من قلنديا إلى مخيمات الشمال.. هل يتكرر السيناريو؟
13 أغسطس 2026
انشر الخبر على منصتك المفضلة
على مدار نحو 48 ساعة، أُغلق مخيم قلنديا شمالي القدس المحتلة من جميع مداخله، وانتشرت القوات الإسرائيلية في أحيائه ومحيطه، واقتحمت المنازل، وأجبرت عائلات على إخلائها، وحوّلت منازل أخرى إلى ثكنات عسكرية ومراكز للتحقيق الميداني.
وخلال هذه الفترة، تعاملت طواقم الهلال الأحمر الفلسطيني مع 51 إصابة، بينها 38 إصابة ناتجة عن الاعتداء بالضرب ونُقلت إلى المستشفيات، إضافة إلى إصابات عولجت ميدانيا، وحالات اختناق، وإصابة بالرصاص المطاطي. كما تعرض أكثر من 60 فلسطينيا للاعتقال أو الاحتجاز والتحقيق الميداني، بينهم أطفال ونساء.
لكن هذه الأرقام لا تختصر ما جرى في المخيم. فالحصار لم يقتصر على إغلاق مداخله، بل امتد إلى المنازل وحركة السكان واحتياجاتهم اليومية ومصادر رزقهم، فيما فرض الانتشار العسكري واقعا جعل المخيم بأكمله يعيش تحت السيطرة المباشرة للقوات الإسرائيلية.
حصار يتجاوز الملاحقة الأمنية
قدمت إسرائيل العملية باعتبارها حملة تستهدف ما تصفه بـ"البنى التحتية الإرهابية"، وتتضمن اعتقال واستجواب مطلوبين ومصادرة أسلحة وتوسيع حرية عمل قواتها الأمنية.
لكن مجريات العملية على الأرض اتخذت نطاقا أوسع. فإغلاق مداخل المخيم عرقل حركة السكان والطواقم الطبية، ومنع عائلات من تأمين احتياجاتها اليومية، فيما بقيت أسر لساعات طويلة داخل منازلها دون معرفة ما إذا كانت القوات ستقتحمها.
ومع دخول العملية يومها الثاني، اتسعت مداهمات المنازل، وترافق ذلك مع تفجير الأبواب وتكسير المحتويات والاعتداء على السكان. أُجبرت بعض العائلات على إخلاء منازلها، بينما بقيت أخرى محاصرة داخلها، وحُوّلت بعض البيوت إلى مواقع عسكرية ومراكز للتحقيق الميداني.
تحولت ساعات الحصار إلى حالة من الترقب المستمر؛ أصوات تفجير الأبواب والتكسير والضرب والصراخ كانت تنتقل من منزل إلى آخر، فيما ينتظر السكان ما قد يحدث في المنزل التالي.
في أحد المنازل، عُزل أفراد العائلة عن بعضهم وخضعوا للتحقيق بشكل منفصل، وتعرضت إحدى الفتيات للضرب بعقب البندقية، فيما اقتيد طفل يبلغ 15 عاما إلى مركز تابع لشرطة الاحتلال قبل الإفراج عنه. وفي منزل آخر، تعرض رب الأسرة وابنه للضرب والركل والاعتداء بأعقاب البنادق، بينما بقي بقية أفراد العائلة في غرفة منفصلة يسمعون صراخهما.
بهذا الشكل، تحولت ساعات الحصار إلى حالة من الترقب المستمر؛ أصوات تفجير الأبواب والتكسير والضرب والصراخ كانت تنتقل من منزل إلى آخر، فيما ينتظر السكان ما قد يحدث في المنزل التالي.
حين يصبح الخبز والعلاج أزمة
لم يتوقف أثر الحصار عند الاقتحامات والاعتقالات. فالإغلاق المفاجئ وضع سكان المخيم أمام أزمة في أبسط الاحتياجات اليومية.
انقطع الخبز عن عائلات، وحاول بعضها إعداده داخل المنازل، بينما نقل الجيران الخبز والمساعدات عبر النوافذ. وواجه مرضى صعوبة في الوصول إلى العلاج، لا سيما مرضى غسيل الكلى، في حين لم تتمكن عائلات تعتمد في دخلها على العمل اليومي من الوصول إلى أعمالها طوال يومين.
وكان الأطفال في قلب المشهد النفسي للعملية. أصوات القنابل والضرب والصراخ القادمة من المنازل المجاورة تركت حالة من الخوف والتيه لدى كثير من العائلات، في وقت زادت فيه المخاوف من تكرار ما شهدته مخيمات شمال الضفة الغربية.
ومع عدم معرفة السكان مسبقا بالحصار، لم تكن معظم العائلات قد أمنت احتياجاتها، لكن ذلك قابله تعاضد اجتماعي داخل المخيم، تمثل في تبادل الخبز والمساعدات، والاتصالات المستمرة للاطمئنان على العائلات المحاصرة.
