الاعتقال الممتد .. سجنٌ يتسع ليشمل العائلة
17 أغسطس 2026
انشر الخبر على منصتك المفضلة
في الأيام الأولى لاعتقالي في سجون الاحتلال في الشهر الخامس من بدء حرب الإبادة على غزة، لم تكن زوجتي تنام نوما كاملا، كانت تضع هاتفها إلى جوار رأسها، ترفع صوته وتتأكد قبل أن تغفو أن بطاريته لن تنفد، مع أنها لا تنتظر اتصالا محددا، ولا تعرف من يمكن أن يتصل بها أصلا، فمنذ اقتحام جيش الاحتلال لمستشفى الشفاء واختفاء اثري بين مفقود أو أسير أو شهيد، صار كل رقم مجهول احتمالا كبيرا لمعلومة قد تُفضي إليّ ربما محام عرف مكاني، أو أسير محرر رآني في أحد السجون، أو مؤسسة حقوقية وصلت إلى معلومة عني، وربما أي خبر كانت تخشى سماعه منذ لحظة اختفائي، بمرور الأيام يتحول الهاتف من مجرد وسيلة اتصال إلى المساحة الوحيدة التي يمكن أن يصل عبرها مصير إنسان غائب، وتصبح كل أم أو زوجة أو ابنة معلقة به كما لو أنها تنام كل ليلة عند باب السجن.
هذا ليس استثناء لأسرتي، هذا حال كل زوجة وأم أسير أو مفقود نتيجة الحرب، وفي ذات البيت الذي تعيش فيه هذه السيدة، ثمة طفل يسأل عن أبيه، وتحاول أمه أن تنتج له إجابة من معرفة لا تملكها، تقول إنه سيعود قريبا، من دون أن تعرف إن كان القريب يعني أياما أو شهورا أو سنوات، او سيكون في الدار الآخرة، ثم تكرر الإجابة في اليوم التالي لأن الطفل يحتاج إلى شيء أكثر احتمالا من الحقيقة، أما الحقيقة فهي أن أحدا في البيت لا يعرف متى يعود الأب، وأحيانا لا يعرفون أين هو أصلا، هكذا تدخل بعض العائلات، منذ لحظة الاعتقال، في حياة تحكمها مجموعة صغيرة من الكلمات "ربما"، و"سمعنا"، و"قالوا"، و"ننتظر"، وهي كلمات تبدو عابرة في الحياة العادية، لكنها تستطيع في حالة الأسر أن تصبح النظام الذي تعيش داخله عائلة كاملة.
تصبح كل أم أو زوجة أو ابنة معلقة به كما لو أنها تنام كل ليلة عند باب السجن.
غالبا ما تُروى تجربة الاعتقال من داخل السجن، حيث الأسير الذي يُنتزع من حياته ويُقتاد إلى عالم مغلق له قوانينه الخاصة: التحقيق، والعزل، والتعذيب، والتجويع، والحرمان، والزنازين، هذه هي الصورة الأكثر شيوعا للسجن، لكنها ليست صورته الكاملة، ففي اللحظة التي يُغلق فيها الباب على المعتقل تبدأ، في الجهة الأخرى، تجربة موازية أقل ظهورا، فالبيت الذي تركه الأسير يبقى أمام فراغ لم يكن مستعدا له، وعلى الزوجة أن تفكر في الأطفال والدخل ومتابعة المحامين، وعلى الأم أن تبدأ رحلة البحث عن خبر، وعلى الأب المسن أن يحمل مسؤوليات كان ابنه يؤديها، وعلى الطفل أن يفهم لماذا خرج أبوه ولم يعد، جسد واحد فقط نُقل إلى السجن، لكن شيئا من السجن انتقل معه إلى حياة كل هؤلاء.
سجن لا تنتهي حدوده عند الأسوار..
يتيح النظر إلى تجربة الاعتقال من جهة الأسرة فهم ما يمكن تسميته بـ "الاعتقال الموزّع"، أي أن يكون هناك معتقل واحد بالمعنى القانوني، بينما تتوزع آثار اعتقاله على دائرة أوسع من الأشخاص الذين لم يدخلوا السجن، فالأسير يفقد حريته في الحركة، بينما تفقد أسرته، بدرجات مختلفة، قدرتها على إدارة حياتها خارج احتمالات غيابه، يصبح الاعتقال حاضرا في القرارات الاقتصادية والعائلية، وفي تربية الأطفال، وفي علاقة أفراد الأسرة بعضهم ببعض، وفي تصورهم للمستقبل، وحتى وفي التفاصيل الصغيرة التي لم تكن تبدو مرتبطة بالسياسة أو بالسجن قبل أن يُعتقل أحد أفراد البيت.
