شباب الضفة.. اقتصاد مأزوم وبطالة تُثقل كاهل الحياة
17 أغسطس 2026
انشر الخبر على منصتك المفضلة
على طاولة في زاوية غرفته، حيث تتكدس مخططات هندسية لم تكتمل، يجلس الشاب فتحي (31 عاما) من مدينة طولكرم، يتأمل محادثة قديمة على هاتفه تعود لنهاية العام 2023. حيث جرى الاتفاق حينها أن يتم زفافه في ربيع العام التالي، لكن الحرب على غزة وتداعياتها الاقتصادية في الضفة الغربية غيرت مجرى حياته تماما.
كان فتحي يعمل في قطاع الإنشاءات في الداخل المحتل، حين وجد نفسه فجأة ينضم إلى جيش من العاطلين عن العمل الذين تحولت حياتهم إلى قائمة انتظار طويلة.
يقول فتحي بنبرة يملؤها الإحباط إن كل شيء كان مخططا له، فالمنزل توقف فجأة عند مرحلة تمديدات الكهرباء والبنية التحتية، كما تأجل موعد الزواج لأجل غير مسمى؛ فهو لم يتمكن من دفع المهر وتوفير ما يفي ببقية تكاليف الزواج، مؤكدا أن أصعب شيء على الشاب أن يرى قطار العمر يمضي وأحلامه تتعطل بسبب ظروف لا يد له فيها.
قصة فتحي ليست حالة فردية، بل مرآة لواقع يعيشه آلاف الشباب في الضفة الغربية، حيث تحولت البطالة من مجرد أزمة اقتصادية إلى زلزال اجتماعي يعيد تشكيل بنيان المجتمع ككل.
شهادة معلقة على الباب المغلق
تشارك الشابة سارة (23 عاما) من إحدى قرى محافظة قلقيلية، وهي خريجة محاسبة من جامعة النجاح الوطنية، ذات المعاناة ولكن من منظور آخر. تروي سارة كيف تحولت فرحة تخرجها المتزامنة مع بداية الحرب إلى خيبة أمل مستمرة، فقد أمضت شهورا تطرق أبواب الشركات والمؤسسات دون جدوى، في ظل سوق عمل منكمش يسرِّح موظفيه بدلا من توظيف جدد.
وتقول سارة إنها اضطرت لرفض عروض تدريب؛ لأنها لا تغطي حتى تكلفة مواصلاتها اليومية، مضيفة أن تجميد أحلامها لم يقتصر على الوظيفة، بل امتد لخططها في استكمال دراساتها العليا ومساعدة أسرتها التي باتت تعتمد على مدخرات شحيحة، ما جعلها تشعر بأن شهادتها الجامعية مجرد ورقة معلقة على جدار الانتظار، ولا تدري أين يسير بها قطار الأيام.
اقتصاد يترنح... وسوق العمل يختنق
كشفت بيانات الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني عن استمرار تفاقم أزمة البطالة في الضفة الغربية، إذ بلغ معدل البطالة العام 29.5% خلال الربع الأول من عام 2026، في مؤشر يؤكد على حالة الركود التي يمر بها الاقتصاد الفلسطيني وتراجع قدرته على استيعاب الداخلين الجدد إلى سوق العمل.
وتبدو الأزمة أكثر حدة بين فئة الشباب، حيث بلغت نسبة البطالة بين الخريجين من حملة الدبلوم المتوسط فأعلى، ممن تتراوح أعمارهم بين 19 و29 عامًا، 37.5% في الضفة الغربية. كما تظهر البيانات فجوة واضحة بين الجنسين؛ إذ سجلت البطالة 28.3% بين الذكور، مقابل 44.5% بين الإناث، ما يعكس التحديات المضاعفة التي تواجهها الفتيات في الحصول على فرص عمل تتناسب مع مؤهلاتهن.
لا تتوقف خطورة الأزمة عند حدود الأرقام والمؤشرات المالية الصماء، بل تكمن في التحولات الاجتماعية العميقة التي بدأت تطفو على السطح وتصبغ حياة الشباب بالركود والانتظار.
ويرى أصحاب الاختصاص أن هذه المؤشرات تعكس تأثير مجموعة من العوامل المتداخلة، أبرزها تداعيات الحرب على غزة منذ السابع من أكتوبر 2023، واستمرار قيود الاحتلال على الحركة والعمل، وفقدان آلاف العمال الفلسطينيين وظائفهم في الداخل المحتل، إلى جانب الركود الاقتصادي بشكل عام، وتراجع الاستثمارات، ناهيك عن الأزمة المالية التي تعانيها السلطة الفلسطينية وعدم قدرتها على دفع رواتب الموظفين كاملة وفي مواعيدها المعتادة، فضلا عن اتساع الفجوة بين مخرجات التعليم واحتياجات سوق العمل، وهو ما يفاقم أزمة التشغيل، ولا سيما بين الشباب والخريجين.
ولا تتوقف خطورة الأزمة عند حدود الأرقام والمؤشرات المالية الصماء، بل تكمن في التحولات الاجتماعية العميقة التي بدأت تطفو على السطح وتصبغ حياة الشباب بالركود والانتظار، وانعكست بوضوح على معدلات الزواج في الضفة الغربية.
