تماسيح بن غفير.. حين تتحول الحيوانات إلى أدوات لقمع الفلسطينيين
13 أغسطس 2026
انشر الخبر على منصتك المفضلة
من التماسيح في محيط السجون إلى كلاب الهجوم والخنازير البرية، يسلط مقال نشره موقع ميدل إيست آي (Middle East Eye) الضوء على ما يصفه باستخدام إسرائيل للحيوانات كأدوات ضمن سياسات السيطرة والترهيب تجاه الفلسطينيين، معتبرا أن هذه الممارسات ليست جديدة، بل تمتد جذورها إلى مراحل مبكرة من المشروع الصهيوني، حين جرى توظيف الحيوانات في الخطاب والسياسات المرتبطة بإعادة تشكيل الأرض والسكان.
ويشير المقال إلى أن إعلان وزير الأمن القومي الإسرائيلي إيتمار بن غفير عن نية استخدام تماسيح النيل لحراسة السجون التي يُحتجز فيها أسرى فلسطينيون أثار جدلا واسعا، خاصة مع اختيار سجن كتسيعوت في النقب، الذي كان يُستخدم خلال الانتفاضة الفلسطينية الأولى كمعتقل احتُجز فيه آلاف الفلسطينيين.
وبحسب المقال، فإن الخطة تستند إلى إنشاء خنادق مائية حول السجون وإطلاق التماسيح فيها، بعد أن منحتها السلطات الإسرائيلية تصنيفا قانونيا يسمح بتربيتها واستخدامها ضمن إطار منظم، بما يسمح باستخدامها في هذا السياق.
ويربط الكاتب هذه الفكرة بمركز احتجاز المهاجرين في ولاية فلوريدا الأمريكية المعروف باسم "ألكاتراز التمساح"، معتبرا أن التجربة الأمريكية ألهمت نموذجا مشابها داخل منظومة استعمارية أخرى.
من الاستعارات الحيوانية إلى الاستخدام الفعلي للحيوانات
لا يبدأ استخدام الحيوانات في الخطاب الإسرائيلي تجاه الفلسطينيين مع خطة إيتمار بن غفير لاستخدام التماسيح في محيط السجون، بل يمتد إلى تاريخ طويل من التشبيهات الحيوانية التي استخدمها مسؤولون إسرائيليون لوصف الفلسطينيين. فمنذ عقود، لجأ قادة سياسيون وعسكريون إسرائيليون إلى أوصاف تحط من إنسانية الفلسطينيين، حيث وصف وزير الأمن الإسرائيلي السابق يوآف غالانت الفلسطينيين خلال الحرب على غزة بأنهم "حيوانات بشرية"، فيما استخدم مسؤولون سابقون أوصافًا مثل "الدبابير" و"الكلاب" و"الوحوش ذات القدمين" و"الصراصير" و"الجراد".
ويحضر في هذا السياق تصريح رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق إيهود باراك عام 2000، عندما وصف الفلسطينيين بأنهم "تماسيح"، في مفارقة لافتة مع مشروع بن غفير الحالي الذي ينقل التوصيف من الاستعارة إلى الواقع، عبر إدخال تماسيح حقيقية ضمن منظومة حراسة السجون التي يُحتجز فيها الأسرى الفلسطينيون.
العلاقة بين إسرائيل والحيوانات، وفق المقال، لا تقف عند حدود اللغة أو التشبيه، بل تتجاوزها إلى استخدام الحيوانات ضمن سياسات السيطرة والإخضاع.
غير أن العلاقة بين إسرائيل والحيوانات، وفق المقال، لا تقف عند حدود اللغة أو التشبيه، بل تتجاوزها إلى استخدام الحيوانات ضمن سياسات السيطرة والإخضاع، سواء عبر استهداف الحيوانات الفلسطينية نفسها أو إعادة تشكيل البيئة الطبيعية بما يخدم أهدافًا سياسية واستيطانية.
وخلال الحرب على غزة، ظهرت آثار هذا الاستهداف في تدمير الحياة الحيوانية داخل القطاع، حيث وثّق تقرير لقناة الجزيرة الإنجليزية في نوفمبر/تشرين الثاني 2023 مشاهد من حديقة الحيوانات في غزة، ظهر فيها الكاتب والشاعر الفلسطيني رفعت العرير وهو يتجول بين الحيوانات النافقة وتلك التي تعاني الجوع، قبل أن يُقتل بعد أيام مع عدد من أفراد عائلته خلال الحرب.
الطبيعة كأداة لإعادة تشكيل الأرض
ولم تقتصر الخسائر على الحيوانات التي نفقت بفعل القصف، بل امتدت إلى الثروة الحيوانية الفلسطينية، إذ يتناول المقال اعتداءات المستوطنين على المواشي الفلسطينية، من سرقة وقتل واستهداف، إلى جانب محاولات إعادة تعريف بعض عناصر الطبيعة الفلسطينية ضمن رواية إسرائيلية خاصة؛ ومن ذلك إعلان إسرائيل عام 2018 عن الأفعى الفلسطينية الأصلية باعتبارها "الثعبان الوطني" لإسرائيل.
