هكذا نُقتل أيضا: عن استهداف الاحتلال لمصانع الأدوية
17 أغسطس 2026
انشر الخبر على منصتك المفضلة
يمضي الاحتلال "الإسرائيلي" في خنق القطاع الصحي في غزة، عبر منع وصول الأدوية إلى المرضى والجرحى، واستهداف مخزونات ومستودعات دوائية تعاني أصلا من شحّ حاد، لتتحول الغارات إلى ضربة مباشرة لما تبقى من قدرة المنظومة الصحية على توفير العلاج.
تدمير المخزوناتومطلع الشهر الحالي، دمرت غارة للاحتلال مستودع الأدوية والمستلزمات الطبية التابع لمستشفى شهداء الأقصى في دير البلح وسط القطاع، وألحقت أضرارا كبيرة بالمكان وخيام النازحين المحيطة به، ما أدى إلى فقدان مخزون طبي كان مخصصا لعلاج المرضى والجرحى.
وتحت الركام، اختفت أدوية مخصصة للحالات المزمنة والطارئة، فيما يصعب تعويض ما فُقد في ظل أزمة الإمدادات، ما يضيّق الخيارات أمام المرضى والمستشفيات والصيدليات، ويحوّل العثور على الدواء إلى تحدٍ يومي للمرضى.
رحلة بحث شاقة
من بين هؤلاء، مريض الكلى الفلسطيني محمود عمار، الذي يخوض رحلة شاقة للبحث عن صنف علاجي مفقود من مستشفيات وصيدليات غزة، متنقلا بين المراكز الطبية والصيدليات، علّه يجد دواءه، بعدما تحوّل تأمين بعض الأصناف العلاجية إلى مهمة يومية تستنزف المرضى وذويهم.
ويقول عمار في حديثه إلى "الميدان"، إنّه يضطر إلى السؤال في أكثر من مكان، ومتابعة ما يصل إلى الأسواق من كميات محدودة، من دون ضمانات بتوفر الصنف الذي يحتاج إليه في الوقت المناسب.
المشكلة لا تقتصر على غياب الدواء من الصيدليات، وإنما تمتد إلى تقلص الخيارات المتاحة أمام المرضى، خصوصا عندما لا يكون للعلاج بديل مناسب أو عندما يتطلب استخدامه انتظاما في الجرعات.
ومع غياب موعد واضح لعودة الدواء، تتزايد مخاوفه من استمرار انقطاعه وانعكاس ذلك على حالته الصحية، خصوصًا في ظل صعوبة العثور على بدائل مناسبة.
ولا تختلف معاناة الفلسطينية إسراء شاهين كثيرا، إذّ تبحث بدورها عن صنف دوائي شحيح، بعدما أصبح تأمين العلاج في غزة مرتبطا بما يتوفر في السوق من كميات محدودة ومتقطعة.
وتقول شاهين لـ "الميدان" إنّها تضطر إلى متابعة الصيدليات والمراكز الطبية باستمرار، في محاولة لمعرفة ما إذا كان الدواء قد وصل إلى أي منها، من دون أن تجد ضمانا باستمراره أو توفر الكمية التي تحتاج إليها.
وتوضح أن المشكلة لا تقتصر على غياب الدواء من الصيدليات، وإنما تمتد إلى تقلص الخيارات المتاحة أمام المرضى، خصوصا عندما لا يكون للعلاج بديل مناسب أو عندما يتطلب استخدامه انتظاما في الجرعات.
ومع كل مرة لا تجد فيها إسراء الصنف المطلوب، تضطر إلى تأجيل العلاج أو مواصلة البحث عنه، في وقت تتآكل فيه المخزونات الطبية وتتعرض مستودعات الأدوية للقصف والتدمير.
ويؤكد محمود وإسراء أنّ استهداف مستودعات الأدوية يفاقم معاناة المرضى ويقلّص فرص حصولهم على العلاج في الوقت المناسب، إذ يتحول مخزون كان مخصصا لتلبية احتياجات المستشفيات والصيدليات إلى ركام، فيما يصعب تعويضه في ظل القيود المفروضة على إدخال الإمدادات الطبية إلى القطاع.
شحّ الأدوية يهدد استمرارية العلاج
وبحسب معطيات منظمة الصحة العالمية، يواجه القطاع الصحي في غزة نقصا حادا في الأدوية والمستلزمات الطبية والوقود، فيما تعمل المستشفيات تحت ضغط متواصل يحد من قدرتها على تقديم الخدمات العلاجية.
ووفقا لبيانات نقلتها الأمم المتحدة عن وزارة الصحة، بلغ العجز في الأدوية الأساسية 46%، فيما بلغت نسبة المستهلكات الطبية التي وصلت إلى مستوى المخزون الصفري إلى 66%.
