البؤر الاستيطانية... خرائط الضم تُرسم من قمم التلال
13 أغسطس 2026
انشر الخبر على منصتك المفضلة
لم يعد التوسع الاستيطاني في الضفة الغربية يُقاس بعدد الوحدات السكنية التي تعلن عنها الحكومات الإسرائيلية أو بحجم المستوطنات التي يجري توسيعها، بل باتت البؤر الاستيطانية تمثل المؤشر الأكثر دلالة على طبيعة المشروع الاستيطاني في مرحلته الراهنة. فهذه البؤر، التي تبدأ غالبا بخيمة أو غرفة متنقلة أو حظيرة أغنام فوق تلة فلسطينية، تحولت خلال السنوات الأخيرة إلى أداة متقدمة لإعادة تشكيل الجغرافيا، وفرض وقائع ميدانية تسبق القرار السياسي، ثم تدفعه لاحقا إلى منحها الغطاء القانوني والإداري.
البؤر الاستيطانية.. من الوجود المؤقت إلى أداة سيطرة
ويعكس التصاعد غير المسبوق في إنشاء البؤر الاستيطانية خلال العام الجاري انتقال المشروع الاستيطاني إلى مرحلة مختلفة، تقوم على الانتشار السريع في المواقع الإستراتيجية، وإحكام السيطرة على المرتفعات والممرات الجغرافية والأراضي الزراعية، بما يقطع التواصل بين التجمعات الفلسطينية ويخلق واقعا جديدا يصعب التراجع عنه في أي تسوية سياسية مستقبلية.
وتشير معطيات هيئة مقاومة الجدار والاستيطان إلى إنشاء 56 بؤرة استيطانية منذ مطلع عام 2026، توزعت على مختلف محافظات الضفة الغربية، من الخليل وبيت لحم جنوبا، مرورا برام الله والقدس، وصولا إلى نابلس وجنين وسلفيت والأغوار. ولم يقتصر التوسع على المناطق المصنفة "ج"، بل امتد إلى ست بؤر أُقيمت داخل مناطق "ب"، الخاضعة إداريا للسلطة الفلسطينية وفق اتفاق أوسلو، في دلالة على اتساع نطاق المشروع الاستيطاني وتجاوزه الخطوط التي رسمتها الاتفاقات السياسية.
ولا تبدو هذه البؤر، وفق القراءة الفلسطينية، مجرد مواقع متناثرة على قمم الجبال، بل حلقات ضمن شبكة متكاملة تهدف إلى إعادة توزيع السيطرة على الأرض الفلسطينية. فكل بؤرة جديدة تملأ فراغا جغرافيا بين مستوطنتين، أو تتحكم بطريق زراعي، أو تشرف على تجمع فلسطيني، بما يجعلها أداة لإعادة رسم الخريطة أكثر من كونها تجمعا سكانيا صغيرا.
وثقت هيئة مقاومة الجدار والاستيطان إقامة 11 بؤرة استيطانية جديدة خلال ثلاثة أيام فقط، توزعت بين محافظات نابلس ورام الله وسلفيت والأغوار.
ويكتسب هذا المسار دلالات أكبر إذا ما قورن بالتصاعد في أعداد البؤر خلال السنوات الأخيرة. فبعد إنشاء 12 بؤرة عام 2022، ارتفع العدد إلى 18 في عام 2023، ثم إلى 56 خلال عام 2024، قبل أن يقفز إلى 86 بؤرة في عام 2025، وهو منحنى يعكس انتقال الاستيطان من التوسع التقليدي إلى إستراتيجية تقوم على فرض الوقائع بوتيرة متسارعة، مستفيدة من المناخ السياسي الداخلي في إسرائيل ومن الحرب المستمرة منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023.
ويكشف ما جرى عقب أحداث قرية تل، جنوب غرب نابلس، عن هذا النمط بصورة واضحة. فبعد الهجوم الذي نفذته مجموعات من المستوطنين على القرية، وما أعقبه من مواجهات ميدانية، وثقت هيئة مقاومة الجدار والاستيطان إقامة 11 بؤرة استيطانية جديدة خلال ثلاثة أيام فقط، توزعت بين محافظات نابلس ورام الله وسلفيت والأغوار. ولم يكن هذا الانتشار مجرد تزامن زمني، بل عكس آلية متكررة يجري فيها استثمار التوترات الأمنية لتوسيع السيطرة على الأرض، بحيث تتحول كل أزمة ميدانية إلى فرصة لإقامة نقاط استيطانية جديدة.
كيف تصنع البؤرة؟
وبالتوازي مع ذلك، صدرت مواقف إسرائيلية رسمية تدفع نحو مزيد من التصعيد في الضفة الغربية، سواء عبر توسيع العمليات العسكرية أو من خلال الخطاب السياسي الداعي إلى فرض السيادة الإسرائيلية على أجزاء واسعة من الضفة. ويشير هذا التزامن، وفق مراقبين، إلى أن المشروع الاستيطاني لم يعد يتحرك بمعزل عن القرار السياسي، بل بات أحد أبرز أدواته التنفيذية على الأرض.