كما يتوقف المقال عند سياسات إعادة توطين بعض الحيوانات في مناطق فلسطينية، مثل الغزال الفارسي والحمار البري الآسيوي، باعتبارها جزءا من سردية "العودة" التي رافقت المشروع الصهيوني. فقد نُقلت هذه الحيوانات من إيران إلى إسرائيل وأُطلقت في مناطق مختلفة، إلا أن وجودها أدى إلى قيود جديدة على حياة الفلسطينيين، خصوصا البدو في النقب.
في حالة الغزلان الفارسية، رافق إدخالها إلى تلال القدس قتل أعداد من الكلاب البرية التي أعيد تصنيفها باعتبارها "حيوانات متوحشة"، ما سمح بالتخلص منها قانونيا بحجة حماية الغزلان.
فمع انتشار الحمير البرية في مناطق الرعي، واجه أصحاب الجمال الفلسطينيون غرامات بسبب دخول مواشيهم إلى مناطق أصبحت مخصصة لهذه الحيوانات. وخلال عامي 2018 و2019 وحدهما، فرضت السلطات الإسرائيلية عشرات الغرامات على البدو الفلسطينيين بحجة دخول جمالهم إلى مناطق الحماية الخاصة بالحمير البرية.
وفي حالة الغزلان الفارسية، رافق إدخالها إلى تلال القدس قتل أعداد من الكلاب البرية التي أعيد تصنيفها باعتبارها "حيوانات متوحشة"، ما سمح بالتخلص منها قانونيا بحجة حماية الغزلان.
أما في الضفة الغربية، فيتناول المقال استخدام الخنازير البرية كوسيلة لترهيب الفلسطينيين، مشيرا إلى حوادث اتُّهم فيها مستوطنون بإطلاق هذه الحيوانات قرب تجمعات فلسطينية، ما أدى إلى إلحاق أضرار بالمحاصيل ومهاجمة السكان والمواشي. كما يذكر حادثة إطلاق الجيش الإسرائيلي خنازير برية قرب بلدة إكتابا قرب مخيم نور شمس عام 2025، بعد تهجير سكان المخيم، معتبرا أن الخطوة هدفت إلى تخويف الفلسطينيين الراغبين بالعودة إلى منازلهم.
كلاب الهجوم داخل المنظومة الأمنية
لا يقتصر توظيف الحيوانات في المنظومة الأمنية الإسرائيلية، وفق الطرح الذي يقدمه المقال، على الخنازير البرية أو التماسيح، بل يمتد إلى استخدام الكلاب العسكرية ضمن العمليات الأمنية. إذ تعتمد وحدة "عوكيتس" التابعة للجيش الإسرائيلي على كلاب مدربة يتم استيراد بعضها من دول أوروبية، وتُستخدم في مداهمات وعمليات تستهدف الفلسطينيين.
وخلال الحرب على غزة، برز دور هذه الوحدة بشكل أكبر، إذ نفذت عشرات الهجمات التي أسفرت عن مقتل فلسطينيين وإصابة آخرين. ومن بين الحالات التي يتناولها المقال مقتل الفلسطيني محمد بحر، وهو شاب من ذوي الإعاقة (متلازمة داون والتوحد)، خلال اقتحام منزله، إضافة إلى إصابة عدد من الفلسطينيين في عمليات أخرى.
ويتطرق المقال كذلك إلى شهادات وتقارير حقوقية تحدثت عن استخدام الكلاب المدربة داخل السجون الإسرائيلية في ممارسات مهينة بحق الأسرى الفلسطينيين، بما في ذلك اتهامات بوقوع اعتداءات جنسية، معتبرا أن هذه الوقائع تمثل امتدادا لاستخدام الحيوان كأداة للترهيب والإخضاع.
في الوقت الذي أقرت فيه المحكمة العليا الإسرائيلية عام 2003 حظر إنتاج "كبد الإوز" لحماية الطيور من التعذيب الناتج عن الإطعام القسري، سمحت لاحقا بالتغذية القسرية للأسرى الفلسطينيين المضربين عن الطعام، وهي ممارسة واجهت انتقادات دولية ووصفت بأنها شكل من أشكال التعذيب.
وفي ختام قراءته لهذه الممارسات، يسلط المقال الضوء على ما يصفه بمفارقة في تعامل المؤسسة الإسرائيلية مع الحيوانات مقارنة بتعاملها مع الفلسطينيين؛ ففي الوقت الذي أقرت فيه المحكمة العليا الإسرائيلية عام 2003 حظر إنتاج "كبد الإوز" لحماية الطيور من التعذيب الناتج عن الإطعام القسري، سمحت لاحقا بالتغذية القسرية للأسرى الفلسطينيين المضربين عن الطعام، وهي ممارسة واجهت انتقادات دولية ووصفت بأنها شكل من أشكال التعذيب.
ومن هذا المنطلق، يضع المقال خطة بن غفير لاستخدام التماسيح في السجون ضمن سياق أوسع، لا باعتبارها إجراء منفردا، بل كحلقة جديدة في سلسلة من السياسات التي توظف الحيوانات والطبيعة ضمن أدوات السيطرة والقمع، وتحولها إلى جزء من منظومة تستهدف الفلسطينيين.