وفي ظل هذه الأزمة، جاء استهداف مستودعات الأدوية في مستشفى شهداء الأقصى بدير البلح ليضيف خسارة جديدة إلى القطاع الصحي، إذ يؤكد المتحدث باسم المستشفى خليل الدقران أنّ الغارة دمرت مخزنين بالكامل من أصل أربعة وألحقت أضرارا واسعة، إلى جانب تدمير العيادات الخارجية المجاورة وأضرار بالمباني وخيام النازحين.
المستودعات كانت تؤمّن احتياجات أقسام حيوية، وأن فقدان محتوياتها يأتي في وقت تعاني فيه المستشفيات أصلا من نقص حاد في الأدوية والمستهلكات، ما يحد من قدرتها على تعويض ما فُقد أو توفير بدائل للمرضى.
ويوضح الدقران، في حديثه إلى "الميدان"، أنّ القصف أتلف أدوية ومستلزمات ومحاليل طبية، بينها مواد مخصصة لمرضى الكلى وأقسام العناية المركزة والعمليات، محذرا من أنّ فقدان هذه الإمدادات يهدد استمرارية الخدمات الطبية، خصوصا لمرضى الفشل الكلوي ومرضى السرطان.
ويلفت إلى أنّ المستودعات كانت تؤمّن احتياجات أقسام حيوية، وأن فقدان محتوياتها يأتي في وقت تعاني فيه المستشفيات أصلا من نقص حاد في الأدوية والمستهلكات، ما يحد من قدرتها على تعويض ما فُقد أو توفير بدائل للمرضى.
عجز الأدوية يرهق المستشفيات
وتعكس معاناة المرضى حجم الأزمة التي يواجهها القطاع الصحي في غزة؛ إذ حذّرت وزارة الصحة قبل أيام من استمرار النقص الحاد في الإمدادات الطبية، مشيرة إلى أنّ العجز في أدوية السرطان وأمراض الدم بلغ 61%، فيما وصل النقص الإجمالي في الأدوية إلى47%، والمستهلكات الطبية إلى 58%، ومواد الفحص المخبري إلى 0.85%.
وامتد النقص إلى قطاعات صحية أساسية، إذ بلغ 56% في أدوية صحة الأم والطفل، و55% في أدوية الرعاية الصحية الأولية، و46% في أدوية الكلى ومستلزمات الغسيل الدموي، إلى جانب نقص أدوية الطوارئ والعناية المركزة ومستلزمات الجراحة والعظام، ما يضيّق قدرة الطواقم الطبية على مواصلة العلاج والتشخيص.
وفاة نحو 50% من مرضى الفشل الكلوي في قطاع غزة منذ بدء الحرب، جراء عدم انتظام حصولهم على جلسات غسيل الكلى، في واحدة من أخطر تداعيات انهيار المنظومة الصحية ونقص مستلزماتها الأساسية.
وفي ظل هذه الفجوة، يوضح مدير وزارة الصحة في غزة منير البرش، أنّ نقص الأدوية ينعكس مباشرة على المرضى، مع اضطرار الطواقم الطبية إلى التعامل مع أصناف علاجية شحيحة أو مفقودة، ما يهدد استمرارية علاج الحالات المزمنة والحرجة ويحد من قدرة المستشفيات على تقديم الرعاية اللازمة.
ويشير البرش في حديثه لـ "الميدان"، إلى أنّ استهداف مخازن الأدوية في مستشفى شهداء الأقصى فاقم هذه الأزمة، بعدما فقدت أقسام حيوية جزءا من احتياجاتها العلاجية، مؤكدا أنّ استمرار نقص الإمدادات يضع المرضى أمام مخاطر متزايدة، في ظل صعوبة توفير البدائل أو ضمان وصول العلاج في الوقت المناسب.
ويلفت إلى وفاة نحو 50% من مرضى الفشل الكلوي في قطاع غزة منذ بدء الحرب، جراء عدم انتظام حصولهم على جلسات غسيل الكلى، في واحدة من أخطر تداعيات انهيار المنظومة الصحية ونقص مستلزماتها الأساسية.
بينما تتآكل مخزونات الأدوية وتُدمّر المستودعات، يجد مرضى غزة أنفسهم أمام معركة البحث عن العلاج، فيما تتراجع قدرة المنظومة الصحية على توفيره في الوقت المناسب.
ويحذّر البرش من استمرار منع إدخال بيكربونات الصوديوم اللازمة لعمليات غسيل الكلى، إلى جانب عشرات الأصناف والمستلزمات الطبية الأساسية، مؤكدًا أن استمرار النقص يهدد حياة المرضى، وينذر بفقدان المزيد منهم خلال الفترة المقبلة.
ويطالب المجتمع الدولي والمؤسسات الأممية والإنسانية بالضغط من أجل إدخال الأدوية والمستلزمات الطبية إلى قطاع غزة بشكل عاجل، وضمان تدفق الإمدادات الطبية بصورة منتظمة.
وبينما تتآكل مخزونات الأدوية وتُدمّر المستودعات، يجد مرضى غزة أنفسهم أمام معركة البحث عن العلاج، فيما تتراجع قدرة المنظومة الصحية على توفيره في الوقت المناسب.