لا يعني ذلك مساواة ما تتعرض له العائلة بما يتعرض له الأسير داخل السجن، فالأسير الذي يقع مباشرة تحت سلطة السجّان يواجه تجربة مختلفة في طبيعتها وقسوتها، لكن حصر أثر الاعتقال فيما يتعرض له الأسير وحده يحجب جانبا أساسيا من وظيفة السجن، إذ لا يعاقب السجن من يحتجزه فحسب، وإنما يعيد ترتيب العالم المحيط به.
منذ اللحظة الأولى من الاعتقال تُلقى مهام وأدوار الأسير كلها على عاتق أحد من أفراد العائلة وبالغالب تكون الزوجة لأن الحياة مطالبة بالاستمرار رغم ما حدث فالأسرة لا تستطيع تجميد احتياجات الأطفال أو أقساط البيت أو متابعة مرض أحد أفرادها أو مصاريف الدراسة إلى أن يتضح وضع الأسير، ولذلك تضطر إلى بناء قراراتها فوق أرض غير مستقرة، وإلى التعامل مع المستقبل باعتباره مجموعة احتمالات لا تستطيع التحكم في أي منها.
حصر أثر الاعتقال فيما يتعرض له الأسير وحده يحجب جانبا أساسيا من وظيفة السجن، إذ لا يعاقب السجن من يحتجزه فحسب، وإنما يعيد ترتيب العالم المحيط به.
وبذلك قد تجد الزوجة نفسها، خلال أيام قليلة، مسؤولة عن إدارة حياة كانت موزعة بين شخصين، عليها أن تحافظ على إيقاع البيت، وأن تفكر في مصدر الدخل، وأن تجيب عن أسئلة الأطفال، وفي الوقت نفسه أن تدخل عالما كاملا لم تكن تعرفه من قبل، عن أسماء السجون والمحاكم، المحامون، المؤسسات الحقوقية، قوائم المعتقلين، مواعيد الزيارات، أخبار التنقلات بين السجون، وشهادات الأسرى المحررين، تصبح باحثة عن المعلومة في الوقت الذي تكون فيه أحوج أفراد الأسرة إلى من يمنحها المعلومة والطمأنينة.
تزداد المفارقة قسوة حين يصبح الشخص الأكثر خوفا هو المسؤول عن طمأنة الآخرين، فالأم تراقب أبناءها وهم يراقبون وجهها، وتحاول أن تمنع قلقها من التحول إلى خوف جماعي داخل البيت، فإذا جاء اتصال مفاجئ انتبه الأطفال إلى تغير ملامحها، وإذا خرجت من الغرفة لتجيب عنه تبعوها بأسئلتهم، وإذا بكت عرفوا أن شيئا ما حدث، وهكذا تنشأ داخل بعض البيوت لغة غير معلنة لإدارة الخوف، يتعلم فيها الكبار إخفاء بعض الأخبار أو تأجيل الانهيار إلى الليل، ويتعلم فيها الأطفال قراءة ما لا يقوله الكبار من وجوههم وصمتهم وطريقة تعاملهم مع الهاتف.
أدوار يفرضها الغياب..
لا تتوقف إعادة توزيع الأدوار عند الزوجة، قد تتحول الابنة الكبرى مهما كانت صغيرة إلى شريكة في تربية إخوتها، ويبدأ الابن في أداء مهمات كان يقوم بها والده، ويعود الجد إلى مسؤوليات ظن أنه تجاوزها، بهذه الطريقة يفرض الاعتقال على أفراد الأسرة مواقع جديدة لم يختاروها، وقد يدفع بعضهم إلى أن يكبر قبل أوانه، فيما يستهلك من آخرين سنوات كان يفترض أن تكون أكثر هدوءا. لا تتوقف حياة العائلة بعد الاعتقال، وهذه إحدى آثاره الكارثية، أن العائلة عليها أن تستمر، لكن وفق ترتيب لم تختره.
ولو أردنا التسليم بأن البالغ يستطيع أن يتعامل مع مدة الاعتقال باعتبارها عددا من السنوات، فإن الزمن لدى الطفل يحمل وزنا مختلفا، عام واحد من حياة طفل في الخامسة يمثل جزءا هائلا من كل ما عاشه وعرفه، فالطفل خلال عدد قليل من السنوات يكون دخل المدرسة في غياب والده، وتعلم القراءة وركوب الدراجة، ومرض ونجح وخاف واحتفل بأعياد ميلاد متكررة، وتغير وجهه وصوته ومقاس ملابسه، بينما بقي الأب يعرف نسخة قديمة منه توقفت في ذاكرته عند يوم الاعتقال.
تمر المراحل التي لا تتكرر في غياب الأب أو الأم، ولا يستطيع بعد الإفراج لاحقا أن يعيدها، فالأب يستطيع أن يعود إلى البيت وأن يقضي ساعات طويلة مع ابنه، لكنه لا يستطيع العودة إلى صباح اليوم الأول في المدرسة، ولا إلى ليلة كان فيها الطفل مريضا يبحث عنه.