وتؤكد هيئة مقاومة الجدار والاستيطان أن البؤر الجديدة ليست مبادرات فردية ينفذها مستوطنون بصورة عشوائية، وإنما جزء من سياسة متكاملة تتوزع فيها الأدوار بين المستوطنين والمؤسسات الرسمية. فالمستوطنون يفرضون الوجود الأولي في الموقع، بينما تتولى سلطات الاحتلال توفير الحماية العسكرية، وتمويل البنية التحتية، وشق الطرق، ومد شبكات المياه والكهرباء، قبل الدفع نحو الاعتراف بالبؤرة وتحويلها إلى مستوطنة دائمة.
لا تقتصر وظيفة البؤرة على المساحة التي أقيمت عليها، بل تتحول إلى مركز نفوذ يفرض واقعا جديدا على محيطه، ويؤدي عمليا إلى عزل القرى الفلسطينية عن أراضيها الزراعية، وقطع الامتداد الجغرافي بينها، وربط الموقع الجديد بالمستوطنات المجاورة عبر شبكة من الطرق والبنية التحتية.
وتبدأ عملية إنشاء البؤرة عادة باختيار موقع مرتفع أو أرض زراعية ذات أهمية إستراتيجية، ثم نصب خيمة أو كرفان وإدخال قطعان من الأغنام أو المواشي، في محاولة لفرض وجود دائم في المكان. وبعد فترة قصيرة، تبدأ الطرق بالوصول إلى الموقع، وتُؤمَّن الحماية العسكرية للمستوطنين، بينما يُمنع الفلسطينيون تدريجيا من الوصول إلى أراضيهم أو استغلالها، لتتوسع دائرة السيطرة حول البؤرة إلى مساحات تتجاوز كثيراً حدودها المباشرة.
وهكذا لا تقتصر وظيفة البؤرة على المساحة التي أقيمت عليها، بل تتحول إلى مركز نفوذ يفرض واقعا جديدا على محيطه، ويؤدي عمليا إلى عزل القرى الفلسطينية عن أراضيها الزراعية، وقطع الامتداد الجغرافي بينها، وربط الموقع الجديد بالمستوطنات المجاورة عبر شبكة من الطرق والبنية التحتية.
ويظهر هذا النموذج بوضوح في منطقة برين شرق الخليل، حيث بدأت بؤرة "بني حيفر" قبل نحو عقدين بغرفة متنقلة واحدة، قبل أن تتحول تدريجيا إلى تجمع استيطاني واسع، ثم أصبحت نقطة انطلاق لإقامة بؤر أخرى في محيطها. ويقدم هذا المثال صورة مكثفة عن الطريقة التي تنتقل بها البؤرة من وجود مؤقت إلى مستوطنة فعلية، بما يعزز النفوذ الاستيطاني على مساحات أوسع من الأراضي الفلسطينية.
مذا تقول الأرقام؟
ولا يمكن فصل هذا التوسع عن الخطاب السياسي الإسرائيلي المتصاعد الداعي إلى ضم الضفة الغربية. فالتصريحات التي يكررها مسؤولون في الحكومة الإسرائيلية بشأن اعتبار الضفة جزءا من إسرائيل، والدعوات إلى فرض السيادة على مساحات واسعة منها، تجد ترجمتها العملية في الانتشار المتواصل للبؤر الاستيطانية، التي تفرض وقائع يصعب تجاوزها مستقبلاً، وتمنح مشاريع الضم بعداً ميدانياً قبل أن تصبح قرارات رسمية.
وتتزامن هذه السياسة مع تصاعد غير مسبوق في اعتداءات المستوطنين، التي طاولت الفلسطينيين وأراضيهم وممتلكاتهم، إلى جانب عمليات اقتلاع الأشجار، وإحراق الممتلكات، ومنع المزارعين من الوصول إلى حقولهم. وفي هذا السياق، لا تبدو البؤر منفصلة عن هذه الاعتداءات، بل تمثل امتدادا لها، إذ يتحول العنف الميداني في كثير من الأحيان إلى مقدمة للاستيلاء على الأرض وتثبيت وجود استيطاني دائم.
تبدو البؤرة الاستيطانية اليوم أكثر من مجرد خيمة على قمة جبل أو كرفان في أرض زراعية؛ فهي أصبحت الأداة الأكثر فاعلية في المشروع الاستيطاني الإسرائيلي.
وتشير المعطيات إلى أن نحو 750 ألف مستوطن يقيمون اليوم في 156 مستوطنة و360 بؤرة استيطانية في الضفة الغربية، بما فيها القدس الشرقية، فيما شهدت السنوات الأخيرة مناقشة مئات المخططات الاستيطانية، ومصادرة عشرات آلاف الدونمات، وهدم آلاف المنازل والمنشآت الفلسطينية.
تبدو البؤرة الاستيطانية اليوم أكثر من مجرد خيمة على قمة جبل أو كرفان في أرض زراعية؛ فهي أصبحت الأداة الأكثر فاعلية في المشروع الاستيطاني الإسرائيلي، إذ تبدأ باعتبارها وجودا محدودا، ثم تتحول تدريجيا إلى مستوطنة مكتملة، بينما يتسع نفوذها ليطال محيطها الفلسطيني. وبينما تستمر هذه العملية بوتيرة متصاعدة، تتغير خريطة الضفة الغربية على الأرض، خطوة بعد أخرى، في مسار يبدو أنه يستهدف تثبيت وقائع دائمة تسبق أي مسار سياسي، وتعيد تعريف حدود السيطرة والنفوذ في الأراضي الفلسطينية.