قلنديا في سياق مخيمات الشمالليست هذه المرة الأولى التي يشهد فيها مخيم قلنديا اقتحاما واسعا. ففي أبريل/نيسان الماضي، استمرت عملية عسكرية فيه نحو 18 ساعة، وتخللها اعتقالات واقتحام للمنازل وتحويل بعضها إلى ثكنات عسكرية وتكسير محتوياتها.
لكن العملية الأخيرة جاءت في سياق شهدت خلاله مخيمات جنين وطولكرم ونور شمس عمليات عسكرية شملت الهدم والتهجير وتغيير معالم المخيمات، إلى جانب تصريحات إسرائيلية عن الاستعداد لتوسيع العمليات والسيطرة على مخيمات إضافية في الضفة الغربية.
لم تتوقف الخسائر عند هدم المحال. فإغلاق الطرق حال دون تمكن أصحابها من الوصول إليها وإخلائها من البضائع قبل هدمها، فيما قُدرت خسائر أحد التجار بنحو 250 ألف شيكل.
لذلك، استعاد سكان قلنديا خلال ساعات الحصار ما شهدته مخيمات الشمال، وبدا الخوف من تكرار ذلك السيناريو حاضرا في حديثهم عن العملية الأخيرة.
وتزامنت العملية مع خطوات طالت محيط المخيم أيضا. فمنذ بداية عام 2026، هُدمت منشآت ومحال تجارية في محيط حاجز قلنديا وكفر عقب، فيما هدمت الجرافات الإسرائيلية خلال العملية الأخيرة سبعة محال تجارية قرب الحاجز، كانت مصدر دخل لنحو 25 عائلة.
ولم تتوقف الخسائر عند هدم المحال. فإغلاق الطرق حال دون تمكن أصحابها من الوصول إليها وإخلائها من البضائع قبل هدمها، فيما قُدرت خسائر أحد التجار بنحو 250 ألف شيكل.
موقع يتجاوز حدود المخيم
تتداخل أهمية قلنديا الجغرافية مع طبيعتها كمخيم للاجئين. فالمخيم يقع بين القدس ورام الله، على الطريق الرئيسي الواصل بينهما، وبالقرب من حاجز قلنديا، أحد أبرز الحواجز العسكرية في المنطقة. كما يقع عند البوابة الشمالية للقدس، في نقطة تربط المدينة برام الله وشمال الضفة الغربية.
وتشهد المنطقة مشاريع إسرائيلية تتعلق بإعادة تشكيل الواقع الجغرافي والديمغرافي، من بينها مخطط الطريق 45، الممتد من منطقة مخماس مرورا بمحيط حاجز قلنديا وصولا إلى القدس ومناطق داخل الخط الأخضر، إلى جانب مخططات استيطانية أخرى في قلنديا ومحيطها.
لكن أهمية المخيم لا تتصل بموقعه فقط. فقد أُنشئ عام 1949 لإيواء الفلسطينيين الذين هُجّروا من قراهم وبلداتهم، ويقطنه اليوم نحو 19 ألف لاجئ مسجل لدى الأونروا.
ومن هنا، تتقاطع التطورات التي يشهدها المخيم مع قضية اللاجئين. فتقليص خدمات الأونروا ومحاولات تقليص حضورها، إلى جانب استهداف منشآت داخل المخيم، ترتبط لدى السكان بمخاوف تتصل بمستقبل المخيم.
ما بعد الانسحابمع انسحاب القوات الإسرائيلية فجر الجمعة، انتهى الحصار، لكن آثاره بقيت في المخيم: 51 إصابة، وأكثر من 60 حالة اعتقال واحتجاز وتحقيق ميداني، ومنازل تعرضت للتخريب، وعائلات عاشت ساعات طويلة تحت الخوف، ومحال تجارية هُدمت وفقدت أسر مصادر دخلها.
انتهت العملية بانسحاب القوات من أزقة المخيم، لكن يومين من الحصار غيّرا تفاصيل الحياة داخله: من حركة السكان والطواقم الطبية، إلى المنازل التي تحولت إلى مواقع عسكرية، والمحال التي تحولت إلى أنقاض، والخوف الذي بقي حاضرا حتى بعد مغادرة الجنود.
كما بقيت المخاوف من تكرار العملية، في ظل تصاعد العمليات العسكرية في الضفة الغربية، وما شهدته مخيمات جنين وطولكرم ونور شمس من هدم وتهجير وتغيير في جغرافيتها.
انتهت العملية بانسحاب القوات من أزقة المخيم، لكن يومين من الحصار غيّرا تفاصيل الحياة داخله: من حركة السكان والطواقم الطبية، إلى المنازل التي تحولت إلى مواقع عسكرية، والمحال التي تحولت إلى أنقاض، والخوف الذي بقي حاضرا حتى بعد مغادرة الجنود.