريضهن لرحلات قد تتحول إلى مغامرة محفوفة بالمخاطر. بل إن بعض النساء أصبحن ينتظرن حتى يتأكدن تماما من بدء المخاض قبل مغادرة المنزل، وهو سلوك قد يزيد المخاطر الصحية بدل تقليلها.
المسعفون أنفسهم.. هدف في الطريق
ولا يواجه العاملون في المجال الطبي خطر التأخير وحده، إذ تعرضت طواقم الإسعاف أيضًا لاعتداءات من المستوطنين الإسرائيليين. ففي 7 آب/أغسطس، أُصيب مسعفان من الهلال الأحمر عندما هاجم مستوطنون سيارة إسعاف كانت تحاول إجلاء فلسطيني أصيب في اعتداء سابق للمستوطنين جنوب بيت لحم.
وسبق أن قُتل سائق الإسعاف محمد موسى عام 2024 بعد تعرض مركبته لإطلاق نار في الساوية قرب نابلس، إلى جانب اعتداءات أخرى شملت تحطيم سيارات الإسعاف ومحاولات إحراقها وإلقاء قنابل حارقة عليها. بهذا المعنى، لم تعد سيارة الإسعاف مساحة محمية في طريقها إلى المريض، بل أصبحت نفسها عرضة للخطر.
حين تتوقف سيارة الإسعاف عند بوابة مغلقة، لا يتوقف محركها وحده؛ قد يتوقف معها أرواح لم تمنح فرصة لإنقاذها.
تكشف هذه الوقائع عن أثر يتجاوز العقبات المادية أمام الحركة، ويعيد تشكيل العلاقة بين الفلسطيني والمكان والخدمة الأساسية. المستشفى قد يكون قريبا جغرافيا، لكنه يصبح بعيدا بفعل حاجز أو بوابة مغلقة. والقرية قد تكون على بعد دقائق من مدينة، لكن الوصول إليها قد يستغرق أضعاف ذلك بسبب طريق التفافي أو نقطة تفتيش. وفي حالات الطوارئ، تصبح هذه المسافة السياسية والأمنية أكثر أهمية من المسافة الجغرافية نفسها.
ولهذا، لم يعد السؤال فقط: هل يستطيع المريض الوصول إلى المستشفى؟ بل: هل سيُسمح له بالوصول في الوقت الذي يحتاج فيه إلى العلاج؟
قصة سجود فقها، والطفل الذي وُلد ميتا داخل سيارة الإسعاف، والنساء اللواتي يضطررن إلى الولادة في سيارات الإسعاف أو العيادات المحلية، تقدّم صورة واحدة لنظام صحي تعمل طواقمه تحت ضغط لا يرتبط بالمرض وحده. وحين تتوقف سيارة الإسعاف عند بوابة مغلقة، لا يتوقف محركها وحده؛ قد يتوقف معها أرواح لم تمنح فرصة لإنقاذها.