تكمن خصوصية تجربة الأطفال في أنهم لا ينتظرون فقط، وإنما ينمون أثناء الانتظار، تمر المراحل التي لا تتكرر في غياب الأب أو الأم، ولا يستطيع بعد الإفراج لاحقا أن يعيدها، فالأب يستطيع أن يعود إلى البيت وأن يقضي ساعات طويلة مع ابنه، لكنه لا يستطيع العودة إلى صباح اليوم الأول في المدرسة، ولا إلى ليلة كان فيها الطفل مريضا يبحث عنه، ولا إلى اللحظة التي تعلم فيها شيئا جديدا وكان ينبغي أن يكون حاضرا ليراه، لذلك لا يسرق السجن زمن الأسير وحده، وإنما يسرق أيضا زمنا كان يفترض أن يكون مشتركا بينه وبين أشخاص آخرين.
اقتصاد الغياب..لا يظهر الجانب الاقتصادي كثيرا في روايات الاعتقال، ربما لأنه يبدو أقل قسوة إذا وضع إلى جوار التعذيب والعزل والجوع، لكنه بالنسبة إلى الأسرة ليس تفصيلا ثانويا، اعتقال المعيل يعني في كثير من الحالات انقطاعا مفاجئا في الدخل، وفي اللحظة نفسها تبدأ نفقات جديدة مرتبطة بالاعتقال ومتابعته، فيما تظل حاجات البيت والأطفال والمرض والتعليم قائمة كما كانت.
تجد الأسرة نفسها أمام معادلة صعبة، موارد أقل والتزامات أكبر، من دون معرفة المدة التي ستستمر فيها الحال، قد تبدأ باستهلاك مدخراتها، ثم الاستدانة أو الاعتماد على الأقارب، وقد تضطر الزوجة إلى دخول سوق العمل في ظروف لم تخطط لها، أو يتوقف مشروع، أو تتأجل دراسة، أو تباع ممتلكات، وإذا طال الاعتقال، لا تعود المسألة أزمة مالية مؤقتة، وإنما قد تتحول إلى تغيير دائم في الموقع الاقتصادي والاجتماعي للأسرة.
العودة ناقصة ..
تقدم صورة الإفراج عادة بوصفها نهاية طبيعية لتجربة الاعتقال، غير أن العودة الجسدية لا تعني بالضرورة انتهاء آثار الاعتقال، لأن السنوات التي قضاها الأسير في الداخل كانت سنوات كاملة أيضا في حياة من ظلوا خارجه، لذلك لا يعود إلى الأسرة نفسها التي تركها، كما أن الأسرة لا تستقبل الشخص نفسه الذي خرج منها.
قد يعود الأب فيجد أن طفله الذي كان يحمله صار فتى، وأن ابنته التي كانت تنتظره عند الباب بنت عالما كاملا من دونه، وأن زوجته تعلمت خلال سنوات غيابه إدارة تفاصيل كانا يتقاسمانها، وأن والديه شاخا، وأن أشخاصا كان يتوقع رؤيتهم ماتوا، فيما وُلد آخرون يعرفونه من اسمه وصوره فقط، وفي المقابل قد يعود هو حاملا آثار تجربة لا تستطيع العائلة رؤيتها كلها، في جسده أو نومه أو علاقته بالطعام والضوضاء والظلام والمساحات المغلقة، وفي الطريقة التي يستجيب بها لأشياء تبدو عادية لمن لم يعش السجن.
حين نقول إن آلاف الأسرى الفلسطينيين يقبعون في سجون الاحتلال، فإن الرقم يحصي من وراء القضبان فقط، ولا يحصي الزوجات اللواتي تعلّمن إدارة البيوت وحدهن، والأمهات اللواتي عشن على خبر مؤجل، والأطفال الذين كبروا وهم ينتظرون، ولا السنوات المشتركة التي مرّت ولم يعد في مقدور أحد استعادتها، وهم جميعا شركاء في الاعتقال.
ولهذا لا تنتهي تجربة الأسر حين يُفتح باب السجن، كما أنها لا تبدأ عند إغلاقه على جسد الأسير، فللسجن امتدادات أبعد من أسواره، يصل إلى البيت، ويعيد توزيع أدواره، ويبدّل علاقة أفراده بالزمن والمال والخوف والمستقبل، وحين نقول إن آلاف الأسرى الفلسطينيين يقبعون في سجون الاحتلال، فإن الرقم يحصي من وراء القضبان فقط، ولا يحصي الزوجات اللواتي تعلّمن إدارة البيوت وحدهن، والأمهات اللواتي عشن على خبر مؤجل، والأطفال الذين كبروا وهم ينتظرون، ولا السنوات المشتركة التي مرّت ولم يعد في مقدور أحد استعادتها، وهم جميعا شركاء في الاعتقال.