أبواب البيوت الجديدة تُغلقها الأزمة
تشير بيانات المحاكم الشرعية إلى انخفاض عدد عقود الزواج من 28,378 عقدًا عام 2018 إلى 24,263 عقدًا عام 2022، قبل أن يتراجع إلى 20,690 عقدًا خلال عام 2024، مسجلًا انخفاضًا تراكميًا بلغ نحو 27% خلال ستة أعوام. كما لم يتجاوز عدد عقود الزواج المسجلة في النصف الأول من عام 2024: 7,773 عقدا، بحسب تقرير مرصد السياسات الاجتماعية والاقتصادية بالاستناد إلى سجلات المحاكم الشرعية، في مؤشر يعكس تنامي عزوف الشباب عن الإقدام على الزواج أو اضطرارهم إلى تأجيله، في ظل ارتفاع تكاليف المعيشة، وتفاقم البطالة، واستمرار حالة عدم اليقين الاقتصادي التي تثقل كاهل الأسر الفلسطينية.
ويتصل هذا الركود مباشرة بقطاع العقار والبناء، حيث تحولت مئات الورش والمنازل غير المكتملة في القرى والمدن إلى شواهد حية على أحلام معلقة، بعد أن عجز أصحابها عن استكمال أعمال التشطيب والترميم نتيجة جفاف مصادر الدخل.
البطالة وتدني الأجور، في ظل الواقع الذي يفرضه الاحتلال، تدفع كثيراً من الشباب إلى تأجيل الزواج أو العدول عنه.
كما دفعت الأزمة الاقتصادية المتفاقمة عددًا متزايدًا من الطلبة إلى مواجهة صعوبات في سداد الأقساط الجامعية، فيما اضطرت فئة منهم إلى تأجيل الدراسة أو الانقطاع المؤقت عنها، وفق ما تؤكده الجامعات وبرامج دعم الطلبة، وإن لم تصدر حتى الآن إحصاءات وطنية تحصي حجم هذه الظاهرة.
وأورد البنك الدولي في تحديث له في كانون أول/ديسمبر 2024 أن الاقتصاد الفلسطيني دخل مرحلة انكماش غير مسبوقة، مع تراجع الاستهلاك والاستثمار وإغلاق عدد كبير من المنشآت الصغيرة، خاصة في الضفة الغربية.
وبحسب تقارير الأمم المتحدة، فقد ألقت الأزمة الاقتصادية بظلالها على المبادرات الريادية للشباب، حيث وجدت المشاريع الصغيرة والناشئة نفسها أمام سوق تتراجع فيه القوة الشرائية، وترتفع فيه تكاليف التشغيل.
يعلل المحامي الشرعي معاذ أبو جحيشة من محافظة الخليل تراجع إقبال الشباب الفلسطيني على الزواج لوجود أزمة بنيوية تتداخل فيها عوامل المعيشة مع التحولات الاجتماعية. ويوضح أن البطالة وتدني الأجور، في ظل الواقع الذي يفرضه الاحتلال، تدفع كثيراً من الشباب إلى تأجيل الزواج أو العدول عنه، فيما تزيد ثقافة المظاهر والاستهلاك من صعوبة الإقدام على هذه الخطوة، بعدما تجاوزت المغالاة حدود المهور لتشمل حفلات وصالات وتجهيزات باهظة تثقل كاهل الشاب بالديون قبل أن يبدأ حياته الأسرية.
ويضيف أن الأزمة لا تقف عند الجانب المادي، إذ برزت خلال السنوات الأخيرة مخاوف نفسية متزايدة لدى الشباب من فشل الحياة الزوجية، قامت منصات التواصل الاجتماعي بتغذيتها عبر تضخيم قصص الطلاق والخلافات الأسرية، إلى جانب تراجع ثقافة المسؤولية والشراكة، في ظل غياب برامج مؤسسية تُعِدُّ المقبلين على الزواج نفسياً واجتماعياً وشرعياً.
تظهر الصورة الشاملة للوضع في الضفة الغربية أن ما يحدث اليوم يتجاوز الأزمة الاقتصادية العابرة ليكون بمثابة عملية تجميد قسري لطاقات جيل بأكمله.
ويؤكد أن معالجة ظاهرة تراجع إقبال الشباب على الزواج تتطلب تكاملاً بين مختلف الأطراف، يبدأ من مبادرات مجتمعية لتيسير المهور والحد من المظاهر المكلفة، مروراً بسياسات تعزز فرص العمل والتمكين الاقتصادي للشباب، وصولاً إلى اعتماد برامج تأهيل للمقبلين على الزواج تُرسخ مفهوم الأسرة القائمة على المودة والتكافل، بما يسهم في حماية النسيج الاجتماعي ويمنح الشباب فرصة لتحويل أحلامهم المؤجلة إلى واقع.
وفي الختام، تظهر الصورة الشاملة للوضع في الضفة الغربية أن ما يحدث اليوم يتجاوز الأزمة الاقتصادية العابرة ليكون بمثابة عملية تجميد قسري لطاقات جيل بأكمله. حيث البطالة الناجمة عن الحصار والعدوان لم تعد مجرد خانة في جداول البحث عن وظيفة، بل غدت عائقاً بنيوياً يمنع مجتمعاً شاباً بطبيعته من النمو والتطور بشكل صحي وسليم، ليظل آلاف الخريجين والعمال فوق رصيف الانتظار، يتطلعون إلى أفق سياسي واقتصادي يعيد نبض الحياة لشرايين أحلامهم الموقوفة.